بيوت الشعر الظبيانية تكتسي ثوب 'التكنو-بداوة'

أبوظبي ـ من شيخة الغاوي
من قلب الصحراء إلى أرقى المنازل

لا ينبهر الزائر لدولة الإمارات العربية المتحدة خلال هذه الأيام فقط بالتطور الكبير الذي تشهده مدنها ولن تأخذه الدهشة لدى رؤيته تلك المباني الشاهقة التي تتنافس للوصول إلى الأعلى حول العالم، فلبيت الشعر نصيب أيضاً، وماضي الإماراتيين باق ولا يزال يسعى للوقوف أمام المد العمراني الذي يبدو كالطوفان.

والدالف لمدن الدولة على سبيل المثال لا بد أن يتوقف مندهشاً أمام بيوت الشعر الحديثة التي تزين مداخل الفلل والقصور الراقية.

وتقول المواطنة روية بنت خليفة الطنيجي، في السنوات القليلة الماضية انتقلت بيوت الشعر من قلب الصحراء لتجاور أرقى الفلل والقصور بعدما كانت في الماضي لا يعرفها إلا أهل البادية.

وتؤكد ان بيوت الشعر في الماضي كانت تتميز بخفتها ما يسهل عملية نقلها من مكان إلى أخر كما أنها بيوت بدائية بسيطة ما كان يمكن المرأة البدوية من سدوها وإصلاحها دون الحاجة إلى من يساعدها في القيام بهذه المهمة.

وتضيف الطنيجي "بيوت الشعر هي مسكننا في الزمن الماضي ونهتم بها كثيراً ومن المعروف أن بيوت الشعر تصنع من السدو وهو من الحرف الخاصة بالنساء الذي يعتبر أساس بيت الشعر، وتستغرق عملية إنشائه الوقت الكثير وتأخذ الجهد الوفير في مدة زمنية تتراوح بين شهر وشهرين خاصة إذا كانت المرأة مستمرة في عملها ولا تكلف بأي شيء آخر".

وأوضحت ان بيوت الشعر من أهم الوسائل التي صنعها البدو لأنفسهم بطريقة تقنية وتقليدية وتتميز بمقاومتها وتحملها لظروف البيئة الصحراوية المتقلبة.

وأشارت إلى أن بيت الشعر من الداخل "مقسم تقسيماً خاصاً في استعماله عند البدو حسب العادات والتقاليد ويكون غطاؤه من السدو الذي لا يخلو من فتحات صغيرة تسمح بمرور الهواء في فصل الصيف أما في مواسم الأمطار فتتضخم خيوط الشعر وتضيق حلقاتها بفعل المياه وبذلك لا تتسرب المياه إلى داخل بيت الشعر، كما انه عند إشعال النار بداخل بيت الشعر فان الدخان يصعد إلى الخارج عن طريق الفتحات الموجودة في سقفه".

وشددت على أن بيت الشعر رمز من رموز الأصالة البدوية العريقة وتراث قديم "نفتخر به جميعاً".

من جانبها قالت المواطنة شمسة المزروعي ان صوف الغنم وشعر الماعز كان من أهم المواد التي يصنع منها بيت الشعر إذ بعد غزلها تصبح خيوط صوف والتي تعتبر بدورها المادة الخام والضرورية لعملية السدو، مشيرة إلى أن شعر الغنم والماعز يغزل بالمغزل ومن ثم تجمع خيوط الصوف في هيئة كور صغيرة تسمى بالعامية "الدرية".

ولفتت المزروعي إلى أن أدوات السدو عبارة عن عمود النيره (يمسك خيوط السدو) والحف (عبارة عن خشبة مسطحة مثل المسطرة طولها متر) والمصر (عبارة عن كور سدو وهو الشيء الرئيسي في عملية السدو) والمقرن (قرن الظبي) وأعمدة السدو الأمامية والخلفية (4 أوتاد من الخشب)، منوهة إلى ان بيت الشعر يتكون من 8 طرايج (جمع طريجة وهي قطع السدو الجاهزة) بالعرض والطريجة تحتاج إلى 8 أيام سدو.

وأشارت إلى أن مكونات البيت الرئيسية هي الطرايج (السقف) والسناح أو حجاب البيت (الغدير والرقبة والمثناة) وجميعها تصنع من الصوف.

ووصفت بيت الشعر بأنه رمز من رموز الأصالة البدوية العريقة وتراث قديم نفتخر به جميعا لذا حرص أهل الإمارات على تجميل وتزيين بيوتهم منذ القدم واستعملوا عدداً من المقتنيات التي وضعوها داخل بيوت الشعر.

وأضافت "عادة ما يضع البدوي الخنجر والتفق (البندقية) والمحزم في عمود المجدمية (عمود يكون في مقدمة البيت) وكل هذه الأشياء تعطي منظراً بهياً وحسناً".

وأكدت أنه في ذلك الزمن أدوات الزينة الخاصة بالبيوت كانت قليلة جداً لكن لا تخلو بيوت الشعر منها.
بدوره أوضح عفيفي برغوثي ـ أحد العاملين في مجال توريد وتركيب بيوت الشعر والخيام ـ ان الطلب يزداد على بيوت الشعر في هذا الوقت من كل عام.

وأضاف "في السنوات العشر الماضية أخذت تظهر بيوت الشعر الراقية في حدائق المنازل والقصور وأصبح وجودها ضرورياً في المدن بعدما كانت في السابق تقتصر على أهل البادية".

ونوه الى أن بيوت الشعر انتقلت من قلب الصحراء لتجاور أرقى المنازل وتزين مداخل الفلل والقصور الفخمة.

وعزا برغوثي سبب انتشارها في المدن إلى عدد من المتغيرات العصرية مثل افتتاح الأسواق المالية والبورصات في الدولة حيث اعتاد تجار الأسهم في البداية على التجمع في المقاهي من أجل متابعة حركة الأسهم لكن مع ازدياد عدد المضاربين فكر الكثير منهم في إنشاء بيوت الشعر الراقية لتكون مكاناً مناسباً لتجمعهم من أجل متابعة حركة الأسهم والسهر فيها خاصة في شهر رمضان.

وقال ان كثيراً من زبائنه يراها ضرورية لأنها تعطي خصوصية للسكن كونها في العادة تبنى بعيداً بجوار المدخل فتجنب الفيلا الدخان المتصاعد من الكوار (أداة يوضع فيها الفحم) ومنح السكن والعائلة الهدوء.

وأوضح أنه في الوقت الحالي طال التطور بيوت الشعر حيث روعي فيها عمل نقاط للكهرباء وذلك لتجهيزها بالتكييف والإنارة وأصبح فرشها راقياً؛ إذ لا بد من وجود المجالس العربية الراقية بداخلها بل البعض يطلب تفصيلها حسب مواصفات خاصة.

وأضاف "غزت التكنولوجيا البيوت فلا يخلو بيت من جهاز اللابتوب والتلفاز وأصبحت أبواب وشبابيك بيوت الشعر تصنع من الخشب الطبيعي والألمنيوم بدلاً من الصوف وباتت ألوانها تتناسب مع ديكور بيت الشعر الداخلي وأرضية الرخام".

وأكد انه في ظل التطور دخلت العوازل الحرارية مثل الصوف الزجاجي كمادة أساسية في بناء بيت الشعر وتحول تكييفه من التكييف الطبيعي إلى تكييف مركزي أو وحدات منفصلة "سبليت" وفي الشتاء حلت أجهزة التدفئة بها مكان الكوار وتعددت أشكالها وأحجامها منها ما هو بسيط ومنها ما هو خيالي.

وأشار برغوثي الى أن مجال بناء بيوت الشعر الراقية أصبح قطاعاً اقتصادياً مهماً وركناً أساسياً من أركان الاقتصاد المحلي لا يمكن تجاهله، منوهاً الى ان متوسط سعر البيت الراقي الآن يتراوح بين 30 و150 ألف درهم حسب المواصفات المطلوبة من الزبون.(وام)