النسبية في سرديات الزمان المكاني

بقلم: د. السعيد الورقي
القصة القصيرة شكل بلا شكل

"في انتظار القادم" مجموعة قصصية جديدة للكاتب محمد عطية محمود، تقدم سرداً مغايراً وجديداً ومؤكداً على أن القصة القصيرة أصبحت شكلاً بلا شكل، ومؤكداً على أن القصة القصيرة هي الفن المتمرد دائماً، والحداثي دائماً والمتطلع إلى الجِدة المستمرة في القالب الفني لتقديم حكاية الحياة في أزمنتها وأمكنتها وحركتها، وهي تتحول جميعها إلى لحظات اجتماعية مسكونة بالإنسان.
الحياة والإنسان عند محمد عطية، سعي كل يوم من أجل الاستمرار، يقدم من خلالها الكاتب مشاهد لعلاقات تتداخل أحياناً وتتصارع أحياناً وتتقاطع أحياناً أخرى، لكنها في كل حال صور للحياة من خلال الإنسان وصور للحياة داخل الإنسان، تتحرك به ومعه في أبعاد الزمان والمكان والنسبية.
الزمن في قصص المجموعة لحظات الفعل وعلاقات التفاعل وحركة التوتر والسرد. والكاتب لا يعطي قيمة كبيرة للزمن الخارجي الذي توقفت ديناميكيته؛ فالزمن المتحرك هنا هو فقط الزمن النفسي النسبي الداخلي الذي يتحرك بحرية وسيولة مراوغة في فضاء النص، وتابع معي حركة الزمن في أية قصة من قصص المجموعة، ولتكن قصة "دقات"، وانظر إلى علاقات الترابط بين أزمنة الفقرات، ستراها كما في غيرها أزمنة متداخلة في زمان واحد هو الزمان النسبي أو النفسي الذاتي:
"تتزامن تكات مفتاحك في طبلة الباب، مع دقات ساعة الصالة.. نحو الشباك المواجه، تترنح خطواتك.. تؤوب خطواتك بعد سكونها للحظة، نحو الكراسي.. تدور متلفتاً يحيط بك رنين الهاتف المتوالي.. يهتز رأسك بفروته البيضاء الخفيفة.. تتأمل الصورة التي صارت إلى يمينك.. تردد في داخلك.. تبتسم.. تترحم على أبيك.. عناوينك الوامضة لا تفارق رأسك.. تتقدم خطوة داخل الحجرة.. تستريح قليلاً.. تتنهد.. تتناول كوب عصير الليمون بالسكر.. حتى تعاود الساعة التي فوق رأسك دقاتها.. تتزامن مع صوت احتكاك حذاء طبيبك بآخر درجات السلم الصاعدة.. "
الزمن هنا زمن دائري، محوره الإنسان يبدأه من حيث شاء، ومن اللحظة التي يشاء على محيط الدائرة ليعود إلى زمن البداية من جديد، وما بين نقطتي البداية والالتقاء أزمنة كثيرة تتحرك ما بين الحاضر والماضي والمستقبل.
وتقدم حركة الزمن النسبي هنا في مراوغتها وسيولتها، حركة المكان الذي يتشكل في قصص المجموعة تشكيلاً مميزاً وجديداً وغير مألوف في السرديات القصصية التي بين أيدينا.
المكان في قصص محمد عطية، بطل سردي يتحرك بالزمن، ويتحرك بالإنسان، ويتحرك بعناصر السرد الأخرى من حبكة وصراع ومعنى، وهو مثل الزمن في قصص محمد عطية، مكان نسبي محمل بالبعد الإنساني ومتحرك بانفعالاتها.
وانظر إلى حركة المكان في بعدها النسبي في قصة مثل قصة "اختراق"، وأسوق هنا جزءا منها لترى كيف أصبح المكان سارداً، وكيف يتحرك من خلال النسبية النفسية:
"تتسلل خطواتك مرهونة بنظراتك الوجلة، حول محيط الحوض الشرقي.. من خلف حاجزه المسلسلة قوائمه المعدنية المتمايلة المتناثرة، بحلقات متشابكة. تهبط نظراتك مع درجاته الخرسانية ـ بلا ساتر ـ المتشبعة بملح الأرض من حولها والرمال الخشنة المتطايرة من رمَّالة المراشمة. تدور مع البروزات المتوازية بجوانبه الثلاثة، تخترقها السلالم المعدنية المتضمخة باللون الأخضر الطحلبي المنزلق؛ لتؤدي إلى الكتلة الأسفل منها.. كما تراءت لكَ في أسفارك الليلية، والتحمتَ بها، وجاهدتَ أنفاسكَ ومكامنك، كي لا تنزلق مع طحالبها.. وتهوي إلى قرار الحوض الذي بدا لكَ ممتلئاً تسعى فيه رايات بيضاء مشرعة.. تنحدر منك نحو الأرضية الموزعة فيها قواعد تحكم رسو ما تعطل من سفن... إلخ".
نقل محمد عطية، مركزية السرد من الإنسان، فنفى عنه سلطة الحكي والتحريك، فالإنسان في الفلسفات الحديثة لم يعد سيد الكون، وإنما هو عنصر من عناصر أخرى منوعة منها الإنسان. ومن هنا برز المكان كياناً سردياً يمكن أن تكون له سلطة الحكي وبطولة السارد، وهو ما يؤكده منذ البداية عنوان المجموعة وعناوين معظم القصص التي غلب عليها التنكير للشيوع والعمومية مثل "شرفة ـ صباح قباري المنور ـ اختراق ـ فواصل ضيقة ـ إفاقة ـ متاهة العارف ـ خارج السرب ـ تسلل".
ولمحمد عطية طريقته الخاصة والمبتكرة في تحريك المشاهد المكانية في زمنها الخاص. فهو يركب الجمل تركيباً متوالياً على نحو توليدي حيث تتوالد الجمل الوصفية من بعضها باضطراد متداعي:
"ترفرف الروح بجناحي الرهبة والمغامرة، بينما تجتاح قسمات الوجه قشعريرة تزم العينين اللامعتين بدوائر تشد معها ما حول الأنف وفوق الشفاه، النابت فيها زغب الشارب، لأعلى..( قصة "نصف حلم.. نصف روح").
"يلتصق جسمك ـ متعامداًـ على حد الجانب المغلق للباب الحديدي، بالمدخل الرخامي البارد، وتتعلق يداك ـ متقاطعتين ـ فوق رأسك بأعلاه، وبنصف وجه.. تحدِّق بالداخل.. تخترق عينك اليمنى نحو شجيرات الورد على الجوانب.. تبحث ـ بحيرة ـ وسط وجوه باسمة وأخرى واجمة، متحلقة حول المناضد... إلخ. (قصة "طقوس.. للرؤية").
القصة القصيرة عند محمد عطية، هي اللحظة الأكثر حيوية وامتلاءً بالحياة، والحياة هي كل عناصر الكون، وليس الإنسان فقط، الذي أزاحه الكاتب عن مركزية السرد إلى عناصر أخرى يمكن أن تكون لها البطولة وخاصةً الزمان والمكان.
وقد استطاع الكاتب أن يقدم لحظة افتراضية يتداخل فيها الزمان بالمكان؛ ليصبحا نسجاً واحداً يمكن أن يحرك الحياة حركة نسبية في بعد جديد يتجاوز الأبعاد التقليدية.
هذا التصور الجديد للقصة القصيرة والحياة في حركتها وصياغة هذه الحركة، كان بحاجة بلا شك إلى لغة سردية جديدة وهو ما قدمه محمد عطية. فإلى جانب اتكائه على الشاعرية الانفعالية واعتماده على تقنيات تعدد الضمائر وتداخلها واستخدام أساليب المونتاج والكولاج، نجد هذه اللغة التوليدية حيث يجمع الكاتب في ترابط توليدي متداعي مجموعات من المصاحبات الدلالية لغوياً وضوئياً، لتدعيم الدلالة الانفعالية من ناحية، ولتقديم توافقات نغمية تقدم خلفية الحركة والصورة:
"انعكست الأنوار المنبعثة من مخادعها بترابيع السقف الصناعي على الحوائط اللامعة، وأرضية ممر (العناية المركزة) المزججة، اصطدمت بالخطوات الملهوفة للأحذية المدببة الكعوب.. يتباين إيقاع تقابلها مع الأرض، نحو الباب العريض المغلق في نهاية الممر، يشع من خلال زجاجه ضوء فوسفوري خافت، تبرز أسفله عبارة (ممنوع الدخول) ... إلخ " (قصة "غيبوبة").
لقد أراد الكاتب أن يقدم نصاً سردياً جديداً يحتفظ بالتقاليد الأدبية لفن القصة القصيرة مع طموح متمرد يرفض المألوف والتقليدي، فكان هذا السرد الجديد الذي قدم مشاهد وصفية لحركة الحياة بما فيها من لحظة وموقف افتراضي يتصل فيها الزمان بالمكان في بعد نسبي شديد الخصوصية.
وأعتقد أن عطية وفق في هذا بفضل إدراكه الواعي لحفيات فنه، وبفضل إحساسه الواضح بلغة الأداء وبفضل وعيه المتحفز للتمرد والمخالفة. أ. د. السعيد الورقي
أستاذ النقد الأدبي الحديث بكلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية