علوم اللسان لِتفريج كُربة التاريخ ولِلتّحكّم بالزمان

بقلم: محمد الحمَّار
اللغة حياة

'التخلية والتحلية' منهج للصوفية عبّر عنه بعض الصحابة بقولهم: "كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُفرغنا ثمّ يملؤنا."
التفريغ:
والتفريغ الذي أقصده تاريخي بالأساس. وأعني تفريغ التاريخ كما هو متماثل للكائن المسلم؛ في خلده وفي ذهنه وفي إيمانه وفي سلوكه وفي معرفته بالعلوم وبالكون؛ تفريغه من الخزعبلات والترهات والعقد والأحقاد وكل الشوائب.
أمّا دور الدين في عملية التفريغ فهو عبارة على الملعقة التي يتمّ بها تفريغ الأكل من القدر. والتفريغ يطالُ السيئ من الثقافة الدينية. وقد يطال الحسن الذي ليس مستعملا في محلّه فأصبح قبيحا.
أنموذج تركيا ومنوال تونس
ما فعله مصطفى كمال أتاتورك من اجتثاث للثقافة الإسلامية من الجذور، ومن محاولة لتبديل معالم الشخصية التركية المسلمة، كان من قبيل الضارة النافعة. لننظر إلى تركيا اليوم. لقد عرف شعبها كيف يستخدم التفريغ الذي قام به أتاتورك لفائدته. ركّب مقوماته من جديد. على أرضية مرتبِكة لكن يمتطيها شعب مؤمن في الصميم تدرّب على الذكاء وعرف كيف يعبئ من جديد.
وقد حصل شيء مشابه جدّا في تونس في السنوات الستين لمّا ثارت ثائرة الحاكم على التقاليد البالية، من زيارة "زوايا" الأولياء وارتداء "السفساري" (رداء أبيض يغطي كامل جسم المرأة) والنقاب (وكان اسمه "الخامة" عندنا).
صحيح أنّ الأمر لم يعجب كثيرا من المشايخ وعموم العنصر الرجالي، ولكنّ الجيل الموالي في السبعينيات والثمانينيات حاول استخدام الأمر المقضي لإعادة بناء فكر يكون حداثيا وفي الوقت نفسه مستلهما القيم من المدرسة الزيتونية الدينية التقليدية. وقد نجح في ذلك إلى حدّ ما.
تربّى على ذلك المنحى تيار كامل فكره نابع من الجامعة الحديثة قد يكون، في اعتقادي، فشل في مواصلة التحديث في اتجاه مرضاة المؤمنين والعصر معًا.
وقبل سنة تقريبا صدر كتاب "ليطمئنّ قلبي" عن المفكر د. محمد الطالبي، أستاذ التاريخ والانثروبولوجيا، أشهر من توخّوا المنهج المقاصدي في قراءة القرآن. وما يلفت الانتباه في الكتاب أنّه يطلق اسم "الانسلاخسلاميين" على كل هؤلاء المثقفين الذين لم يراعوا إيمان الشعب في حساباتهم التنظيرية.
نستنتج حينئذ أنه سرعان ما ارتطم الفكر التحديثي بحقيقة ثابتة: ليست في الفكر العربي والإسلامي المعاصر أية هندسة لِما ينتجه الفكر التنظيري (أركون، الجابري، حنفي، أبو زيد، سروش وغيرهم). فاقد الشيء لا يعطيه، ولا لَوم على السياسة والسياسيين في تعطل حركة التحديث الأصيل.
وما من شك أنّ تركيا نجحت في ما لم تفلح فيه تونس (إدماج الأحزاب السياسية الدينية في النسق الديمقراطي)، وأنّ تونس نجحت في ما لم تفلح فيه تركيا (دفع التحديث إلى أقصاه ليشمل المنظومة الدينية نفسها). إلاّ أنّ ذلك عامل إثراء للاجتهاد "الثاني" (اجتهاد الفكر التحديثي) عموما. وإن كُتبَ لاجتهاد ثالث أن يتبلور، اجتهاد يوكل لنفسه مهمّة التفريغ ثم التعبئة، فسيكون مصدره تركيا (وأندونيسيا) وتونس. تركيا من حيثُ التمهيد لنوع من التواصل السليم بين الدين والسياسة. أمّا تونس فبواسطة دفع (ممكن ووشيك) لتحرير العمل الفكري لغاية اكتمال الحلقة المفقودة: تأصيل الفكر الحداثي في البيئة الثقافية (والدينية كبُعدٍ ثقافي مركزي).
الحاكم في تونس أبدع في ملء البطون وإكساء الأبدان. لم يبْقَ سوى تحرير الذهن الإبداعي. والغاية هي تسريح المشكل الوجداني من باب أولى وأحرى.
التعبئة:
أ‌. استنباط نظرية في منهج من شأنه أن يعيد الثقة للمؤمنين. ويكون من الأهداف الرئيسة لهذة الخطة "الإدماج": إدماج التراث بالحداثة، إدماج الماضي بالحاضر، إدماج العقيدة بالعلم وبالثقافة.
وليست هذه المسؤولية صعبة على المسلم المعاصر. إنها فعلا مُعقدة. ولكن تعقيدها هو ما يستحقّه المسلم لِما فيه من تعقيد. المُهمّة مُعقدة لأنّ الخطة المطلوبة لا بدّ أن تكون مُرَكّبة. وتركيبها يعود إلى طبيعتها العلمية.
ب‌. المهمّة ترتكز على منوال مأخوذ من علم الألسنيات التطبيقية والمنوال أو النموذج المنهجي الذي يفترض أن ننجز به التفريغ ثم التعبئة تمّ إرساء نواته الأولى. وهذه النواة النظرية الأولى تتمحور حول عقيدة "الحركة". وقد أثبتنا في دراسة حديثة العهد أنّ الحركة من الإسلام وإلى الإسلام الحنيف.
والحركة نوعان:
أوّلا: الحركة المادية (الطاقة). والذي يهمني فيها هو انعكاساتها العجيبة والمفيدة على ثنائي الزمان والمكان، وبالتالي على ابتكار تصوّر للتعامل مع المستقبل. وتفسيرنا لما فُسر من القرآن بخصوص الحركة يعتمد فكرة من علم الفيزياء في الديناميكا الحرارية وانعكاساتها الفلسفية كما فسرها إيليا بريغوجين.
ثانيا: الحركة اللغوية وهي حصاني المفضل في "المعركة" المنهجية. وأعني بالحركة اللغوية نظرية "التوليد والتحويل" المعاصرة في النحو.
أمّا ما يهمّ الدين في ذلك، كأداة للتفريغ ثم للتعبئة، فهو إثبات وجود "التوليد والتحويل" في القرآن الكريم. وهذا ما أنجزناه بعون الله وببركة منه.
ماذا يبقى أن ننجزه إذا تمّ التأكد نظريا (وبالنسبة لي تطبيقيا أيضا) من أنّ المسلم يمكن أن يحرر نفسه من سطو التاريخ بواسطة ما في اللغة من قدرة عجيبة حبانا بها الله الخالق البارئ على التأقلم مع آلاف بل وملايين الوضعيات الحياتية. ومن أهم هذه الوضعيات اللازم معالجتها وتوليد الأفضل منها هي وضعيتنا البائسة إزاء الدين.
ووضعيتنا البائسة إزاء الدين لن تبرز للعيان على أنها بائسة إلاّ عندما يحكم القابع فيها (الإنسان العربي المسلم) على الواقع بأنه غير ملائم مع تطلعاته، وهي تطلعات النفسية العربية المسلمة، وبالتالي بأنه واقع يجري، في أبعاده الوجدانية والوجودية بالأساس، بما لا يشتهيه الضمير العربي المسلم.
لذا فمن المستحيل البدء بتقييم ما فسد من الوضعية البائسة التي تستلزم التفريغ والتعويض بواحدة أكثر راحة منها، من دون الانطلاق من الواقع كبساط للمعرفة وللإحساس وللإدراك العقلي.
الواقع هو الموسوعة الأكثر ملائمة لأوضاع أمّة فيها من لا يملك قوت يومه. هي في متناول الكبير والصغير والغني والفقير.
كما أنّ اللغة، التي هي الأداة الأولى التي نقصد تحريك الإيمان بها، هي أيضا في متناول القاصي والداني من المؤمنين والمسلمين. من ليست له لغة؟ حتى الأبكم يعبّر. وتعبيره السيميولوجي يدخل في المنظومة التعبيرية العامة.
في الختام أُحوصل ما سبق في كلمة: الإسلام حياة؛ واللغة حياة. فلماذا لا نفهم حياتنا كمسلمين بواسطة حياتنا كناطقين؟! والله أعلم. محمد الحمّار