هل يتحول حزب الله الى حزب وطني لا طائفي؟

لم يشكل إعلان حزب الله نتائج الانتخابات القيادية فيه بعد انعقاد مؤتمره السابع مفاجأة هامة، لأن أسماء أعضاء الشورى الجديدة كانت معروفة مسبقاً، ودخول رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد للشورى بديلاً للقائد الشهيد الحاج عماد مغنية كان أمراً طبيعياً لأنه الشخصية الأكثر أهلية لتولي هذا الموقع، وخصوصاً أنه كان ينوب عن الأمين العام لحزب السيد حسن نصر الله في «طاولة الحوار الوطني»، فضلاً عن أن ترؤسه لكتلة نواب الحزب يفرض أن يكون في الصف القيادي الأول، إضافة إلى أنه سبق له أن دخل إلى «شورى القرار» لأكثر من مرة.
لكن الجديد والهام في نتائج المؤتمر السابع للحزب تمثّل في إقرار «الوثيقة السياسية الجديدة» وهي الوثيقة الثانية التي يتبناها الحزب بعد الوثيقة السياسية والفكرية الأولى التي أُعلنت في 16 شباط 1985م في الذكرى الأولى لاستشهاد الشيخ راغب حرب، وبعد 3 سنوات على تأسيس الحزب في صيف 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
وتشكل «الوثيقة الجديدة» (التي سيعلن تفاصيلها السيد حسن نصر الله) تطوراً هاماً في رؤية الحزب ومواقفه بعد مرور حوالى 27 سنة على تأسيسه وبعد التطورات السياسية والعسكرية والأمنية والفكرية التي مرت عليه خلال هذه السنوات.
أما على صعيد الجانب التنظيمي الداخلي، فإضافة إلى التعيينات التي ستتم على صعيد أعضاء المجلس التنفيذي والسياسي والوحدات والمناطق، فإن التطور الجديد داخل الحزب تمثل في إنشاء المزيد من الوحدات المركزية وتوسعة بعض الوحدات القديمة، بهدف استيعاب الأعداد الكبيرة من الأعضاء والكوادر الذين انضموا إلى الحزب في السنوات الأخيرة. وحسب بعض المصادر القيادية في الحزب، فإنه تم تدريب حوالى خمسين ألف عنصر من التعبئة العامة خلال السنوات التي تلت حرب تموز 2006، وهؤلاء يحتاجون إلى هيكلية تنظيمية ضخمة لاستيعابهم وتأهيلهم ثقافياً واجتماعياً وسياسياً.
فماذا ستحمل الوثيقة السياسية الجديدة التي تبناها حزب الله والتي ستحدد المسار المستقبلي في أدائه السياسي والفكري والاجتماعي؟وما هي أهم التغييرات التي ستطال البنية التنظيمية للحزب وهل يمكن أن يتحول في المستقبل إلى حزب وطني لا طائفي ولا مذهبي، بعد كل التطورات والمتغيرات التي طرأت على مسيرته خلال ثلاثة قرون تقريباً؟ الوثيقة السياسية الجديدة حسب مصادر قيادية في حزب الله، فإنه تم البدء بإعداد الوثيقة السياسية الجديدة منذ عدة سنوات (قبل حرب تموز 2006) لكن حصول الحرب والأحداث التي تلتها في لبنان والصراع الذي خاضه الحزب مع الحكومة، كل ذلك أدى إلى تأجيل إقرارها وبتّها. وتضيف المصادر أنه خلال السنتين الماضيتين جرى البحث مجدداً في الوثيقة الجديدة وأُضيف إليها بعض البنود الخاصة تحت عنوان «نحو الدولة القوية والعادلة»، والعنصر الأهم في هذه الوثيقة يتمثل بتبني حزب الله لوجهة النظر التي تدعوه إلى ضرورة الانخراط الكامل في أجهزة الدولة اللبنانية (حكومة وإدارة ومجلساً نيابياً وبلديات)، وأنه لم يعد من المناسب البقاء خارج إطار الدولة وخصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري العسكري من لبنان، وأن هذا التوجه بدأ العمل به من خلال المشاركة غير المباشرة في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عبر الوزير غير الحزبي الدكتور طراد حمادة ومن ثم المشاركة المباشرة في الحكومة التي تشكلت لاحقاً عبر الوزير محمد فنيش ولاحقاً مع الوزير حسين الحاج حسن.
وتتابع المصادر: إن التطورات السياسية والأمنية والاجتماعية التي حصلت بعد الصراع السياسي الذي خاضه حزب الله وقوى المعارضة بعد حرب تموز 2006 أكدت التوجه لتعزيز تبني خيار الدولة ووضع مشروع إصلاحي سياسي واقتصادي متكامل، وإن الوثيقة الجديدة قد تحمل بعض النقاط الأساسية في هذا المشروع.
أما على صعيد تبني «خيار المقاومة» واعتبارها الركن الأساسي في مسيرة حزب الله فإن الوثيقة الجديدة لن تحمل جديداً في هذا المجال، لكن المصادر القيادية في الحزب تؤكد أن أداء المقاومة وطريقة عملها تغيراً كثيراً منذ عام 1982م وحتى اليوم، وتتضمن الوثيقة تفاصيل محددة على صعيد عمل المقاومة، لكن الوقائع الميدانية تكشف كيفية تغير الوسائل والأساليب وخصوصاً بعد عام 2006 وبعد استشهاد الحاج عماد مغنية.
العناصر الجديدة في الوثيقة التي ستتميز عن الوثيقة الأساسية ستتركز على رؤية الحزب للبنان (دولةً وكياناً) وعلى الموقف من الدول الغربية وأهمية اعتماد الحوار والتواصل مع بعض الدول العربية والأوروبية بعد أن كان الصراع والمواجهة هو الأساس في السنوات الأولى لتأسيس حزب الله.
كذلك ستشكل «الوحدة الإسلامية» وحمايتها والحفاظ عليها إحدى أبرز النقاط التي قد تتضمنها الوثيقة الجديدة وخصوصاً بعد ازدياد أجواء الفتنة المذهبية والطائفية.
هذه بعض النقاط والإشارات التي ستحملها الوثيقة الجديدة والتي ستوضح مدى التطور الفكري والسياسي الذي أصاب بنية الحزب ورؤاه الفكرية طوال السنوات السبع والعشرين الماضية. التحول إلى حزب وطني أما على صعيد الواقع التنظيمي، فتقول المصادر القيادية في الحركة إنه بعد حرب تموز 2006 حصلت تطورات هامة على الصعيد التنظيمي في الحزب بعد النمو الكبير في بنيته العسكرية والأمنية، وإنه جرى تدريب حوالى خمسين ألف عنصر من التعبئة العامة، إضافة لتوسيع دور ما يسمى «سرايا المقاومة اللبنانية» التي ضمت عناصر وأفراداً من القوى السياسية والحزبية المؤيدة لخيار المقاومة. وإن انضمام هذا العدد الكبير من العناصر إلى الحزب فرض على قيادته تأسيس وحدات ثقافية وإعلامية وسياسية جديدة، كما حصلت بعض التغييرات التي جرى الإعلان عن بعضها وقد يتم كشف بعضها في الأسابيع المقبلة بعد انتهاء التعيينات في مختلف المجالس والوحدات والمناطق.
لكن السؤال الهام الذي سيظل يشكل التحدي الأبرز على صعيد حزب الله وهيكليته وبنيته الأساسية: هل يمكن أن يتحول الحزب من حزب ذي أغلبية شيعية إلى حزب وطني يضم العناصر والكوادر من كافة المذاهب والطوائف؟ أم سيظل الحزب له بعده الديني والمذهبي رغم دوره الوطني والسياسي العام؟
قد يكون تبني حزب الله لنظرية ولاية الفقيه وارتباطه الديني والعقائدي بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد أبرز الأسباب التي قد تعوق تحوله إلى حزب وطني رغم أنّ قيادة الحزب حرصت على التعاون مع شخصيات وطنية غير حزبية ومن خارج الطائفة الشيعية سواء على صعيد كتلة الوفاء للمقاومة أو من خلال تجربة «السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال»، لكن هذه التجربة بقيت ناقصة وغير قادرة على الاستجابة لأهمية التحول إلى حزب وطني يحمل كل قضايا البلد.
وقد عمد حزب الله في السنوات الماضية إلى الدخول في أكثر من تجربة وتحالف وتفاهم على القوى السياسية الأخرى (التحالف الرباعي، التفاهم مع التيار الوطني، قوى المعارضة الوطنية (8 أذار)، لقاء عين التينة)، التفاهم مع بعض القوى السلفية، لكن كل هذه التحالفات لم تصل إلى مستوى الإطار الوطني المشترك الذي يحمل برنامجاً تفصيلياً سياسياً واقتصادياً.
وقد تكون المرحلة المقبلة هي أفضل فرصة لحزب الله من أجل العمل لإقامة أوسع «جهة وطنية إصلاحية» تحمل برنامجاً متكاملاً ومشتركاً للإصلاح وخصوصاً على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فإذا كان حزب الله غير قادر على التحول إلى «حزب غير مذهبي» (رغم أن لديه ترخيصاً رسمياً بإنشاء حزب باسم «حزب المستضعفين»)، فإنه سيكون مطالباً أكثر بدور وطني واسع يبتعد عن الأطر المذهبية أو الدينية المحدودة. قاسم قصير