الأغنية الوطنية.. من المقاومة إلى التذلل

بقلم: زياد العيساوي
'إن للباطل جولة'

يعيب العرب على ذواتهم أنهم كانوا على الدوام يتحدثون فيما بينهم عن مشكلاتهم والمظالم التي وقعت وما تزال تعصف بهم، وأنهم لا يحسنون لعبة الإعلام التي يستخدمها عدوهم.
وهم بتصورهم لم يفلحوا في الإخبار عن الأوليات ولا حتى في إيصال الأخيرات إلى الآخرين الذين من حولهم، كي يكسبوا تأييدهم في المحافل الدولية. من هنا، انبرى بعضهم يدعو إلى ضرورة توجيه خطابهم إلى الخارج، ونقل ولست أقول "تصدير" معاناتنا إلى الرأي العالمي من خلال مؤسساته الدولية والإنسانية، وإلى شعوب العالم قاطبة.
ولما كان لا سبيل هناك أمام تحرير أية أرض إلا بالمقاومة المسلحة، فقد التحمت الأغنية الوطنية مع السلاح، لدكّ قواعد المحتل الغاصب، خصوصاً في العقد السابع من القرن الفائت، لأجل أنْ تستقل بقية الأقطار التي كانت ما تزال ترزح تحت نير وجبروت المستعمر، ولتطهير فلسطين من براثن المغتصب الصهيوني، حيث حشّدت الأنظمة العربية مقدرات الشعوب العربية كافة واختزلتها في خوض هذه المعارك الفاصلة والحاسمة في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية.
وكان للعرب انتصارات في مواقع عديدات كالجزائر مثلاً، حيث تمّ تحريرها وإجلاء آخر جندي ومستوطن عنها، إلا أنّ بيارقهم قد أُنتكـِست في حرب 1967 فسمّوها "نكسة". والتهم الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب مساحة من أراضيهم، تربو على ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين المحتلة حتى ذلك التاريخ.
والحال كذلك، حريٌّ بنا أنْ نسمّي الأشياء بمسمياتها الطبيعية، ذلك أنّ تلك الحرب أسفرت عن هزيمة نكراء ومخجلة، لا يمكن مداراتها بأية حال من الأحوال خلف ستار مثل هذه التسمية؛ فقد انعكست تداعياتها المدمرة على العرب مجتمعين، حيث كفر الجيل المعاصر لها من شباب العرب بالمبادئ والقيم، إلى الحد الذي جعله لا يؤمن ولا يعترف بالبدهيات والمسلمات التي تأتي في صدارة أولوياتها، وهي حقيقة أن التحرير لا يُنال سوى بالبندقية.
وحينما اختارت الأنظمة العربية التفاوض –الذي لن يُجدي نفعاً– سبيلاً لاستعادة الأراضي العربية المحتلة، بات لزاماً عليها، أنْ تخمد جذوة النار المشتعلة على جبهة الأغنية العربية المناضلة، التي لطالما شحذت الهمم، وألهبت بكلماتها وإيقاعاتها مشاعر العرب بلهيب القتال مثل أغنية "ثورة كفاحي" و"يا قدس" وغيرهما العديدات، فخرجت إلينا في الفترة الأخيرة كوكبة من الأعمال – لن أصفها هنا بالملاحم، فلفظة "الملحمة" عادةً ما تلتصق بالمعارك والجهاد.
وهذه الأعمال لم تدعو ولم تحفز البتّة على المقاومة بقوة السلاح، كالتي واكبت العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006 وعلى غزة في 2008 و2009 الذي دعت إليه ثــُلة منهزمة محتسبة زوراً على النخب العربية، لكأنها ارتأت في الملاحم الغنائية إبان حروب التحرير التي سبقت هزيمة 1967 أنها كانت تخاطب الداخل العربي وكفى لتعبئته ضدّ المحتل البغيض، من دون أنْ تصل إلى الخارج، وإنْ وصلت إلى وجهتها المبتغاة، فهي تخشى أنْ تؤلب الرأي العالمي في غير صالحنا، بخصوص هذه القضية الشائكة التي استعصت على العالم بأسره، خصوصاً وأنّ المقاومة المسلحة في عـُرف القوى المتسلطة عالمياً هي إرهابٌ مسلحٌ.
لذا أعلنت هذه الأنظمة مباركتها لمثل هذه الأعمال التي يتغنى بها عدد كبير من مغني اليوم –متاجرين طبعاً- بقضية الشعب الفلسطيني، بكلمات تـُظهر العرب مستسلمين لمصائرهم، من دون أنْ تكون لهم حتى ردة فعل، كالنعاج المـُساقـَة إلى حتفها، أو هي أكثر مقاومة منهم، وبصور لقتلى وأشلاء متناثرة وصور لثكالى وأرامل يبكين فيها على أولادهن وأزواجهن، وصور ترهب العرب، إذ تـُظهـِر فيها طائرات العدو وأسلحته المتطورة أمام شباب عزل إلا من سلاح الحجارة وقبله سلاح الإيمان، كما نرى في هذه الأغاني المتخاذلة المصورة، صوراً أخريات لجنود الاحتلال وهم يضربون وينكلون بأبنائنا في مشاهد مـُذلة، على هؤلاء المغنين أن يستحوا منها لأنها تبين للعالم أنّ العرب أمة جبانة وذليلة لا تستحق أن تعيش على هذه البسيطة.
فهذا ما يُراد للأغنية الوطنية أنْ تنتهجه كي تصل هذه الصور إلى العالم، فتستدر عاطفة الشعوب علينا بطريقة جديدة على الغناء العربي المألوف سابقاً في هذا النمط بالذات، حيث يـُضمّ إلى العمل الغنائي الواحد أحياناً أكثر من ثلاثين فناناً دفعة ً واحدة -بعضهم من المغنين والبعض الآخر من الممثلين ذوي الأصوات الرديئة لغرض سأخبركم عنه لاحقا– بحيث يؤدي الواحد منهم مقطعاً بطريقة خاطفة لا تتجاوز في الغالب ثواني معدودة، لإضفاء الأهمية على العمل.
وما دام الفنانون العرب المحسوبون من ضمن النخبة بهذا المعتقد وهم من هم في وضعهم لجهة الجمهور، فهم في معتقد المتلقي الأجنبي يعكسون خياراً ومساراً جديداً ينتهجه العرب في نظرتهم إلى الصراع العربي الإسرائيلي، على النقيض مما كان عليه فنانونا الرواد، ومنهم مثلاً فريد الأطرش الذي حاول بصوته، أنْ يداوي جراحات العرب عقب الهزيمة التي محقتهم في 1967.
واستطاع الأطرش بمفرده أنْ يبعث الروح المعنوية المقاومة التي خارت قواها لدى الجندي والمواطن العربيين على حدّ سواء، لكونه سليل أسرة مجاهدة، تربى في كنفها على مناكفة المحتل حتى آخر رمق، فاسمع المتلقي العربي نشيد "يوم الفداء" الذي تغنى فيه بيوم النصر، الذي آمن به على الرغم من كل الانكسارات والمكابدات التي لحقت بالأمة فلم يداهن ولم يهادن العدو ولم يُمجّد في عمله هذا إلا حقيقة النصر القادم بقوة السلاح.
وقرّ الأطرش عيناً بانتصار العرب في حرب رمضان 1973 واحتفل معهم بالوعد الذي قطعه على نفسه في نشيد "وردة من دمنا" الذي جاء احتفالاً بالعبور، وذكّر فيه مستمعيه بأنه قد وعدهم وعداً صادقاً بالنصر لإيمانه بتاريخ أمته التليد، وليقينه بعدالة الله، حينما يقول في نهاية كل كوبليه "إنّ للباطل جولة"، وكذلك لقناعته بأنّ العرب خسروا في معركة ولم يخسروا القضية برمتها، فلا يجب أنْ تفتّ الهزيمة في عضدهم عندما خاطب المرأة العربية التي استوحاها الشاعر الكبير بشارة الخوري في هذا القصيد وتغنى منتشياً بطعم النصر صادحاً:

نحن يا أختُ على العهدِ الذي.. قد رضعنـاه من الْمهـدِ كِلانا
يثربُ والقدسُ منذُ احتلمـا.. كعبتانا وهوى العُرْب هوانا

فكان نشيد ( يوم الفداء ) تنبؤاً بل إيماناً منه بهذه الحقيقة، التي تسرب الشكّ إليها في صدور الشباب آنذاك، عندما صدح بهذه المبادئ المستشفة من هذه القصيدة:

يوم الفداء كلمات الزجّال والشاعر والأديب بيرم محمود التونسي
لحن وأداء فريد الأطرش

شعبُنا يوم الفداءِ فعلـُه يسبقُ قولـَه
لا تقـُل ضاع الرجاءُ إنّ للباطل ِجولة

ما لعدوان مقرٌّ والوغى كرٌّ وفرُّ
نحن للتاريخ أمجاداً بنينا
ورسالاتُ الهُدى بين يدينا
نحن شعبٌ لا يبُالي يتسامى للأعالي
بكفاحٍ ونضال وجنود الله حوله
إنّ للباطل ِجولة
فوق أرضي لن يمروا وبها لن يستقروا
في طريق النصر لن نحني الجبين
لن يهونَ العزمُ فينا لن يهونَ
أرضنا للحق مهدٌ وانتصار الحق وعدٌ
لم يدُم للظلم عهدٌ لم تعـِش للظلم دولة
إنّ للباطل ِجولة
قـُل لهم أين المفرُّ؟ فلهم يوم أمرُّ
قد تآخينا هلالاً وصليباً
وتلقينا بعيداً وقريباً
يا له يومٌ مقدر يذكرُ التاريخُ هوله
هلّل الشعب وكبّر قائلاً:
اللهُ أكبر.. اللهُ أكبر
لا إله إلا الله
زياد العيساوي
بنغازي- ليبيا
ziad_z_73@yahoo.com