'إعلام ما بعد كامب ديفيد' وراء شحن الشارع ضد الجزائر

بيروت
اعلام مشحون

نأسف لحال الشارع العربي الذي أتخم من نيله لمطالبه المحقة في تأمين عيشة كريمة، وحصوله على القضاء النبيل والطبابة والدراسة المجانية، والقضاء على البطالة، وشراء اللحم برخص لا بالحلم، ووصل فيه الحال إلى وضع صاحب الاختصاص في مجاله، وألغيت الواسطة، ولا مجال للفساد في دولته، ولم يعد لديه غير الترف، والبحث عن مشكل جديد بسبب فقدان مشاكله، فوجد في الرياضة مطلبه، لا بل أوجدوا له الرياضة وأحيانا الفن، ومخجل كيف شحن الشارع المصري والجزائري المترف في قضية لا تقدم ولا تؤخر بشيء متناسيا القضايا المصيرية.
يحدث هذا في لحظة تهويد القدس، وتغييب فلسطين عن الخارطة، والهجوم والتآمر من قبل أنظمته ضد المقاومة، والخضوع بفجور لإرادة الصهاينة والعم سام دون تحفظ أو احترام الدين والتاريخ والإنسان، ونظرا لخطورة ما حدث في الشارعين تريثنا في الكتابة، وتابعنا قبل وبعد المباراة الجرصة فوجدنا ما يلي:
يتحمل أغلب الإعلام المصري "إعلام ما بعد كامب ديفيد" كل ما وصلت إليه حالة الشارع المصري وبعض العربي من حقد عنصري ومناطقية ضيقة، وتضخيم لغة الأنا بعيدا عن احترام أي خصوصية للأخر، الإعلام المصري اتفقنا مع سياسته وطريقة حضوره الكلاسيكية القديمة الباهتة أو لم نتفق هو أكثر انتشارا وتأثيرا من الإعلام الجزائري حيث نادرا ما نسمع بالأخير، ولا نتابعه إلا في المصيبة، والفنان المصري أكثر انتشارا من الجزائري، وما قام به الشارع المصري أولا في مصر بحق الفريق الجزائري جاء نتيجة لشحن الإعلام الفضائي المصري الخاص "وهو صورة ساذجة عن الحكومي، وناطقا بالعنصرية أكثر من الحكومي لكون هذا الأخير يدعي المصالح الدبلوماسية، وهذا حال أغلب فضاء الأعراب الخاص"، والطريقة التي شحنت فيها المخابرات المصرية الإعلام عبر الفنانين كانت مؤلمة سيدفع ثمنها الفنان المخابراتي والعادي في القريب العاجل، ولا ندري لماذا يصر الفنان المصري أن يكون البوق الفاجر في خطاب نظامه ضد العرب، ولا نسمعه يقف بفجوره ضد أميركا وإسرائيل وأي دولة غير عربية لا تحترم نظامه وتاريخه وفنه، يكفي ما فعله عادل إمام ضد المقاومة في غزة ولبنان وهو ممثل مهرج وليس سياسيا، أستخدم للباطل!
في البداية، وقبل المباراة بأسابيع، وتحديدا خلال المباراة التي جمعت الجزائر ورواندا خرج عمر أديب الذي لا يصلح للتقديم، وأقحم به بسبب شهرة شقيقه عماد، وهو إلى البرهة لا يعرف أصول التقديم، فقط يلعب على وتيرة عنصريته المصرية، كأنه يعاقب المشاهدين، فما دخل المشاهد إذا أحببت أو كرهت وطنك؟ المهم، اسمح لنا أن نحب فنوننا وأوطاننا".
هذا الدخيل على الإعلام في برنامجه "القاهرة اليوم" خرج بدعاء "يا رب نكد على الجزائريين" بعيدا عن احترام مشاعر دولة كبيرة، لا بل وصل به الجهل الوطني إلى زرع فتنة خطيرة عند الشارع المصري بحواره مع زميله التابع بخفة له أحمد موسى عن سر الكراهية التي يكنها الجزائريون للمصريين... وبسرعة انزعج الشارع المصري المحب لفريقه، وهناك في الجزائر تضخمت التصرفات الصبيانية بعد تصريحات أديب غير المؤدبة، وهاجموه، وهاجموا أوربت لسماحها أن يستخدم منبرها للتهجم عليهم، وانطلقت العبارات النابية بين الشارعين عبر الفيس بوك، وأخذت بعض الأقلام المصرية بالكتابة ضد من انتقد مثلا "الرقاصة" فيفي عبدو كعادتها بالهجوم والشحن وكأن الجزائر إسرائيل، مع أن هذه الأخيرة أصبحت صديقة لمصر، وظهرت الفنانة يسرا وبعض الفنانين المصريين ليتحدثوا بتعصب مخيف عن وقوفهم مع الفريق المصري... من حقهم أن يقفوا مع فريق بلادهم، ولكن من الواجب أن يتنبه فنهم إلى أن الفريق الأخر من العرب، وبأن الفنان لا وطن له، وعليه أن يحترم الأخر، وأن لا يظهر تعصبه بطريقة استفزازية مشؤومة، وبالنهاية هو الخاسر، وسيتلمس قريبا خسارته بعد أن يتصالح الساسة من فيضانات الجهل التي حدثت بسبب الكورة، بينما لم يسمح للمطربة الكبيرة وردة الجزائرية التي أنشدت أجمل الأغاني لمصر بتشجيع فريق بلدها الجزائر، وهاجت مصر وكتابها ضد ورده، وطالبوا بطردها من مصر، ومنهم من كتب عن جميل مصر عليها كأنها لم تقدم لها أي شيء، وذهب تاريخ فنها هدرا!
في الجزائر استمرت الصحف ووسائل الإعلام بالهجوم بتحفظ، ربما جريدة "الشروق" كانت الأكثر نقدا لاذعا لمصر، لكنها لُجمت من قبل بعض رجالات السلطة الجزائرية، ونظرا لعدم لجم السلطات المصرية لعمرو أديب وأمثاله لتطاولهم على الشعب الجزائري، واشتداد الخلافات بين وزارة الإعلام المصرية والقنوات المصرية الخاصة بشأن أحقية بث المباراة شجع الفتنة، وهذا الاستخفاف شجع الكثير من الكتاب المصريين بإعلان الحرب على الجزائر، وباستخدام أبشع النعوت، والإعلام المصري لديه طول باع بالكلام البذيء ضد أي شخص لا يتفق معه أو ينتقد فنه فكيف بالرياضة!
الفنانون الجزائريون أخذوا بتقليد زملاء مصر، ولكن صوتهم لم يصل أبعد من حدود بلادهم، ونظرا لحرية الصوت على الفيس بوك بدأ اللسان بكتابة الشتائم بين الشعبين، وأخذت حملة مشبوهة تشجع هذا على ذاك، وانتشر الشر، وتوسعت دائرة العنصرية والتشهير، وجاء أهل الجزائر إلى مصر وحدث ما حدث، وأخذت الفيفا قرارها بمحاكمة مصر لتسببها بالشغب، وانتقلت المباراة إلى السودان دون أن تأخذ أي سلطة من السلطتين المصرية والجزائرية أي مبادرة للجم شارعها، وكأنهما مع الفتنة حتى لا يفكر مواطنهما بحقوقه، وحتى تمرر إسرائيل تهويد القدس، وتدمير بيت المقدس، وينسون فقرهم، خاصة الفقر في مصر حيث أعلنت الأمم المتحدة أن نسبة من هم تحت خط الفقر في مصر يصل إلى 48 % من أصل سكان مصر، أما الفقر في الجزائر فحدث ولا حرج!
أخذت السلطات المصرية قبل المباراة في السودان بشحن شارعها عبر استخدام الفنانين بِطلات عنصرية، وجهزت الأغاني في حال النصر وليس الفوز، كأن القدس تحررت وعادت فلسطين إلى أهلها، وكأن الإسلام سيطر على العالم عن طريق مصر، وسفرتهم مع الفريق إلى السودان ضمن حملة مخابراتية مدروسة، وفي المقابل تابعت السلطات الجزائرية باستخدام جمهورها حيث قيل منهم من هم من الجيش ليكن مساندا شرسا لفريقه، وسافر الجمهور الشرس إلى السودان والحقد يتراكم على مصر وفريقها بسبب فجور إعلامها دون أن يردعه أحد في هجومه عليهم... وحدثت المباراة الحادة، ووقعت الفاجعة بخسارة مصر بالنسبة للمصريين الذين أصيبوا بكارثة لن تعوض، تصوروا مباراة رياضية تقضي على عنفوان أمة فرعونية!

انطلق الفنان المصري بخواء الصوت، فعمرو دياب طالب بمعاقبة أهل السودان، وألغى حفلته هناك، وخرجت الممثلة الغائبة عن الإبداع منذ سنوات مكتفية بالتجارة الفنية إسعاد يونس بإعلان بيانها العنصري رافضة بيع أفلامها للجزائر، ومقاطعة مهرجاناتها، وأشرف زكي نقيب الممثلين قرر تجميد التعاون بين البلدين، وحظر مشاركة المصريين بفعاليات الجزائر، وتوالت الأفواه الغبية بالعنصرية من أحمد السقا، وعزت أبو عوف، ومحمد فؤاد، ومحمد العدل ، والخ...
أما الجزائريون فلم يصدقوا فوزهم، وتصرفوا بهمجية على أرض السودان، ومن الطبيعي أن يقع الاحتكاك بين شارعين لا يجمعهما غير التعصب القاتل "الرسول عليه السلام قال إن التعصب إلى الدين جهل"...وهناك من هو جاهل أيضا فيطالب في الجزائر بمنع شراء الأعمال الفنية المصرية، وعدم السماح للفنان المصري بدخول بلادهم، وبذلك أصبحت المباراة من رياضية إلى حرب فنية، ونفوس مليانة، وغدا سيتصالح أهل السياسة على همجية الشارع!
وإذا أردتم أن نشير إلى ما علق عليه بعض المثقفين من هنا وهناك فكارثة، يكفي ما قالته الأديبة أحلام مستغانمي، ورد البرلماني مصطفى بكري عليها، وفي رده غابه من العنصرية والجهل والتفاهة!
بدأ كل فريق يتحدث عن مظلوميته، في مصر زاد التضخم العنصري والحاقد ضد الجزائر، وسمعنا مسؤولين كبار يتحدثون عن قطع التطبيع مع الجزائر، والصحف والإعلام الجزائري ابتعد عن شحنه، وأصبح بعد الفوز متلقيا ومراقبا، وعارضا لما يكتب ويقال في مصر... ونظرا لهذا الحال الإعلامي المجنون والساذج نزل العديد من المصريين إلى الشارع يبحثون عن جزائري في بلدهم ويغتصبونه، ويشوهونه كما حال الفيديو الذي صور لحالات جزائرية تُعذب في مصر، ووزعت عبر الفيس بوك والانترنت، ووصلني شخصيا فيلما مخجلا عذب فيه مواطن جزائري مقيم في مصر، واغتصب أكثر من مرة، وصور من قبل مصريين، ووزع تعمدا رغم ظهورهم العلني!
ذات يوم، وقبل أن تتفق سياسة النظام المصري مع النظام السعودي خلال حرب تموز 2006 على المقاومة في لبنان، زار الرئيس حسني مبارك السعودية منتقدا ما يكتب ضد مصر في صحف المملكة، وما كان من الملك السعودي غير إهداء مبارك صحف مصرية فقط كان دورها شتم السعودية يوميا بعشرات المقالات، وقدمت له كهدية، وأخبره بان صحيفة الوطن السعودية تنشر كل يوم صفحتين لمقالات كتبت في الصحف المصرية عن السعودية بكلمات بذيئة لم تكتب عن الصهاينة في بلاد النيل... يومها أصيب حسني بخجل وصمت!
أشير إلى هذه الحادثة لأقول للشعب المصري أنكم أهل التاريخ، وأن قدركم أن تستوعبوا كل العرب، وأنكم كنتم أصحاب بعض الريادة وبعد "كامب ديفيد" لم تعد الريادة عندكم بسبب تهجم إعلامكم على كل من لا يجاريكم الرأي والسياسة، ومن لديه مثل تاريخكم لا يخاف من الأخر، ولن نعيد ونذكر كيف هاجم إعلام مصر الفنان اللبناني والخليجي والدراما السورية بمن حملت فقط بسبب نجاحه، هناك ماجدة الرومي، وراغب علامة، وصباح فخري، ونبيل شعيل، ونجوى كرم، والشاب خالد، وعبدالله رويشد، وحسين الجسمي، وملحم بركات، و.....
نعم الإعلام المصري يتحمل ما حدث من تفرقة بين الشارع المصري والشارع الجزائري، والسلطات الجزائرية تتحمل ما حدث في السودان، ولكن لمصر الدور الأول للأسف في تكبير الهوة بين كل العرب!
أتمنى أن لا يفهم من مقالي هذا أنني أحقد على مصر لا سمح الله، فمصر في قلب كل عربي يؤمن بالعروبة، ونحن من تلاميذ العروبة، ولكن النقد لا يعني الحقد، و النظام يختلف عن الشعب، والشعوب العربية نائمة وسعيدة أن تكون ضحية سياسة أنظمتها، فقط أريد أن أسأل الشارع المصري والجزائري عن المستفيد من كل ما حدث؟