لماذا الموقف المتباين من الانتخابات العراقية؟

الخوض في تجربة الكتابة المنتجة وفي موضوعات شائكة وذات طبيعة متحولة وفوارة قد تكون مغامرة غير محسوبة، لان ما يصلح لاستقراء صورة ما من ذات الحالة او احد مظاهرها بالامس، قد لا يكون صالحا لليوم وذلك لان الصورة ذاتها بحركة دائبة، وبالتالي سيكون ذاك الاستقراء وجبة بائتة لا تصلح للتناول اليوم، بل ان مفعول الصلاحية ربما ينتهي قبل مغادرة عنوان المقالة او قبل تناول مفتاحها الذي تبين لاحقا بانه معدا لاقفال تم استبدالها للتو، فكيف الحال اذن اذا حاول الكاتب التسامي صعودا لاستشراف صورة نائمة في الغد؟
انها واحدة من تحديات الكتابة الجادة ذاتها والتي يختلف في طبيعة الاستجابة لها كل كاتب وبحسب نسقه الثقافي ودرجة تأثره ومستوى معارفه، علاوة على اختلاف الخصوصيات الابداعية وتجليتها ليس فقط في شكل الكتابة ومستوياتها التقنية وانما في مستويات منهجياتها ان توفرت او اهدافها من حيث درجة العمق او سطحيته، التعبئة والتحريض كاهداف، وهنا سنجد الفروق بين الكتابة ذات الافاق المفتوحة وبين التجريب المشارك او الغاوي ـ الهاوي ـ رغم اشتراك الجميع بدوافع عامة وخاصة، ترفع من سقوفها الاثار المتلاحقة والشاملة للموضوع ذاته، كمحتوى مؤثر باهميته، مرة اخرى كيف سيكون الحال عند الخوض في هكذا حال، احتلال العراق وتحطيم كيان دولته سعيا وراء اقامة كيان لدولة جديدة منسجمة مع تطلعات اصحاب المشروع الاحتلالي نفسه، انه موضوع لا يخص فئة بعينها هو حديث الساعة وما يتوالد عنها، انه موضوع الساحة، موضوع مفتوح وبكل مصاريعه على الجميع وعلى كافة الاحتمالات السرية والعلنية؟
اما ان يذهب الكاتب بعد ان يستغرق التحدي الاول ويستجيب له بامعان الى تناول ما تناوله الاخرون بشتى اصنافهم وتناقضاتهم عن ذات الموضوع الشائك والمتحول والمتشعب والعاصف فانه يطرق نوعا ذكي ومتمرس من الفلترة، وهذا معناه ان كاتبنا مغامر حقا بل ومن النوع الذي يتحدى التحدي ويحاول ان يستجيب لمتطلباته برسم ملامح مشتركاته ومفترقاته خاصة وانه يتناول درجة تفاوت المواقف السلبية عموما من موضوعة المشاركة بالانتخابات القادمة ليخرجها من نطاقها الفردي الى نوع جمعي بشكله التعبيري على اقل تقدير!
معرفتي بكفاءة وعمق تجربة الاستاذ علاء اللامي الكتابية تجعلني لا استغرب من خوضه لهذه المغامرة وغيرها، وهذا ما توصلت اليه من خلال الاطلاع على اسهاماته المميزة والابداعية في موقع البديل العراقي على اقل تقدير ايضا!
ارجع الى بيت القصيد، وهو الموقف من الانتخابات القادمة وبالتالي من مجمل العملية السياسية الجارية في العراق، طبعا اطلعت على الاجزاء السبعة التي كتبها الاخ العزيزعلاء اللامي وهي بانوراما انطباعية عن اكثر الكتابات شيوعا في صحف ومواقع الانترنت حول موضوعة الانتخابات العراقية القادمة، وسأتناول ما ذكر بخصوص كتاباتي حول موضوع الانتخابات القادمة فقط!
أود في البداية ان اثبت ان الذي ذكره الزميل علاء نقلا عن مواقفي بخصوص الموضوع هو صحيح جدا ولا خلاف عليه، تبقى مسالة الحيثيات واقول حيثيات كي لا تدخل الشياطين بين الاسطر حينما اقول التفاصيل، وسأشرح حيثياتي حتى تتم الفائدة:
انا من المعتقدين بانه وفي اي صراع اجتماعي داخلي او خارجي كان، هناك ثلاثة اشكال نوعية تجمل خطوطه العامة، الصراع السياسي والاقتصادي والفكري، وهي متداخلة وغير تراتبية، ويمكن لاي واحدة منها ان تكون رئيسية في فترة ما من فترات هذا الصراع، وكل شكل رئيسي يحتوي الشكلين الاخرين اي انهما يكونان فاعلين في خضم توهج الشكل الرئيسي، ما يجري في العراق حاليا هو صراع سياسي بالدرجة الاولى لكنه يحتوي في طياته على الصراع الاقتصادي والفكري، والصراع السياسي بدوره يتخذ اساليب مختلفة تناسب الحالة التي يمر بها الصراع ـ الكفاح المسلح كحرب العصابات او المقاومة النظامية او الانتفاضة المسلحة، ثم النضال اللا عنفي، كالنضال البرلماني، والعصيان المدني والاضرابات والمظاهرات والتنافس الانتخابي ـ وبما ان الحرب هي سياسة باساليب عنيفة، ولا يأتي الاحتلال دون حرب ووجوده يفرض تلقائيا انواعا من المقاومة ـ كمضادات حيوية طبيعية بوجه الاجسام الغربية الداخلة على الكيان الذي ينبض بالحياة ـ فأن مقاومة الاحتلال هي اسلوب من اساليب النضال السياسي يتبع وبأشكال متناسبة ـ تحدي واستجابة، حرب وحرب مضادة ـ وهذا ما حصل فعلا في العراق رغم ان اجزاء الكيان افرزت نسب متفاوتة من المضادات المقاومة وهذه حالة لها مسبباتها المتناسبة مع الاضرار المباشرة وغير المباشرة لفعل الاحتلال نفسه على تلك الاجزاء، وعلى شكل الاستعدادات المسبقة في هذه الاجزاء لمواجهة واقع الاحتلال ـ هناك شبه لما حصل اثناء الاحتلال البريطاني الاول للعراق ـ يمكن ان يختلط النضال السياسي باسلوبيه العنفي واللاعنفي في حالات ذات خصائص نسبية، فمثلا بعد ثورة العشرين وقيام النظام الملكي انحسر اسلوب المقاومة المسلحة لصالح اسلوب النضال اللا عنفي، النضال البرلماني والتعبوي، الاضرابات والمظاهرات، الاحزاب السرية وهكذا، رغم ان القوات المسلحة العراقية وتحديدا الجيش قد اختزل شحنات المقاومة المسلحة، خاصة وانه جيش ارتبط ومنذ قيامه ـ بدمارات ـ الشارع ومزاجه السياسي، الخدمة الالزامية، والعقيدة الوطنية للجيش ـ الجيش سور للوطن ـ وراح يترجم هذا المزاج على طريقته الخاصة بواسطة الانقلابات والمواجهات واستسهال التدخل بالحياة السياسية والذي غذاه دائما اقحام الجيش من قبل السياسيين لقمع الانتفاضات الشعبية المدنية ـ انقلاب 36 بكر صدق، حركة مايس 1941، ثورة 14 تموز 1958!
طبعا ثورة 14 تموز انهت الوصاية البريطانية لان الاحتلال المباشر كان قد انتهى تقريبا ـ مجرد تواجد نوعي للطيران في قاعدتي الشعيبة والحبانية ـ ووجودهما كان بحكم اتفاقيات تبدوللعيان انها ندية وهناك حلف دولي يغطيها ـ حلف بغداد!
نحن الان نمر بمرحلة انتقالية من الاحتلال المباشر الى مرحلة الوصاية بدون تواجد احتلالي مباشر، بمعنى امكانية بقاء قواعد عسكرية امريكية ذات مهمات خاصة، طبعا هذا الحديث على افتراض اتمام عملية الانسحاب الكبير ـ 100 الف جندي ـ في العام القادم!
من حيث المبدأ تبقى المقاومة المسلحة مشروعة ومشروعة جدا ومطلوبة ايضا بل وضرورية لضمان بلورة مشروع وطني متجانس بدرجة تتناسب مع تراجعات المحتلين واقرارهم بسيادة العراق واستقلاله الفعلي ـ خاصة وان عقيدة الجيش الجديد مازالت غير واضحة بسبب من التحاصص الطائفي والعنصري والميليشياوي الذي بني عليه ـ ودفع المحتلين للتراجع عن اجراءاتهم ذات البعد الاستراتيجي ـ القواعد، شروط الانسحاب، العقوبات الدولية ـ بل ودفعهم لبذل المزيد من الجهد لاجراء مصالحة وطنية بين فئاته السياسية والاجتماعية لانهم ساهموا قانونيا وميدانيا في تعميق الشروخ بينها، اي انه وبدون خسائر حقيقية واضطرار ميداني ورفض شعبي لم يكن الامريكان متعجلين في امرهم، المقاومة اثرت على الداخل الامريكي وجعلت ادارة الحرب ـ بوش ورهطه ـ تعترف بخطأ ما قامت به بعد ان برزت اكاذيبهم ـ اسلحة الدمار وعلاقة النظام السابق بالقاعدة ـ حل الجيش العراقي وقانون اجتثاث البعث واعراف مجلس الحكم المتسربة للدستورـ الدائم ـ الذي يتعامل مع العراق وكانه مكون من ثلاث كتل لا يربطها غير لواصق هشة تقزم الهوية الوطنية، كل هذه الاعراف والاليات والمفاهيم مطلوب مقاومتها، سياسيا واقتصاديا وفكريا، الى جانب استمرار المقاومة المسلحة ضد القوات المحتلة حتى تسلم بما عليها!
هذا المنطق لا يتناقض مع حتى دخول البرلمان والمشاركة بالانتخابات كواحدة من الوسائل السياسية لتحقيق الاهداف الوطنية وبحسب الظرف الملموس خاصة ونحن مازلنا في هذه المرحلة الانتقالية، المرحلة المختلطة، ولكن ولان البرلمان والعملية السياسية محدودة الامكانيات في تحقيق الاهداف الوطنية الكبرى وذلك لانها مبنية على اسس تقسيمية وبحسب التقاسم الطائفي والعنصري والذي فصل اوضاع الدولة على اساسها، فانه لا يجب التخلي تماما عن الاساليب الاخرى في النضال السياسي، اي النضال البرلماني بالتوازي مع الاشكال الاخرى والتي ستكون بطبيعة الحال جزئية!
اذكر هنا ان هيئة علماء المسلمين مثلا قد تركت الخيار للمواطنين انفسهم فالذين يجدون بضرورة وفائدة المشاركة في الانتخابات نتيجة معرفة حسية وميدانية بالانتخاب والمشاركة لا غبار عليهم، وكذلك بالنسبة للممتنعين هذا عام 2005 اي لم تحرم الهيئة او تفرض رأيها بل جعلت الخيار مفتوح امام اتباعها او من يتبنى مواقفها!
سبق لي ايضا ان ذكرت وفي اكثر من مقالة ان النفاذ الى قلب العملية السياسية وجرها الى التخلي عن مواقعها الحالية هو شكل نضالي من اشكال المقاومة، فهو حتى في حالة عدم قدرته على تغيير هوية العملية برمتها لكنه سيساهم بعرقلة المشروع الطائفي والعنصري فيها!
عليه فان حسابات القوى الوطنية والمقاومة يجب ان لا تستثني اي امكانية للنضال السلمي وعليها ان تستهلك كل الوسائل الممكنة وغير المضرة لا بحياة العراقيين ولا بالاهداف التي تسعى لها، اي التوفيق بما ينسجم مع المتغيرات وما يفرزه الميدان الشعبي والحكومي من افرازات!
الان حدث تصادم واضح بين اقبال القوى المناهضة للمشروع الطائفي والعنصري على الدخول وبقوة في الانتخابات القادمة وبالتالي توفر زخم وطني لتغيير المعادلة الانتقالية انطلاقا من البرلمان نفسه انظر كيف تصرفت القوى التي تقاسمت السلطة والدولة معا ـ الاحزاب الكردية والشيعية ـ وتحالفهم الذي يمكن ان يعرقل اي توجه وطني قد يساهم بتحويل ثقل النضال السياسي بكليته نحو الشكل التنافسي السلمي!
هذا الوضع هو دليل اخر على اهمية التوازي بين الاتجاهين اي استخدام الانتخابات ودفع الناس وبقوة للاشتراك بها او العكس عندما لا تتوفر شروط الحد الادنى من النزاهة والشفافية والتكافؤ!
على المقاومة وكل القوى الوطنية الضغط على المحتلين لتصحيح المسارات البريمرية السائدة حتى الان في الحياة السياسية العراقية، وهناك فرصة مؤاتية وهي ايجاد فترة انتقالية بعد تعطيل الانتخابات القادمة وخلالها تجري عملية مصالحة وطنية ويغير الدستور ويلغى قانون اجتثاث البعث ويتم تفعيل دور القضاء في ملاحقة مجرمي النظام السابق والحالي وعلى حد سواء!
عزيزي الزميل علاء اللامي لا اريد ان اطيل عليك اكثر لان هناك الكثير مما يقال في هذا الامر، ارجو ان اكون قد ساهمت بتسليط الاضواء على الحيثيات التي تجعلني ادعو لمقاطعة هكذا انتخابات لا تجري بشروط متكافئة بين كل المرشحين والمصوتين والادلة كثيرة وكثيرة جدا وانت خير العارفين!
اما الذين يصوتون بالالاف او الملايين فهم احرار وليس لاحد وصاية عليهم انما الاعتراض والخوف من كونهم لم يخرجوا للتصويت الا بسبب وصاية البعض عليهم ـ طائفية او عنصرية ـ وكأي دعوة من السلطة التي هي بعينها الدولة لابد ان تستجاب بحكم العلاقة غير السوية، ثم هناك من يتوقع التحسن وعلى امله يشارك فليشارك حتى يعرف ان التحسن مرتبط بمحتوى العملية التي يشارك بها وليس بشكلها الذي يبدو وكانه هدف بحد ذاته والحقيقة غير ذلك تماما!
جمال محمد تقي