حقوق فلسطينية قابلة للتصرف

كما تفعل كل سنة، منذ أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم (3376) لجنة الأمم المتحدة حول ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه "غير القابلة للتصرف" في سنة 1975، ومنذ أعلنت التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني / نوفمبر من كل عام يوما دوليا للتضامن مع الشعب الفلسطيني بقرارها (رقم 32/40 بي) في سنة 1977، التزمت الهيئة الأممية بقراريها في اليومين الأخيرين من الشهر الماضي.

والقراران، واستمرار الالتزام بهما، يعبران عن موقف المجتمع الدولي المتضامن مع عرب فلسطين ضد مصادرة حقوقه "غير القابلة للتصرف"، وبالتالي لا يمكن لعرب فلسطين بخاصة والعرب بعامة إلا "رد التحية بأحسن منها" والإشادة بالمناسبتين والحرص على إحيائهما، بالرغم من كونهما مجرد إضافة لفظية ورقية إلى ركام من قرارات الأمم المتحدة ومؤسساتها ووكالاتها التي تعطي لهذه الحقوق شرعيتها الدولية والتي ما زالت منذ النكبة عام 1948 مجرد حبر على ورق، دون تنفيذ، مع أن قرار الأمم المتحدة الذي أنشأ اللجنة الخاصة بهذه الحقوق قد طلب منها التوصية بوضع برنامج "لتنفيذ" هذه الحقوق تمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، دون تدخل خارجي، وممارسة استقلاله وسيادته والعودة إلى بيوته وممتلكاته.

والسبب الثاني الذي يسوغ التفاعل الفلسطيني والعربي مع القرارين والمناسبتين هو معارضة دولة الاحتلال الإسرائيلي القوية لهما، ومقاطعتها لإحياء الأمم المتحدة السنوي لهما. غير أن قرار حكومة دولة الاحتلال هذه السنة بإنهاء مقاطعتها لأول مرة لاجتماعات الجمعية العامة بهذه المناسبة لا يعني جنوحا إلى السلام أو بداية استعداد للتعاطي مع حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، بل يعني فقط تغييرا في أسلوب معارضتها للقرارين ومناسبتيهما.

فالإعلام الصهيوني في هذه الدولة وخارجها لم ينس أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء لجنة حقوق الشعب الفلسطيني "غير القابلة للتصرف" قد صدر في العاشر من الشهر الحادي عشر عام 1975، وهو اليوم نفسه الذي أصدرت الجمعية فيه قرارا آخر لها ساوى بين الصهيونية وبين العنصرية، وهو القرار الذي أبطلته الجمعية العامة بقرار لاحق ليضاف إلى سلسلة طويلة من حقوق عرب فلسطين "غير القابلة للتصرف" التي سقطت ضحية "عملية سلام" أثبت تطور الأحداث بعد ما يزيد على عشرين عاما من انطلاقها إثر "إعلان الاستقلال الفلسطيني" عام 1988 أنها كانت عملية لا علاقة للسلام بها وأنها كانت مجرد غطاء للاعتراف الفلسطيني والعربي بشرعية الاغتصاب الصهيوني المتواصل لحقوق الشعب الفلسطيني "غير القابلة للتصرف"، وفي مقدمتها حق عرب فلسطين في مقاومة الاغتصاب المتواصل لهذه الحقوق.

إن من يراجع مضامين الخطاب الفلسطيني والعربي والدولي في الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء إحيائها للمناسبتين هذا العام لا يجد أي صعوبة في الاستنتاج بأن البيئة السياسية الحالية التي يجري فيها إحياء المناسبتين مهيأة تماما لتكرار نجاح دولة الاحتلال الإسرائيلي وراعيها الأميركي في إسقاط القرار الأممي الذي ساوى بين الصهيونية وبين العنصرية من أجل إسقاط قراري الجمعية العامة رقم (3376) ورقم (32/40 بي)، لكن بطريقة أخرى: بإفراغهما من محتواهما الأصلي.

وقد لخص الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، هذا الخطاب الذي ينطوي على التناقض بين الحقوق "غير القابلة للتصرف" لعرب فلسطين وبين التعاطي مع هذه الحقوق في المناسبتين في كلمته الأسبوع الماضي إلى اللجنة التي أنشأتها منظمته لهذا الغرض. وبينما لا يمكن إلا الإشادة بإشادته باللجنة لأنها تحافظ على "تركيز المجتمع الدولي على قضية فلسطين"، وتذكيره بأن "الشعب الفلسطيني يواصل كفاحه لنيل حقوقه غير القابلة للتصرف في تقرير المصير"، ولا يمكن الاستهانة كذلك بدعوته إلى "قيام دولة فلسطين ذات سيادة على أساس خطوط عام 1967"، فإنه لا يمكن أيضا إغفال التناقض الذي انطوى عليه خطابه، كعينة للخطاب الدولي والعربي والفلسطيني في المناسبة نفسها، وهو خطاب لا يفرغ القرارين والمناسبتين من محتواهما فحسب بل إنه ينسف الهدف الأصلي نفسه الذي أنشئت لجنة حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف من أجله.

إن إعراب بان كي مون عن قلقه "البالغ" لأن "المحادثات بين إسرائيل وبين منظمة التحرير الفلسطينية قد علقت مدة سنة تقريبا"، وهو يعرف تماما بأن الشعب الفلسطيني، المعني الأول والأخير بحقوقه "غير القابلة للتصرف"، غير معني بهذه المحادثات ويكاد يجمع على معارضتها في صيغتها ومرجعياتها وأهدافها وأساليبها السابقة وفي من يفترض أنهم ممثلين له من مفاوضيها، ثم اقتباسه لقراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338 والاتفاقيات الموقعة بين دولة الاحتلال وبين المنظمة وإطار مؤتمر مدريد عام 1991 و"خريطة الطريق" ومنحها شرعية الأمم المتحدة بقرارات مجلس الأمن 1397 (2002) و 1515 (2003) و 1850 (2008) وتفاهمات مؤتمر أنابوليس عام 2007 باعتبارها المرجعيات لحقوق الشعب الفلسطيني "غير القابلة للتصرف"، وهو يعرف تماما رفض الأغلبية الساحقة من عرب فلسطين لهذه المرجعيات ويعرف كذلك بأن رفض هذه المرجعيات يكمن في صلب الانقسام الوطني الفلسطيني الراهن، قبل أن يندد "بمن يحاولون نسف التحركات نحو السلام بواسطة العنف" في إشارة غير مباشرة إلى المقاومة الفلسطينية، إن كل ذلك يلخص وصفة مجحفة تماما بالحقوق غير القابلة للتصرف لشعب فلسطين، ويتناقض تماما مع هذه الحقوق، ويفرغ لجنة الأمم المتحدة الخاصة بهذه الحقوق واليوم العالمي للتضامن معها من أية حقوق كهذه.

فهذه وصفة سياسية ملخصها مبادلة حقوق عرب فلسطين غير القابلة للتصرف كما كانت عام 1948 بحقوق مقزمة ومجتزأة لهم في أرضهم المحتلة عام 1967، وهي وصفة "تتصرف" في حقوقهم "غير القابلة للتصرف" تصرفا ينسفها من أساسها، وإذا كان عدم إشارة بان كي مون في كلمته إلى القرار رقم 194 الذي أصدرته الجمعية العامة في 11/12/1948 مثالا لهذا "التصرف"، فإن تكرار رئاسة منظمة التحرير للدعوة إلى التفاوض على "حل متفق" عليه لتطبيق هذا القرار، بدل الدعوة إلى تنفيذه، كما ورد في كلمة محمود عباس في ذات المناسبة، يعطي لهذا التصرف في الحقوق غير القابلة للتصرف بعدا فلسطينيا سياسيا خطيرا لأنه أولا يسوغ للآخرين "التصرف" في هذه الحقوق طالما أن الممثل الشرعي والوحيد لأصحابها لا يرى ضيرا في التصرف فيها، ولأنه ثانيا يمهد لانقسام وطني فلسطيني دائم.

إن حقوق الشعب الفلسطيني "غير القابلة للتصرف" سابقة على عباس وبان كي مون كليهما، وسابقة على القرار الأممي بإنشاء لجنة خاصة بها، وسابقة على احتلال عام 1967، وسابقة على إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، وستبقى ثوابت وطنية "غير قابلة للتصرف" ومقياسا لوطنية وشرعية أي قيادة فلسطينية. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com