جدة غرقت في شربة ماء: غضب وفضائح بعد الكارثة المفجعة

ما حدث في مدينة جدة من فيضانات وسيول بسبب الأمطار التي وقعت الأربعاء الماضي كارثة إنسانية بكل المعايير، فهناك نحو 120 قتيلا بالإضافة إلى المئات من الجرحى والالاف من المفقودين، والأرقام المحزنة المفجعة للقتلى والضحايا مرشحة للارتفاع مع كل ساعة، حيث هناك منازل سقطت على سكانها، وهناك عوائل في السيارات محجوزة لا يعرف هل هم أحياء أمَ أموات، دمار وخسائر فادحة وفضائح مجلجلة، أشعلت نار الغضب لدى المواطنين، انها حقا كارثة تستحق إعلان حالة الطوارئ للكوارث على أعلى مستوى في الوطن.
الصور التي تم نشرها في وسائل الإعلام وبالخصوص في الانترنت تعبر عن مدى الكارثة المحزنة من دمار في كل مكان، ولا يمكن للمرء ان يصدق ان هذه الصور لمدينة تقع في السعودية وبالذات مدينة جدة الشهيرة!
لقد أثبتت الكارثة المفجعة كما شاهدناها وكما سمعنا وقرأنا عن قصص إنسانية مأساوية ومؤثرة جدا ان جدة غير - حسب ما يقال عنها في الدعاية والإعلان - فالحدث غير والكارثة غير، جعلت جدة غير وكأنها مدينة لا تنتمي إلى دولة من أغنى دول العالم واكبر منتج للنفط، وانها بوابة استقبال ضيوف بيت الله الحرام وزوار النبي الكريم (ص)، لقد غرقت جدة عروس البحر الأحمر وأشهر المدن السعودية ومدن الجزيرة العربية في شربة ماء كما يقال، أمطار سقطت لمدة لا تتجاوز ست ساعات فقط، فتحولت الأمطار إلى سيول جارفة، والشوارع والأزقة إلى بحيرات قاتلة لعدم وجود بنية تحتية لا مصارف أمطار «ولا مجاري ولا هم يحزنون» في المدينة العريقة واجهة المملكة، فتحطمت الشوارع وتهاوت الجسور وتساقطت الجدران والمباني وكأنها أوراق، مما يدل على حجم التقصير والفساد في التخطيط وإقامة المشاريع، إنها فضيحة كبيرة من العيار الثقيل.
إذا كانت مدينة جدة العريقة وبوابة الحج وعروس البحر الأحمر بهذه الحالة السيئة فكيف حال بقية المدن والقرى، وهل سيقع ما هو أسوأ من ذلك، من المسؤول عن غياب البنية التحتية الشاملة، وأين تذهب الأموال الطائلة التي تخصص كل عام من الميزانية العامة للبنية التحتية؟
حتما ان ما وقع في جدة كارثة إنسانية وفضيحة وطنية ناتجة عن تقصير وفساد واضح لدى الكثير من الجهات المسؤولة في الوطن، وان هناك تقصيرا في التعامل مع الكوارث، لاسيما الإعلام الذي تعامل مع الحدث ومنها وكالة الأنباء بطريقة مزعجة أثارت غضب الشارع السعودي، ولقد عبر وزير الإعلام عبدالعزيز خواجة عن استيائه الشديد من أسلوب الوكالة حيث نقل عنه: «إنه تم الاتصال بالمختص في وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) والتأكيد أن أي استخفاف بمشاعر الأهالي والمتضررين أو الاستهانة بتداعيات أمطار جدة مرفوض وغير مقبول».
هناك قصص مروعة ومأساوية لأطفال ونساء وشيوخ وشباب، وهناك خوف وقلق أن تطمر المياه والأتربة «الطين» الجثث المفقودة.
الإنسان - مواطن أو مقيم أو زائر - له كرامة وله حقوق وقيمة يجب حمايتها ورعايتها، والجهات الحكومية هي المسؤولة عن تقديم الخدمات الأساسية والرعاية، وان ما وقع من كارثة مفجعة هو اعتداء صارخ على أرواح المواطنين والمقيمين يجب ألا تمر مرور الكرام، يجب محاسبة المسؤولين عن الفساد. فالشعب يشعر بالغضب والاستياء من هول الصدمة وحجم الكارثة الناتجة بسبب الفساد والإهمال، وقد عبر بعض كتاب الصحف المحلية عن ذلك الغضب بمقالات قوية مطالبين بمحاسبة المسؤولين عن الفساد والاستغلال والجشع.
إننا من خلال هذه السطور نقف مع أبناء وطننا في هذه الكارثة الإنسانية، ونعبر عن تضامننا ومواساتنا لأهل الضحايا، سائلين الله العلي القدير أن يرحم الموتى برحمته الواسعة، وان يمن على المرضى بالشفاء والعافية، وان يتم العثور عن كل مفقود ومفقودة. فبلاد خادم الحرمين الشريفين وما تبذله من مخصصات مالية كبيرة لبناء دولة حضارية كان يجب ألا تحدث فيها هذه المأساة، وان تكون أفضل من هذا الوضع، حفظ الله وطننا الغالي. علي ال غراش