تساؤلات قومية

* الريادة دور يُمارس.. لا شعار يُرفع.
مقولة يتفق عليها "كل" المؤمنين بالدور القومي لمصر، المُمتد تاريخياً واستراتيجياً من ديار بكر وجبال طوروس إلى باب المندب.. ومن البحرين إلى حدود ليبيا.. امتدت مع ناصر لشواطئ الأطلسي. خريطة "تنتعش" مع "كل" من يسعى لـ"دولة قوية" في مصر، من تحتمس إلى عبدالناصر وبينهما صلاح الدين ومحمد علي.. أياً كان الشعار المرفوع، لا فرق هنا بين ناصريين ويساريين.. وليبراليين كالراحل د.سعيد النجار.
يتجاهل "معظم القوميين" أن استعادة مصر لدورها "المحوري"، مع صلاح الدين ثم بيبرس فمحمد علي، بعد انقطاع استمر لعقود تحت لافتة الخلافة، يرجع لعوامل موضوعية/ ذاتية، قد لا تبدو مفهومة أحياناً. لن أعود لتاريخ يمتد لآلاف السنين وحكمة الرب في اختيار المصرية هاجر، ابنة ثقافة البناء والخلود، ليُعمر بها وبنسلها "واد غير ذي زرع"، ويُخرج من رحمها "الأمة"، سأذهب إلى العصر الحديث وأتساءل.. ألم يكن الشام أكثر انفتاحاً وتنوعاً ليسمح بنمو عناصر القوى الناعمة فيه؟ ألم يكن مدهشاً أن "بدايات" النهضة العربية الحديثة ولد، أغلبها، على أيدي شوام.. مع شخصيات من أفغانستان إلى كردستان، لكنها "كلها" لم تجد "بيئة/بوتقة" حاضنة غير مصر "المُحتلة" مثل أقطارهم، ليشع منها التنوير.. والفنون والآداب والصحافة، والأيديولوجيات العابرة للأقطار العربية.. قومية وإخوانية، رغم أنها حاولت رمي بذورها في بلدان أخرى.. فلم تنبت.
يتجاهل كثيرون، داخل مصر وبمحيطها، أن التاريخ الحديث يؤكد أن الأرض "الخصبة".. هنا في "القطر المصري"، وأن ما "قد" يزهر خارجه.. يبدو كزراعة السطوح، حالة مؤقتة، لن تمد جذورها لأرض لا تسمح طبيعتها بالإنبات. فمصر خارج اللعبة، مُكبل جسدها العريق، لأكثر من ثلاثة عقود.. و"عجز" الباقون عن احتلال مكانتها.

* لا تعايرني ولا أعايرك
رغم أن الحدود بين الجزائر والمغرب مغلقة منذ عقود، إلا أن اللافتات المرفوعة في استاد أم درمان، اقتصرت على "افتحوا حدود غزة". هي ليست جديدة في سياق معايرة المصريين بسياسات نظام حكمهم، رغم أنه لا يختلف عن باقي الأنظمة العربية.. إلا في الدرجة، فكلها هدفها الوحيد البقاء.. كما أكد الأستاذ هيكل، رافضاً تقسيمها إلى ممانعة ومعتدلة.
مع كل نقاش عربي.. أياً كانت طبيعته، كانت تقفز المعايرة بـ"التطبيع".. وكأنه فعل "مصري خالص".. وكأن مجرمي الحرب الصهاينة يتحركون بحرية "وسط شعب مصر" كما رصدت الكاميرات الاحتفاء بهم في أسواق ومؤسسات عربية من الدوحة إلى الرباط. ومع "حدوتة غزة" اُختزلت القاهرة في "مصر تُحاصر".. مصر لا مبارك، وسمعنا توصيفات مثل "يهود العرب". رغم أن تضحيات مدينة واحدة بخط القناة تفوق بمراحل تضحيات "كل" المزايدين.
يتلقى القوميون المصريون المعايرة بتسليم ورحابة صدر، لتتحول إلى ورقة ابتزاز وتشويه.. شعبياً وقومياً، دون أن يردوها لصدر المزايدين: لا تعايرني ولا أعايرك.. فلا توجد "علاقة حميمية" تربط رؤوس نظام القاهرة.. مثل التي تربط حكام قطر حيث أعلى أصوات المعايرة.. أو المغرب المسئولة قومياً وإسلامياً عن ملف القدس، برؤوس حكم تل أبيب، ولا يوجد قطر عربي.. واحد، مُقاوم.

* عدو.. ومنافسون
إسرائيل هي "العدو" الدائم، هكذا تربي أغلبيتنا الساحقة أولادها، وعلى صراع الوجود لا الحدود تُبنى "عقيدة مؤسساتنا".
"قد" يشاركنا لاعبون بالمنطقة نفس العقيدة، دون أن ينسوا المنافسة الإقليمية.. التاريخي منها والمُستجد، حقهم، لكنك عندما تنبه إلى.. أو تشكو من "توحش" المنافسة وانتهازيتها لضعف "الدولة" المصرية، تقفز من الداخل ومن المحيط، اتهامات عن "استبدال العدو"، ولا نسمع ذات الاتهام مع ألاعيب إقليمية تعبث في حديقتي مصر الخلفيتين.. غزة والسودان، أو في "مصر العليا/ اليمن والصومال".. وفق أدبيات "الدولة" الفرعونية، أو في محاولات تشويه وتكسير "كرامة/ هيبة" الشقيقة الكبرى، مثلما غابت أميركا.. تماماً، عن أجواء "العداء" في "حدوتة غزة"، لتظهر بدلاً منها "مصر الدولة" كمتهمة مع "العدو المشترك". ولم يكن غريباً أن "استبدال العدو" لم يُوجه لثلاثة آلاف فرد مقاتل.. غيروا وجهتهم إلى استاد أم درمان.

* صُدف إخوانية
في "الموقعة" الأخيرة، انشغل القوميون بدعوات التجاوز، متجاهلين "صدفة" الوجود المُكثف لـ"من يعاديهم" أيديولوجياً، أبوا أم رضوا، فالإخوان يحكمون السودان.. ليصبح "خصماً" لمصر، ويدفعون بـ "تسييد" خطاب الجماعة الطائفي نحو انفصال الجنوب بما يمثله من كارثة استراتيجية على القاهرة، و"هم" حلفاء لقطر ولأداتها الإعلامية/ الجزيرة.. بقيادتها الإخوانية/ الحمساوية، التي "تجيد" الترويج لهم كـ"أعداء" لأميركا وإسرائيل، كما "تجيد" انتهاز الفرص لتشويه الثورة وأيقونتها القومية "أبوخالد"، من "شتائم" أحمد منصور إلى "إصرار" سياستها التحريرية على سياقات مثل "تبني" الاسم الصهيوني للعملية التي اًسر فيها سمير القنطار.. "نهاريا" بدلاً من "عملية القائد جمال عبدالناصر" كما أسماها فدائيوها. وبالجزائر شراكة بدأت بدعم انقلاب العسكر على منافسيهم في توظيف الدين/الإنقاذ، واستمرت بعدة وزراء.. ودعم التمديد المفتوح لبوتفليقة، وشراكة في الفساد والتعذيب.. وفي "تحميس" جماهيرهم في أم درمان، بينما "الجماعة الأم" بالقاهرة تُحمل بلدها المسئولية الأكبر. وفي العواصم الثلاث يقفز اسم يوسف القرضاوي كـ"صديق/ مُفتي شخصي" لحكامها. ومن العواصم الثلاث تنطلق المزايدات ضد "يهود العرب". بالطبع "هم" ليسوا فاعلين.. بقدر ما يجيدون لعب دور الأداة في أيدي مُنافسي "دولة" مصر.. منذ تحالف "مؤسسها" مع آل سعود.. و"تابعيه" مع "ملكيات الرجعية" في الخمسينات.. حتى سحل نُصب الجندي المجهول والعلم المصري بغزة.. وبعواصم عربية عديدة.
أخطأ القوميون بالتوقف عند النفي والتسامح، فانعزلوا عن "الناس".. "الغوغاء" حسب تعبير بعضهم، الذين يُفترض أنهم يسعون لترسيخ إيمانهم بالعروبة. لو اهتم القوميون بفضح اللاعبين الأساسيين في "الموقعة" بدلاً من التهوين، لأدرك "الناس" أنها لم تكن فقط محاولة لإهانة وطنهم.. بل، وهذا هو الأخطر، محاولة لشرخ إيمان من يؤمن منهم بالعروبة. محمد طعيمة m.taima.64@gmail.com