قراءة، لا مناقشة، لحزب الله موثِّقاً...

ليست "اللبننة" فكرة سياسية بدون معنى، بل بدون معان وبالتالي بدون تاريخ لهذا المصطلح في الصراع السياسي الداخلي او في الاستخدام الدلالي الخارجي. فالمصطلح اشتُق بداية كنموذج سلبي على غرار "البلقنة" او "القبرصة"... ولاحقا "الصوملة"... فـ"العرقنة". لكنه استخدم بالتوازي خلال الحرب الاهلية 1975 – 1990 كطريقة في الدعوة السلبية الى قوى واحزاب لبنانية: يسارية او اصولية او قومية عربية (ومنها "القومي السوري"!) لكي "تتلبنن" اي انها احزاب مرتبطة بالخارج وذات مشروع لا يتعلق بلبنان وانما باطارات فكرية – سياسية خارجه.
استخدِم هذا المصطلح في العشرين عاما منصرمة بشكل كثيف حول وضد "حزب الله" بصورة خاصة.
لفتت نظري موجة اعلامية تعاملت مع "الوثيقة السياسية" التي اصدرها "حزب الله" بلسان امينه العام على انها اول نص يعلن "لبننة" الحزب. لكن اهم ما في هذه الموجة ان عددا من مؤيدي الحزب واخصامه على السواء اتفقوا على اعتبار هذا النص اعلانا لمرحلة "لبننة" الحزب.
لديّ هنا رفض لهذه الفكرة بكاملها، لا في ما يتعلق بـ"حزب الله" وحده بل بالوضع اللبناني ككل.
لقد تجاوزت التطورات السياسية البنيوية في لبنان هذه الفكرة، فكرة "اللبننة". ولم يعد الامر يتعلق، كما لم يكن اصلا، يتعلق بـ"حزب الله" وحده وانما بكل التكوين السياسي الرئيسي على "الساحة" اللبنانية وتحديدا في البيئتين السنية والشيعية. فاذا كان المقياس نوعية الارتباط التنظيمي تتمتع السعودية وايران حاليا بالقدرة على الادارة المباشرة لاكبر تنظيمين في لبنان، من حيث التأثير السياسي كما الامتداد السوسيولوجي.
لقد بلورت تجارب السنوات الاربع المنصرمة ما سبق ان اسميته نوعين من "العمالة" (وهذا وصف سياسي وليس حكم قيمة الآن) المسيطرة محليا على الاتجاهات السياسية اللبنانية. "العمالة الكلاسيكية" اي ما هو امتداد لإرث العلاقة البادئ في القرن التاسع عشر بين "الطائفيات والقناصل"... والتي تتجسد تقليديا في البيئتين المارونية والدرزية. والنمط الجديد من "العمالة" الذي اصبح فعليا المسيطر على مسار الدولة اللبنانية. هذا النمط يقوم على وجود تنظيم هو جزء لا يتجزأ من هرمية نظام حاكم لدولة اقليمية كبيرة في المنطقة، وهذا ما بلغه لبنان مع تحول الثنائية السنية – الشيعية الى الثنائية الاقوى التي تتعايش، ولكنها تحل في الوقت نفسه كبؤرة توتر اساسية، مكان الثنائية المسيحية – الاسلامية التي تأسس عليها الكيان بعد 1920.
اذاً، لا معنى راهنا بات يمكن ان يضيفه (او يفيده) النقاش السياسي حول "لبننة" اي حزب.
•••
لهذا لا اعتقد ان المفيد جديا "مناقشة" وثيقة "حزب الله"... وانما المطلوب قراءتها... اي فهم اتجاهاتها وصورتها لوظائف الوضع اللبناني في علاقته مع الخارج او مع نفسه... وهذا ينطبق على اي وثيقة يمكن ان يصدرها حزب رئيسي آخر. فالحياة السياسية اللبنانية اليوم، رغم انها تعيش حالة وفاقية (محمودة) فهي لا تعيش حالة نقاشية... تجعل "الافكار" مؤثرة في تغيير المسارات الاساسية. ومن المعالم العميقة الجذور في التربة النخبوية الثقافية السياسية الحالية لهذا الوضع هو ان لبنان اصبح في حقبة اولوية منع الحرب الاهلية وليس في حقبة "الاصلاح السياسي"... فنظامه السياسي قوي جدا، من حيث سيطرة قواه الاساسية على المجتمع، وهي باتت قادرة على ادارة دولة مفككة دون ان يتهدد هذا النظام. هذا ينطبق على "تيار المستقبل" و"حركة امل" حليفة "حزب الله" المتطابقة معه، والحزب التقدمي الاشتراكي، ولكن في البيئة المسيحية فقط، ورغم امتدادية "التيار الوطني الحر" التي لم تكتمل كآخر صيغة عند الموازنة لمشروع "الحزب – الطائفة" بعد تجربة حزب الكتائب و"القوات اللبنانية" خلال الحرب، فان قدرا من التعددية الفعلية (والشكلية) ما زال يعبر عن "لبنان القديم" حيث الاحزاب المتنوعة والعائلات البورجوازية القديمة والجديدة تتنافس على النفوذ، ولكنها تعاني من وقت لآخر ظاهرة الشعور بنوع من "الهامشية" في بعض المحطات الكبيرة، لا سيما عندما يتعزز المنحى الجديد في المنطقة بعد الفشل الاميركي في العراق. وهو اتجاه القوى الكبرى (الغربية) الى الاعتماد على القوى الاقليمية الاساسية لتعبئة فراغ الانسحاب الأميركي البادئ من العراق... فينعكس ذلك بظهور اكثر لأرجحية القوى اللبنانية المرتبطة بالمراجع الاقليمية في تقرير اتجاهات "السياسات" اللبنانية وهي هنا ايران والسعودية وسوريا ومصر على حساب القوى المسيحية، أكانت حليفة هذا "التيار" ام حليفة ذلك "الحزب"، وهي – اي القوى المسيحية – التي لا ينقصها اصلا قلق دائم من التراجع السياسي منذ العام 1990 تعززه الهواجس والوقائع الديموغرافية.
الوثيقة، وثيقة "حزب الله"، لا تحمل اي جديد "ملبنن" اكثر مما نعرف منذ العام 1992 عندما انتقل الحزب ليس الى "اللبننة" – وانما الى "الدوْلتة" اي الى التركيبة السياسية في مؤسسات الدولة: المجلس النيابي ولاحقا الحكومة. هذا كان مسار "دَوْلَتَةٍ" للحزب... فهو ملبنن مثله مثل الآخرين الملبننين. واذا كان يحتاج الى "لبننة" فالآخرون يحتاجون اليها بنسبته نفسها او بنسب اخرى حسب كل حالة.
تعبر "اللبننة" بهذا المعنى عن فكرة وهمية عن لبنان وهمي أو اصبح وهميا. واذا كان لهذا "الكيان" ان ينجو من تفجر مصيري داخلي او خارجي (والخارج اليوم اكثر رصانة "لبنانية" من الداخل: شكرا لمنع الحرب الاهلية) فعلينا ان نبني صورة واقعية عن بلدنا:
لقد تغيرت السوسيولوجيا اللبنانية مثلما تغير "الاقليم". قالت لي صحافية سويسرية (مخضرمة!) مقيمة في القاهرة مؤخرا انها تحب بيروت اجتماعيا... ولكنها لم تعد كمراسلة تستفيد منها حتى كمرآة للمنطقة. لقد اصبحنا المنطقة لا مرآتها. ومع اني اعرف ديبلوماسيين كثيرين وعلى مستويات مختلفة ما زالوا يعتبرون الخدمة في بيروت ضرورة لتقدمهم المهني، بدت لي ملاحظة الزميلة السويسرية محتاجة الى تفكير عميق: نحن المنطقة... لا مرآتها! سوى في اختلاف جذاب لليبراليتنا الاجتماعية بما فيه البنية التربوية المدرسية.
وثيقة "حزب الله" ذات التحليل الماركسي لا الديني للصراع العالمي تؤكد موقعه في الصراع العام في المنطقة (لكنها في لبنان ماركسية بدون اقتصاد!).
وتحمل:
1 - رؤية استراتيجية ايرانية – لا سورية – للصراع مع الولايات المتحدة... كخط اساسي يتفرع منه الصراع مع اسرائيل!
2 - موقف مبدئي ضد التفاوض مع اسرائيل، سنرى كيف سيترجم ترجمة براغماتية اذا انفتح المجال الاميركي امام تفاوض سوري اسرائيلي يحقق طبعا من وجهة النظر السورية المصالح الوطنية السورية وعلى رأسها اعادة الجولان. لكن، حتى سوريا، في ظل الوضع الحالي المغلق إسرائيلياً، ليست محتاجة الى موقف براغماتي من "حزب الله".
3 - هل تعني القوة "الردعية" التي وصفت بها الوثيقة قوة "المقاومة" حاليا انه لم يعد لـ"حزب الله" مشروع مواجهة مع اسرائيل عبر لبنان وانما مشروع "ردع" يخدم تلقائيا رافد المواجهة الايرانية للولايات المتحدة ورافد الضغط السوري لتحرير الجولان... ويحقق حالة سلام ردعي لا تحمّل الشيعة واللبنانيين كلهم وزر حرب اخرى؟ لكن طبعا من يتحكم بهذا التوازن اذا اختل من الجهة الاسرائيلية؟ او اذا... حصلت تطورات خطيرة مع ايران؟
كلمة "ردع"... كلمة مفتاح... خصوصا انها جاءت ضمن الجملة المعبرة التالية: "المقاومة راكمت تطور مشروعها من قوة تحرير الى قوة توازن ومواجهة ثم الى قوة ردع ودفاع"... انها طريقة "الحزب" في وصف التحول منذ تأسيسه كذراع ايديولوجية – سياسية – امنية لـ"الجمهورية الاسلامية" في ايران في مرحلة تصدير الثورة في الثمانينات، ثم انتقاله في التسعينات (وبكيمياء وقيادة الرئيس حافظ الاسد) الى حركة تحرير وطني ضد اسرائيل في جنوب لبنان، الى تحوله الى مزيج من كوماندوس – نخبة عسكرية متطورة بعد العام 2000 في الصراع الايراني – الاميركي، الى تحوله بعد اختباره الناجح عسكريا في حرب 2006... الى "قوة ردع" ثابتة... في زمن التركيز الإيراني على البيئات الشيعية العربية...
4 – "الديموقراطية التوافقية" هي الاسم – او احد الاسماء – التي يستقر عليها لبنان في صيغة ارجحيته السنية – الشيعية، الاقليمية الداخلية، السعودية الايرانية السورية... صيغة اولويتها منع الحرب الاهلية. وهذا يكفينا في "الجيل" الراهن. جهاد الزين