جدارية المرأة، أكبر منحوتة في فلسطين

رام الله ـ من محمد خالد
على موعد مع معلم جديد

مسافة الألف ميل باتجاه عرض ثمار تجربة مشتركة خاضتها مجموعة من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين قُطعت ولم يتبق منها سوى بضعة أمتار معدودة، وباتت مدينتا القدس ورام الله بالضفة الغربية على موعد يومي التاسع والعاشر من الشهر الجاري لازاحة الستار عن ابداعٍ فني جريء بفكرته وتنفيذه، ويعد الأول من نوعه في فلسطين والشرق الاوسط.
مشروع ضخم انطلقت فعالياته في آذار الماضي وحمل اسم "احتفالية الفن والثقافة بالمرأة الفلسطينية"، تمخض عن شراكة ما بين طاقم شؤون المرأة كمؤسسة تعنى بقضايا النساء، والورشة الفنية المفتوحة في قرية كوبر كجهة مهتمة بالثقافة والفنون.
وقد تم اعتماد هذا المشروع من قبل الهيئة المشرفة على نشاطات وفعاليات القدس عاصمة الثقافة العربية 2009.

المرأة : منها البدء واليها الرجوع في قرية كوبر اجتمعوا على مدى ثمانية اشهر وكأنهم في معسكر تدريبي؛ خمس فنانات وخمسة فنانين مثّلواجميع مناطق فلسطين التاريخية.كل واحد منهم قدم من مكان مختلف حاملاً معه ثقافة هذا المكان وخصوصيته ومتسلحاً بنمطه واسلوبه الخاص وطابعه ولونه المميز.
وكلٌ منهم كان معتاداً في السابق على العمل في حيزه الخاص وادواته الخاصة، يترجم ما تفرزه بنات افكاره في عمل فني منفرد يحمل بصماته، ولكن في هذه التجربة الفريدة التي جمعتهم كان لزاماً عليهم ان يتوحدوا حول فكرة واحدة من ذات المنبع، وان تتجانس ألوانهم وأنماطهم في عمل فني مشترك.
المرأة الفلسطينية بعالمها وقضاياها ألهمتهم وكانت هي العنوان، ومن نصوصها وشعرها وروايتها استوحوا افكاراً كسروا بها انماط الوسائل التقليدية في التعبير، وامتزج الابداع الخاص لكل منهم في بوتقة واحدة وموحدة انطلقوا بها يرسمون بالحجارة تشكيلات بصرية بتفصيلات دقيقة، ويعجنون الطين الذي تحول بين اياديهم خزفاً، وأضحى فيما بعد ملحمة تحمل قصصا جميعها تتحدث عن المرأة.
فمن عالم المرأة بدأوا والى عالم المرأة انتهوا...فكانت هذه المنحوتة.
كان من الصعوبة بمكان اختيار نص مكتوب لتجسيده في عمل فني محوره المرأة والتي يتحدث عنها كل شخص بطريقة مختلفة وفق مفهومه الخاص.
من الفنانين من أراد أن يُسقط عنها كل المعتقدات السلبية بشأنها وأن يمحو جميع الافكار المسيئة لها، فوجد في نصوص الكاتبة رانية رشيد ترجمة لهذا الحلم، كالفنانة عفاف عمر.
منهم من أراد أن يعطي للمرأة مساحة أوسع في الحرية والإنعتاق، فوجد في دواوين الشاعرة داليا طه إطاراً لهذه الإرادة، كالفنان ابراهيم جوابرة.
ومنهم من آثر أن يترجل بمقطوعة نصية صاغها بنفسه بعد أن تاه بين النصوص، كيف لا وهو يعتبر الكتابة مكملاً لأعماله الفنية والتي في غالبيتها تتعامل مع موضوع المرأة، كما فعلت الفنانة ربى حمدان.

تجرد من الأنا في تجربة فريدة من نوعها تجربة وصفتها الفنانة عفاف بأنها رائعة وايجابية على الرغم مما واكبها من تعب جسدي وضغط نفسي، صعوبات كثيرة اعتبرها زميلها الفنان ابراهيم انها "ليست بالاهمبة الكبيرة عندما تجد نفسك في النهاية قد انجزت عملاً ذو زخم كبير وسلطت الضوء على مسألة تستحق منا كل اهتمام ".
أما الفنانة ربى فاعتبرتها تجربة فريدة من نوعها أثبت من خلالها الفنانون العشرة قدرتهم على إخراج هذا العمل الضخم الى النور على الرغم من تلك اللحظات التي اعتراهم فيها الشك والتخوف من عدم امكانية تحقيق ذلك.
تجربة حاول كل من الفنانين المشاركين فيها إثبات نفسه وقدراته وطاقاته الابداعية، كما استغرقهم وقتاً للتخلص من أثرة النفس ومن شذرات "الأنا" الدفينة في نفوسهم، الأمر الذي أرجعت الفنانة ربى الفضل فيه الى الفنان مازن سعادة، المنسق الفني للورشة المفتوحة والذي بدوره وجه الثناء الى فنان فرنسي يدعى "فرانك" مكث مع الفنانين العشرة طوال فترة اسبوعين وساهم في خلق أجواء من العمل الجماعي على الورشة منذ بداياتها "بروحه وبتواضعه وبقدراته الهائلة "بحسب ما وصفه الفنان سعادة.

تحديات كبيرة تم تجاوزها بنجاح وكفاءة عالية مادة جديدة وجد الفنانون العشرة انفسهم امامها ولم يسبق لاحد منهم ان تعامل معها من قبل ما شكّل تحدياً لهم طوال فترة ستة اسابيع هي مرحلة التنفيذ، وقد تم تجاوزها بنجاح.
والى جانب عدم الخبرة المسبقة لديهم، فقد شكلت الكمية الهائلة من الطين والعمل على كتل ضخمة بتقنيات جديدة تحدياً آخر سيما وان الحديث يدور عن جدارية تزن نحو ستة أطنان ونصف وتصل مساحتها الى نحو مئة متر مربع.
كما شكّل عامل الزمن تحدياً ثالثاً أمام الفنانين نظراً للوقت الذي تحتاجه عملية معالجة هذه الكمية الهائلة من الطين بالنار وتلوينها، واضطرارهم لتصميم فرن خاص يعمل بالغاز في ظل عدم توفر البنية التحتية اللازمة وارتفاع تكلفة الكهرباء.
واضافة الى ذلك كله، فقد واجهت الفنانين جملة من المشكلات التي لها علاقة بالكسور والتشققات في القطع التي تم تشكيلها.
هذه التحديات التي حدثنا عنها الفنان مازن سعادة لم يتم تجاوزها بنجاح وكفاءة عالية جداً فحسب، بل انها اضافت لتجربة ولخبرة الفنانين المشاركين في هذا العمل الشيء الكثير، كما رفدت الحركة الفنية الفلسطينية بكفاءات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وبحسب سعادة، "فقد اصبح لدى الحركة الفنية الفلسطينية الآن ثمانية فنانين على الأقل قادرين على التعامل مع هذا النوع من الفن والذي هو أصلاً غير موجود في بلادنا عملياً".

القدس ورام الله على موعد مع معلم جديد وسيرفع الستار الأربعاء عن شطر المنحوتة الاول والذي تحتضنه جامعة القدس في ابو ديس إحتفاءً بالقدس عاصمة الثقافة العربية 2009.
وفي اليوم التالي سيرفع الستار عن شطرها المتبقي والذي يحتضنه شارع الارسال في رام الله، مقابل الحديقة العامة (قيد الإنشاء).
وكأن في ذلك تواصل عاطفي وثقافي وتاريخي مع مدينة القدس وتعبيراً عن تطلعها لأن تكون جزءاً من المجتمع الفلسطيني والذي تشكّل مدينة رام الله أحد تعبيراته.
أعمال تركيب الجدارية تجري على قدم وساق منذ نحو اسبوعين في رام الله وسط اصرار على عدم تغطية القطع الفنية على الرغم من عدم اكتمالها، والهدف –بحسب الفنان سعادة- هو تلمس ردود الفعل الاولية لدى مواطني المدينة وزوارها.
وقد عبر سعادة عن أمله بأن يلقى هذا الإنجاز الضخم اصداءً ايجابية في نفوس مشاهديه، وأن يتمكن الفنانون الفلسطينيون من خلق وتنفيذ أعمال فنية مشابهة في كل مدينة فلسطينية ليصبح الفن جزءاً من مجتمعنا ومن حياة مدننا وقرانا الفلسطينية.
نصوص نسوية بعثت الحياة في الطين الذي تحوّل بين أيدي مبدعين فلسطينيين الى منحوتة احتفالية بالمرأة الفلسطينية في جميع أماكن تواجدها، والمنحوتة أضحت جزءاً لا يتجزء من تاريخ وجغرافيا مدينتي القدس ورام الله، وأحد معالمهما البارزة.