العدسة ترتجف من البرد والدمع

مسقط - من عبدالرزاق الربيعي
المخرج العراقي جمال أمين أثناء تصوير فيلم اللقالق

"في الطريق الى أوروبا
كنت أحلم أن أكون فراشة أو عصفور
في الطريق الى اوروبا
حلمت باني أمشي فوق الماء
في الطرق الى اوروبا
كنت كاللقلق يبحث عن عشه
لكني بعد سنين عجاف
أصبحت
عشبة صغيرة
على جبل ثلجي"
بهذه الأغنية يختتم المخرج جمال أمين فيلمه القصير الجديد "اللقالق" ملخصا مغزى الفيلم الذي يناقش الوضع الذي يعيشه العرب المهاجرون في أوروبا ومعاناتهم من العنصرية والتهميش ومشاعر كراهية من خلال خطاب سينمائي ذي طاقة ترميزية عالية، وهو الأمر الذي يثير جدلا واسعا في تلك الأوساط خصوصا في السنوات الأخيرة حيث كثرت المشاكل والمواقف الإستفزازية التي تكشف عن الغام مكبوتة يعيشها الطرفان اللذان يفترض أن يكونا في حالة من الإندماج كما تحاول وسائل الإعلام أن تشيع ، خصوصا أن قوانين الدول الأوروبية تحمي المهاجر وتمنحه إمتيازات لتحسين صورتها في نظر العالم في مجال حقوق الإنسان وإحترام الآخر، لكن يبدو أن الحال غير ما نظن، فالصورة الوردية التي رسمها المهاجرون الهاربون من قمع حكومات بلدانهم بدأت تتلاشى، وبدأ الإنبهار يزول و"ذهبت السكرة وعادت الفكرة" كما يقال، وربما إستقرار بعض هؤلاء المهاجرين في هذه الدول وإكتسابهم لجنسياتها، وإطلاعهم على تجاربها في مجال حرية التعبير، ومنهم المخرج جمال أمين المقيم في الدنمارك "انتقل قبل شهور الى لندن"، شجعهم على وضع النقاط على الحروف ومناقشة هذه المشكلة بجرأة، خصوصا أن إنتاج هذا الفيلم "اللقالق" سبق حادث مقتل المصرية مروة الشربيني على يد الماني معبأ بمشاعر الكره ضد المهاجرين، ليدق المخرج جرس الإنذار مؤكدا أن القضية أخطر مما نتصور، وينبغي أخذها بجدية، والإنتباه لها، والحد منها من خلال مناقشتها عبر أعمال سينمائية ومسرحية وبقية وسائل التعبير المختلفة.
ومنها فيلم "اللقالق" حيث طرحها من خلال ثيمة صغيرة وموقف عابر بنى عليه المخرج الذي قدم عدة أفلام قصيرة كان آخرها فيلم "فايروس" فمن خلال لقاء جرى بين العربي من الجيل الثاني من المهاجرين "محمد" -ودلالة الإسم واضحة- والدنماركية ماريا حيث انهما كانا زميلا دراسة خلال مرحلة الطفولة حيث البراءة المطلقة التي لاتنظر للإنسان من زاوية الأصول التي ينحدر منها ولا الفوارق الطبقية ولا الشكلية ولا الإجتماعية وحينما يلتقيان يتحدثان عما هما عليه الآن فماريا أصبحت معلمة ومحمد منخرط في دورة لتعلم الجزارة، ومن خلال عباراته نفهم إنه يعيش حالة إضطراب "أنا أنتقلُ من كورس دراسي الى آخر، ومن مهنة الى أخرى. صاحب العمل الأخير الذي كنتُ أعمل معه كان بشعًا معي. لقد تركتُ العمل والآن أعمل جزارًا، ولكني لازلت أحلم بأن أصبح طيارًا. على أية حال أنا أفكر دائمًا ماذا عساي أن أفعل في المستقبل القريب؟".
بينما ماريا مستقرة وسعيدة، خطان بعيدان عن بعضهما البعض يجمعهما جسر ضيق، دلالة على الظرف الصعب الذي يعيشه العالم اليوم، يلتقيان فوقه، بعد عناق يؤكد أن الشاب يتخلق بأخلاق الأوروبيين متماشيا مع سلوكياتهم، وبعد أن يتبادلا حديثا قصيرا تأتي طفلة تقود دراجة وتتجه صوب محمد فتصيب قدمه، فيتألم وبردة فعل غاضبة يشتم الطفلة، فما كان من الطفلة الا أن تشتم محمد بكلمات عنصرية : "دخلاء قذرون" و"عليك اللعنة" فيرد عليها باللغة العربية "حقيرة!" في إشارة الى أن الإنسان في ساعات الغضب يعود الى جذوره وثقافته الأولى لكن ماريا لم تكن محايدة أو تحاول فك النزاع وتطييب الخواطر، كما نفعل نحن، بل تقف في صف الصبية بدعوى إنها طفلة، ومحمد ينتمي الى ثقافة تسيء، بإعتقادها معاملة الأطفال، فتنتقل دائرة الخلاف من محمد والصبية الى محمد وماريا، وهو خلاف أكبر لأنه يعكس خواء علاقة زمالة طويلة، وأول بوادر الخلاف إنها تطلب منه أن يعتذر للصبية، وحين تراه يتألم تسأله "هل تؤلمكَ ساقك أم ماذا؟ أنت تعرج، هل أنت بخير؟". فيجيبها "إنها تؤلمني، لكن ليس مثل كلامكِ الذي يؤلمني أكثر!" وبدلا من مساعدته تقول له :"أنتَ تفكر بطريقة خاطئة من اليمين الى اليسار، هكذا كنت تفكر مذ كنتَ طفلا صغيرًا! "فيرد عليها بسرعة: "وأنت تفكرين من اليسار الى اليمين!" فتخاطبه بقوة "أنتَ شخص عنيف" و تعزو عنفه الى تعامل والده العنيف معه، حيث كان يضربه في طفولته، ولم يجد محمد ما يهاجمها سوى تذكيرها بزوج أمها الذي كان يتحرّش بها بين أوانٍ.
ويستمر السجال بين الإثنين فتقول له "أنتم عنيفون مع الأطفال" أو "ماذا تفعلون هنا، عودوا من حيث أتيتم!" ثم تكبر المشكلة فيصفها بالمريضة، العنصرية. وتصفه بالدخيل المنبوذ وهنا ترتفع عدسة الكاميرا تدريجيًا بين أغصان الأشجار العالية التي تأوي أعشاش الطيور المهاجرة، فعين الفنان ترتفع عن الخلافات التي تبدو للناظر إنها صغيرة وعابرة لكنها عميقة ويمكن أن توصل الى نتائج مأساوية كالتي حصلت مع مروة الشربيني، ويبقى المكان الجديد الذي تحصل فوق ظهره كل هذه التفاصيل الموجعة هو بالنهاية عش جميل للقالق التي تتصف بالذكاء والفِطنة. وكما يقول الكاتب عدنان حسين أحمد الذي قام بترجمة حوارات الفيلم للغة العربية وهو الآخر يقيم في أوروبا منذ سنوات "المهاجرون، عموماً يتصفون بتلك الفطنة، أو لنَقُل بالحِراك الذهني الذي يدفعهم لركوب المخاطر، وتحمّل أعباء المجازفات العظيمة التي يقومون بها. يمتلك اللقلق عينان رائعتان نفّاذتان تساعدانه على الرؤية الممتازة في أثناء الطيران. ومعروف أيضًا أن اللقالق لا تضل الطريق لأنها تعرف جيدًا الهدف الذي تروم الوصول اليه. ولابد لنا في هذه المقاربة النقدية أن نرحِّل صفات الذكاء، وحدَّة البصر، وقوّة الإحساس بالاتجاه من هذا الطير المسكون بهاجس الهجرة الأبدية الى الانسان المهاجر الذي يتحدى الصعاب بُغية الخلاص بجِلْده من القمع أو ضيق ذات اليد أو لأسباب أخرى ذاتية قد يكون لها علاقة بالبحث عن تحقيق المجد الشخصي عبر الدراسة أو فرص العمل التي قد تتوفر في هذا البلد المُستقبِل للمهاجرين أو ذاك.
وقد أراد المخرج أن يأتي بمثال بسيط قياسا للكثير من عمليات القتل التي يواجهها العرب المقيمون في أوروبا وهذا لايعني انهم على حق على طول الخط، فلهم أخطاؤهم ومشاكلهم.
شخصيا لم أحبذ الصبغة التراجيدية التي غلفت الفيلم لكن المخرج أكد لي إن العنصريه قد بلغت اوجها في الكثير من دول اوروبا وخاصة الدنمارك التي يسيطر على حكمها اليمين منذ حوالي العشر سنوات، مشهد بسيط لكنه يعبرعن مشكلة كبيرة يعيشها المهاجرون الذين قذفتهم ظروف بلدانهم ليسيحوا في الأرض والمشكلة تبدو أعمق حينما ينتمي محمد الى الجيل الثاني من المهاجرين الذي يفترض أن يكون قد حقق نوعا من الإندماج في الواقع الجديد لكن البون يظل شاسعا وأرضية التفاهم غائبة أسوة بغياب لغة التفاهم المشتركة في هذه المجتمعات فهؤلاء ولدوا في دول المهجر والمفروض ان يكون هناك نجاح واندماج كبير او لنقل استقبال كبير لهم لانهم تربوا وعاشوا مع ابناء نفس البلد وعاداتهم وتقاليدهم وهي تقريبا متوائمة مع ابناء البلد لكن نرى العكس.
وقد أبدع المخرج الذي كثف رؤيته بفيلم مدته أقل من خمس دقائق لكنه إستخدم كل لقطة لتعبر عن هذه الرؤية بإختزال شديد فالفيلم يبدأ بخطوات تتقدم للأمام الأولى تبدو واثقة تضرب الأرض بقوة والثانية تبدو تائهة قلقة وحينما ترتفع الكاميرا يتضح أن الخطوات الاولى كانت لماريا الدنماركية "روزا ميشلسن" والثانية لمحمد "الذي أدى دوره العراقي سركون اوشانا" وكان وجهه غير حليق معبرا عن دواخله الممزقة وعدم حصوله على عمل يتناسب مع قدراته وذكائه لأنه مهاجر ومع ذلك يحلم بأن يكون طيارا ربما مثل اللقلق الذي لا يظهر في الفيلم بل يكتفي بصوته في بداية الفيلم تعميقا للدلالة ، بينما كانت ماريا سعيدة بعملها كمعلمة أطفال وقد حصلت عليه بسهولة لأنها من سكان البلاد الأصليين، كل هذا يتضح من خلال لقطات سريعة ثم نفهمها من خلال الحوار الذي يدور بينهما، ثم يبرع في إستخدام الألوان عندما يتحول الفيلم تدريجيا الى اللونين الابيض والأ سود كلما تتصاعد الأزمة بين محمد وماريا لترسم دلالات سايكولوجية في ذهن المتلقي وكذلك يبدأ الصوت يتغير مع الصورة ليستخدم المخرج كل أدواته لأجل إثراء الدلالات وتعميق المشاهد وإيصال الرسالة بشكل مختزل لتظهر العناوين المكتوبة على لوحة سوداء مصحوبة بأغنية حزينة تعكس حال المهاجر الذي كان كاللقلق لكنه أصبح مجرد "عشبة صغيرة في جبل ثلجي".