القوة في حملة الانتخابات العراقية

ثمة اعتقادات خاطئة واوهام تترسخ يوماً بعد يوم لدي متعاطي السياسة في العراق حول القوة السياسية ومعاييرها، خاصة لدى مسؤولي الأحزاب الحاكمة رافعة اللافتة "الشيعية" أو "السنية" وغيرها من القوى والجماعات الطائفية الناشئة بعد الاحتلال. فبالاضافة إلى أن أيا من الطائفتين السنية والشيعية لم تمنح أي حزب سياسي تمثيلها، فالأحزاب التي تدعي تمثيلها للعرب السنة لم تشكل قوة سياسية ذات أثر في الحياة السياسية قبل الاحتلال، كما ان الأحزاب الشيعية لم تكن في أية لحظة من لحظات تاريخها السياسي قوية، بل ظلت دائماً معزولة طريدة استمدت حياتها من ارتمائها في احضان دول الاقليم ومخابراتها خصوصاً ايران وسوريا اللتين استخدمتا تلك الأحزاب ورقة ضد نظام صدام مثلما كان ذلك النظام يفعل مع معارضي أنظمتهم. لقد استخدمت طهران مجلس الحكيم وحزب الدعوة في حربها ضد العراق ووضعتهما كدعامة عراقية أيديولوجية لخدمة مخططها الاستراتيجي التوسعي في الهيمنة على العراق وجعله قاعدة انطلاق لاحداث اختراق كبير في الهياكل السياسية للأنظمة العربية وخاصة دول الخليج العربي.
وقد توفرت فرصة تاريخية فريدة أمام طهران لتحقيق هذا الحلم حينما عزز لوبي اليمين الأميركي المتطرف في ادارة بوش والمدعوم من اسرائيل نشاطه بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وترجم مشروعه عبر الاحتلال العسكري لاسقاط نظام صدام والمجيء بسلطة ضعيفة منزوعة الجيش مخنثة تغرق ولسنوات طويلة في الصراعات الاثنية والعرقية مقابل منح تلك الأحزاب المتغلفة بالدين والمذهب السلطة ومغانمها. ورفض ذلك اللوبي الأميركي جميع محاولات المعارضة العراقية التي كانت تهدف إلى تغيير نظام صدام وفق أساليب التغيير التقليدية في العالم العربي (الانقلاب العسكري) ومثال ذلك مشروع حركة الوفاق (أياد علاوي) رغم صلته الحميمة بالمخابرات الأميركية، وغيرها من محاولات التآمر التي لم تحسب على الطوائفية السياسية. ولم تكن المعلومات المتداولة حول التنسيق الأميركي الايراني في الشأن العراقي أوهاماً، فالدلائل اللاحقة في تأهيل حزبي الدعوة والحكيم للحكم في بغداد، عبر مشروع الاحتلال الأميركي أكدت ذلك. ومع ان توافق المصالح بين طهران وواشنطن في ملفي العراق وافغانستان منذ عام 2003 ظل ما بين مد وجزر، لكن الأهم من كل ذلك هو تمكين حزبي الدعوة والحكيم من الهيمنة على السلطة.
وقد أدى الاميركيون تلك المهمة بصورة لم يحلم بها الحزبان المذكوران اللذان وجدا إلى جانب جماعات طائفية أخرى ومن بينها من كان يحسب نفسه ضمن التيار الليبرالي العلماني، ان عليها البدء بمشروع تثبيت سلطة الحكم وفق "المحاصصات الطائفية" عبر منح فتات تلك الهيمنة لبعض المحسوبين على الضلع "العربي السني" لا أكثر، رغم تعقيدات هذا الضلع وخلفياته الفكرية والسياسية لافتقاده للمرجعية المذهبية واهتمام غالبية اوساطه بنظام حكم ليبرالي ديمقراطي يضع الاستبداد والفردية في الخلف. كانت الدعاوي المتداولة المحرفة للتاريخ والفاتحة لانقسام رهيب بين العراقيين تقول "على العرب السنة الذين حكموا العراق لأثنين وثمانين عاماً أن يصبحوا اليوم بعيداً عن الحكم" وأجهضت جميع المحاولات لتغيير قواعد نظام الحكم في العراق بعد 2003 من الطائفية إلى نظام حكم وطني يستوعب القوى السياسية العراقية الناهضة. بل استثمرت الأحزاب الطائفية أوضاع الاحتلال العسكري العسكري وانفلات العاطفة الجماعية وسخرت مليشياتها المسلحة لاشاعة الموت الجماعي واستخدام اسم مرجعية السيد السيستاني لتغييب أية قوة سياسية منافسة لمشروعها الطائفي ومن ثم كسب انتخابات 2005 بالتزوير، وبعد ذلك في تهجير أكثر من أربعة ملايين عراقي عامي 2006 و2007 خارج الوطن لتنظيف الطريق أمام حلقات مشروعها الطائفي اللاحقة. وشرعنة الانقسام وزرع الالغام في الدستور. كان أمام تلك الأحزاب - لو أردت - فرصة تاريخية وفق تحالفاتها الهشة فيما بينها أو مع القيادات الكردية ذات المصالح الخاصة لكي تقدم للمواطنين العراقيين مكاسب جدية تؤكد من خلالها مدى صدقية انتمائها لمصالح الناس وحاجاتهم في الأمن والخدمات الانسانية. ولتثبت مدي قوتها السياسية الحقيقية.
الا أن بيئة السلطة ودخول أطرافها في مخنق صراع المصالح الحزبية والمغانم والفساد المالي قد أبعدها كلياً عن قضايا المواطنين، وبذلك فقدت تلك الأحزاب الطائفية أية امكانية لبناء قوة سياسية ذاتية حقيقية خارج اطار قوة السلطة والبطش وهي قوة زائفة لا تخلف سوى العزلة والنقمة الشعبية. ومع ذلك لم تجد تلك الأحزاب مخرجاً لأزمتها سوى ارتهانها مجدداً لسياسة المحاصصة واللعب على تبادل المصالح والمكاسب مع القيادات الكردية في ملفات ذات حساسية وطنية كبيرة كملفات كركوك ووحدة العراق ومغانم الثروة النفطية، والقبول في مشروع تعريض الكيان العراقي لمخاطر التفتيت والتمزق والغرق في ازمات متوالدة ناتجة عن تضارب المصالح الضيقة سواء في صياغة أطر النظام السياسي وغياب هويته التاريخية الحقيقية أو في ارتباك الأدوات السياسية لتمرير تلك المصالح الخاصة.
ومع ذلك فالتغيير الجدي في البيئة السياسية العراقية الذي حصل خلال العامين الأخيرين هو انكشاف الرصيد الجماهيري للأحزاب الطائفية داخل طائفتها، وضح ذلك في انتخابات مجالس المحافظات عام 2009، مما منح فرصة جديدة للأحزاب والكتل عابرة الطوائف لكي تأخذ مكانتها الطبيعية في الساحة رغم المشكلات التي تواجها في توحيد صفوفها أو فيما تتعرض اليه من حملة تشويه مبرمج تقوده السلطة وأحزابها أمنياً وسياسياً سواء بوسمها بتهم "الارهاب" أو "البعثيين" وغير ذلك.
ووجدت تلك الأحزاب الطائفية انها أمام مآزق كبيرة تهدد مكانة القوة المكتسبة من الاميركيين اذا ما رحلوا عن العراق، أو حصول تبدلات لوجستية لدي الايرانيين مما يهدد وجودها، أمام حالة نهوض وطني جديد يسقط من أيدي تلك الاحزاب رهانها السابق في صمت غالبية الأوساط الوطنية ومقاطعتها للانتخابات الأولى عام 2005. كما اكتشفت عبر مراجعاتها الداخلية ان خياراتها في الحفاظ على هيمنتها السلطوية قد تتعرض إلى مخاطر الانهيار خصوصاً بعد تعرض تحالفاتها الطائفية إلى التفكك، مما اضطرها إلى ترتيب برامجها وتصعيد نشاطها الانتخابي الحالي وفق الاصرار على بقاء ذات الأطر والترتيبات والحيثيات الطائفية، ومنع أية محاولات تعديلية في جزئيات النظم الانتخابية رغم بقائها ملبية لحاجاتها، والرضوخ لتأمين مغانم القيادة الكردية في شرعنة حالة التمدد الجغرافي لترسيخ كيان كردستان وتوفير أفضل الفرص لقيام دولتها.
ورغم ما يشاع حول قوة السلطة والمال السياسي في حملة الانتخابات الحالية، ومع انها حقيقة لا تنكر، لكن هذين العنصرين لا يشكلان عاملي انتصار حقيقيين، فالانجاز في الظرف العراقي الحالي هو العنصر والقوة الحاسمة في كسب الجمهور. ومثال نظام صدام ليس بعيداً حين استند في قوته على امكانيات دولة كبيرة راسخة بجيشها وأمنها وأجهزتها الحزبية (المليونية المسلحة) لكنها لم توقف الانهيار الذي أحدثته "عاصفة الصحراء" كانون الثاني/يناير 1991 بعد غزوه الكويت وقبل أن تزيحه الدبابات والصواريخ الأميركية في نيسان/أبريل 2003. وفي ظل مناخ الانتخابات الحالية يبدو من يحاول تسويق معايير قوة المال السياسي كمن يداوي جرحاً بدفنه في شبكة من الفيروسات القاتلة. وتحولت لعبة المال السياسي إلى ورقة ضغوط متقابلة ما بين طرفي المشروعين الطائفي وغير الطائفي.. دعاة المشروع الوطني يتذمرون وفي احيان يشعرون بالاحباط الذي يشكل نقطة الغلبة الأولى لدى دعاة المشروع الطائفي. أما أصحاب المشروع الطائفي فيحاولون كسب ورقة "المال السياسي" عبر رميها في ساحة قوى المشروع الوطني وباتهامات مجحفة من بينها التطاول باتهام البلدان العربية الشقيقة للعراق بضخها المليارات في انتخابات العراق وهي لعبة مزدوجة تستهدف تبرير المال السياسي لتلك الأحزاب، وتحقيق حلقات الحملة المسعورة لتعزيز عزلة العراق العربية.
ان ما نشاهده من مظاهر في البيئة الانتخابية الحالية لا يعبر عن الحقيقة.. صحيح ثمة اختلال في توازن حجوم القوى السياسية، وهناك سعي محموم من قبل القوي الموصوفة بالكبيرة للحفاظ على حجومها، في المقابل تسعى القوى اللاطائفية لترصين أطرافها وبناء حجومها رغم الارباكات الكثيرة التي تواجهها بسبب تشتتها وعدم توحد برامجها. وفي ظل هذا المشهد الغامض، لا شك ان هناك سعيا لتعطيل أية محاولات للفرز ما بين الطائفي وغير الطائفي.. القوى الطائفية تشتغل في حملتها الطائفية على برنامج فيه الكثير من المغالطات والأوهام، لكنها افتقدت عناصر مهمة ساعدتها على الفوز عام 2005، من أهمها: فشلها هذه المرة في استثمار الهبة العاطفية المغلفة بالمذهبية التي قسمت المجتمع العراقي، واحتمال تراجع الاميركيين عن تقديم غطاء لوجستي للتزوير، اضافة إلى استحقاقات مرحلة الحكم السابقة في الفشل الذريع بالانجاز الأمني والخدمي وغرق السلطة بالفساد المالي والاداري. وثمة قائمة واسعة من الاستحقاقات السياسية والوطنية لم تستجب اليها أحزاب السلطة، مما يجعلها عناصر قوة هائلة بيد الخصوم السياسيين من دعاة المشروع الوطني اللاطائفي.
ان الاختلال المظهري في توازن القوى يجب ألا يقود المؤمنين بقضية وطنهم للاحباط اذا ما توفرت لديهم وسائل النشاط الجماهيري الاعلامية والسياسية، وهي أدوات بالامكان توفيرها وبمستويات لا بأس بها. ان عنصر الثقة بالنفس ليس مطلباً خيالياً، فالرؤية الشاملة للمشهد العراقي تؤكد انحسار المد السياسي الطائفي لصالح المشروع الوطني العراقي اذا ما أحسن استخدام الوسائل المتاحة وفي مقدمتها الثقة بالنفس واليقين بأن من تلطخت أياديه بدماء العراقيين وسرق ممتلكاتهم الخاصة وهجرهم من وطنهم ونهب ثروتهم الوطنية لن تنفعه الأموال في كسب ولاء الناس حتى وان قبل بعض البسطاء الفقراء تلك الأموال فسيعطي في اللحظة المناسبة صوته لمن يمثل أماله. فالقوة الحقيقية هي في صدقية الشعارات ونزاهة أصحابها وعلو شأنهم في ضمير أبناء العراق. د. ماجد احمد السامرائي