البحرين: الملتقى الاعلامي في اطار الاصلاح!

كان "ملتقى الاعلام العربي الاول" الذي استضافته المنامة فرصة للتأكد من ان في مملكة البحرين مكان لكثير من التواضع ولكن هناك ايضا مكان لكثير من الطموح في منطقة اقل ما يمكن ان يوصف الوضع فيها بأنه في غاية التعقيد. لا يعني التواضع في اي شكل التخلي عن الجرأة في التصدي للمشاكل المطروحة على الصعيدين الداخلي والاقليمي، بما في ذلك السعي الدؤوب الى بناء البلد على اسس متينة تقوم على تنويع الاقتصاد والسير في الاصلاحات السياسية الى النهاية بغض النظر عن العراقيل التي تواجه التجربة التي تمر بها المملكة، خصوصا في السنوات العشر الاخيرة بعدما تولى زمام القيادة الملك حمد بن عيسى ال خليفة.
كان التواضع الذي يعكس مقدارا كبيرا من الرغبة في تنمية الثروة البشرية، في بلد يعرف حدود امكاناته وأهمية موقعه، واضحا طوال جلسات "ملتقى قادة الاعلى". اظهر الملتقى الذي رعاه رئيس الوزراء الامير خليفة بن سلمان ال خليفة ان البحرين مصممة على تخطي الحواجز التي تحول دون بناء دولة عصرية ايا تكن الصعوبات. وبدت الخطوة الاولى في هذا المجال الكلام الصريح عن الواقع العربي وعن التحديات التي تواجه الاعلام وعن اهمية الحرية. كان ملفتا في الجلسة الاولى لـ "الملتقى الاعلامي" الذي يعود الفضل في تأسيسه الى الزميل ماضي الخميس، التركيز على الحرية. لعب الزميل ماضي دورا اساسيا عبر الملتقى في جمع اكبر عدد من الصحافيين القادرين على المساهمة في تطوير المهنة على الصعيد العربي. كان هناك ممثلون لقطاعات اعلامية حكومية في دول خليجية وغير خليجية طالبوا بهامش اكبر من الحرية. كان هناك ادراك لمدى اهمية التكنولوجيا وتمكن العالم العربي من التعاطي مع الثورة التكنولوجية واستيعابها وتوظيف ما توفره من تسهيلات في خدمة الإعلام الحر بدل ان يكون مجرد عبد لها. وكان هناك في الوقت ذاته خوف لدى عدد لا باس من المشاركين في الملتقى من تأثير المال على الاعلام وتحكمه به. بدا ان هناك وعيا، او على الاصح بداية وعي، لخطورة الاعتقاد بان المال يمكن ان يصنع اعلاما، فتصبح هناك صحافة من دون صحافيين. وهذه حال بعض الصحف العربية الان. انها صحف تعتقد ان كمية الاعلانات التي فيها، وهي عائدة الى ارتفاع اسعار النفط في مرحلة معينة اساسا، تغني عن الاستعانة بصحافيين حقيقيين او عن التنبه الى اهمية العامل المهني في عمل الصحيفة، اي صحيفة. نبه غير مشارك في الملتقى الى اهمية الجانب المهني في العمل الصحافي ووجوب عدم ترك المال يؤثر على تحديد من هو صحافي ومن هو غير صحافي. وذهبت الجرأة بمشاركة في اللقاء الى الاشارة الى الدور الذي تلعبه بعض القنوات الفضائية في تشجيع ظاهرة التطرف في المجتمعات العربية. وحذرت حتى من ان بعض القنوات الدينية صارت "قنوات تسلية"!
كان مهما ان يستمع المشاركون في الملتقى الى السيد محمد بن عيسى وزير الخارجية المغربي السابق الذي رأس الجلسة الاولى من الملتقى. وبن عيسى المتمرس بالصحافة والإعلام، اذ بدا حياته المهنية صحافيا وإعلاميا، تحدث عن توازنات جديدة في العالم وكيف ان العولمة لم تنجح كما كان متوقعا بمعناها السياسي والاقتصادي مشيرا الى بروز قوى جديدة في العالم. اما الشيخة مي بنت محمد ال خليفة وزيرة الثقافة والإعلام والمهتمة بأدق التفاصيل التي تضمن النجاح الاعلامي والثقافي للبحرين، فقد حددت ما تطمح اليه المملكة من خلال استضافتها للملتقى. اوضحت ان الامر يندرج في اطار المشروع الاصلاحي للملك حمد بن عيسى "الذي ارسى دعائم راسخة للبناء والتحديث والانفتاح على العالم واحترام حرية الكلمة والنظرة الشاملة للأفق العربي والدولي مع مواكبة كل تقدّم ومساندة كل عمل عربي مشترك ودعم كل تقارب بين الدول والشعوب" مضيفة: "ان الانتصار لحرية الكلمة والرأي والتغيير مؤشر جوهري الى تعزيز فضاء الاتصال والحوار".
مهم ان يصدر مثل هذا الكلام عن وزير عربي للثقافة والإعلام. وما قد يكون اهم من ذلك، ان يترافق الكلام مع افعال توفر له صدقية. ففي البحرين صحف معارضة بالفعل مستعدة لتوجيه الانتقادات الحادة الى الحكومة. وهي انتقادات محقة احيانا كما انها من باب الافتراء في احيان اخرى.
بهدوء وتأن ومزيد من التواضع، تتابع البحرين تجربتها التي تشبه الى حد ما وفي بعض النواحي تجربة سلطنة عمان. ما هو مشترك بين سلطنة عمان ومملكة البحرين لا يقتصر على التواضع فحسب، بل على التهذيب والذوق في التعاطي مع الاخر ايضا. هناك شعب مهذب في البحرين كما في سلطنة عمان. وهناك في البحرين، التي انطلقت منها نهضة التعليم في المنطقة، سعي دؤوب الى المحافظة على التراث بعيدا عن المبالغات، حتى لا نقول عن قلة الذوق. ما يقوم به "مركز الشيخ ابراهيم بن محمد ال خليفة" يعطي فكرة عن اهمية عامل الذوق في المحافظة على التراث. انشأ المركز بيوتا تراثية عدة بينها بيت لتراث البحرين الصحافي وأخر للشعر وبيت للأطفال ومكتبة لهم ومركز للمعلومات. انه ادراك في العمق لدور الثقافة في محاربة الفكر الارهابي والتطرف الديني بكل اشكاله.
ليس سرا ان البحرين تواجه تحديات كثيرة، خصوصا ان اوساطا في ايران لا تتردد بين الحين والآخر في التذكير بمطامعها في المملكة مستندة الى قدرتها على اثارة الغرائز المذهبية. وليس سرا ايضا ان البحرين عرفت دائما كيف تواجه هذه التحديات الخطيرة من دون ان تفقد البوصلة التي تدل على الاتجاه الصحيح. الاتجاه الصحيح هو الاصلاحات والتعاطي مع ما يدور في العالم بكل ايجابية وتكريس الدور المالي للمنامة على صعيد المنطقة. يحصل كل ذلك بهدوء وكثير من التواضع بعيدا عن اي نوع من المبالغات. انها الوسطية كما تمارس في مملكة تعرف دائما ان عليها مواجهة تحديات من نوع خاص جدا عائدة الى تركيبتها الاجتماعية وموقعها الاستراتيجي وقلة الدراية العربية في ما هو مهم اقليميا في بعض الاحيان! خيرالله خيرالله