النرجسية تطبع حياة المشاهير

<b>بقلم: د.تيسير حسون</b>
أستحق الأفضل

لطالما شكلت أخبار المشاهير وعلاقاتهم، وأحياناً فضائحهم، مادة جذابة ومسلية في وجبات الصحف والمجلات وكذلك الانترنت، وأحياناً في المسابقات كمعلومات يتوجب على الشخص العادي معرفتها كجزء من "ثقافة" تميز عصرنا الحالي.

لكن ما يستغرب هو اهتمام الناس العاديين، الذين بالكاد يحصلون على خبزهم، بعلاقات المشاهير والتفاخر بتفاصيل علاقاتهم وأدق شؤونهم.

يبدو ذلك مفهوماً جزئياً، نظراً لطغيان الميديا في حياتنا وقدرتها على تشكيل اتجاهات الرأي العام، بل إقناع هؤلاء الناس بضرورة هذه المعلومات في حياتهم.

لكني هنا سأتحدث عن علاقات المشاهير من وجهة نظر نفسية، حيث يبدو لي أن ثمة خصوصية ما ترتبط بما نطلق عليه في الطب النفسي "النرجسية".

النرجسية هي سمة أو خصيصة شخصية تنطوي على رؤية الشخص لنفسه ككائن متفوق وأرفع مقاماً ومنزلة. وهذه الشخصية تأتي مع الإحساس بالتخويل أو التفويض "أستحق الأفضل"، أي الميل لوضع الذات أولاً والاستخفاف برغبات وحاجات الآخرين وفرط تقدير الذات.

أُجريت دراسات على المشاهير، وأظهرت مستويات عالية من السمات النرجسية أعلى مما لدى الناس الآخرين، وكان ذلك صحيحاً بالنسبة للنساء الشهيرات ولنجوم التلفزيون.

وهذه الدراسات لم تجد أن للنرجسية علاقة بالفترة الزمنية للشهرة، مما قد يعني بأن النرجسيين ينجذبون إلى أسلوب حياة المشاهير (وليس أن أسلوب حياة المشاهير يحول هؤلاء تدريجياً إلى نرجسيين.)

لكني أعتقد بأن حالة الشهرة تزيد من النرجسية أيضاً، وهذا ما أسميه "النرجسية الظرفية المكتسبة"، أي الإحساس المتضخم بالتخويل والتفوق الذي يأتي من كون الشخص مشهوراً.

غير أنه من المرجح أن يسير سهم الأسباب بالاتجاهين: النرجسيون يسعون بجهد ليصبحوا مشاهير، وأسلوب حياة المشاهير يزيد النرجسية.

وعليه، ماذا يعني افتراض أن لدى المشاهير مستويات أعلى من النرجسية بالنسبة لعلاقاتهم الرومانسية؟

بوجه عام النرجسية جيدة لبدء العلاقات.
فالنرجسيون يمكن أن يكونوا فاتنين وظرفاء ومثيرين وواثقين من الناحية الاجتماعية.

بيد أن النرجسية ليست جيدة بهذا القدر في العلاقات التي يخطط لها أن تبقى طويلاً.
فنحن نعرف من خلال كمية كبيرة من الأبحاث فضلاً عن الممارسة العيادية، بأن النرجسية تقود إلى طيف واسع من المشكلات في العلاقات بما في ذلك الخيانة والعبث والمادية وفرط السيطرة وعدم الأمان والإخلاص والنزاع وحتى ممارسة العنف.

ثمة مشكلة خاصة لدى النرجسيين وهي أنهم يميلون دوماً إلى رفع مرتبة شركائهم.
عند النرجسي العلاقة هي وسيلة لتمجيد وتعظيم الذات، فقد يرغب النرجسيون في التباهي بشركائهم، ولكن إذا ما ظهر شريك جديد، وخاصة إذا كان أكثر سحراً وجمالاً فإن النرجسي يستغويه مطاردة الشريك الجديد.

زيادة على ذلك، بالنسبة للنرجسي، المزيد بشكل عام أفضل.وبالتالي فإن الشركاء الجدد (حتى وإن لم يكونوا بالضرورة أفضل من الشريك الحالي) يمنحون أنا النرجسي دفعة أخرى وعلامة إضافية عن كونه شخص رائع.

وما يجعل خصيصة النرجسية أكثر ضرراً بالنسبة لعلاقات المشاهير هي أن هؤلاء محاطون على الدوام بشركاء متاحين.
فالمشاهير بشكل عام أكثر جاذبية وأعلى منزلة وأكثر غنى ويعيشون حياة أكثر إثارة من الناس العاديين، الذين يصطفون في طوابير لينخرطوا في علاقة رومانسية مع المشاهير.

في الأساس، أن تكون شهيراً فهذا يعني أن تعيش في بحر من الإغواء، وإذا ما صادف أنك من النمط الأكثر نرجسية، فإن لديك أرجحية كبرى لأن تشبك صنارتك مع شخص آخر غير شريكك.

وكونك من المشاهير يتسق مع التفكير بأنك كائن متفوق ومتميز.
عندما تقع "أنايين" متضخمتين في الحب، قد يكون أمراً عظيماً في البداية، لأنهما يحتفيان ببعضهما البعض.

ولكن عندما تتحول الأيام إلى أسابيع والأسابيع إلى أشهر وسنوات تبدأ العلاقة بطلب التواؤم والتسوية والتضحية الذاتية بين الحين والآخر، ويبدأ النرجسي بالبحث عن خيارات أخرى أكثر استهواء وجاذبية.

د.تيسير حسون: باحث وأخصائي في الطب النفسي