التقهقر يتمكن من السينما المصرية

القاهرة
تراجع قيمة الأفلام و'هليوبوليس' من الاستثناءات القليلة

ليس من الصعب أن يرى المتابع لمجمل ما قدمته السينما المصرية خلال العام 2009 أنها لم تقدم فيلما سينمائيا أقل ما يقال عنه أنه جيد الفكرة والموضوع والتنفيذ باستثناء فيلم "الفرح" وإلى حد ما "هليوبوليس"، وأن الأفلام التي يمكن ـبخلاف هذا الفيلم ـ أن تحمل بارقة أمل لعودة قوية لصناعة سينمائية متجاوزة كانت قليلة وينقص بعضها حنكة الخبرة في الرؤية الإخراجية والبناء الدرامي وكذا السيناريو مع تقديرنا لمخرجيها ومؤلفيها وكاتبي السيناريو، مثل فيلم "المسافر"، وفيلم "عصافير النيل"، وفيلم "هليوبوليس"، وفيلم "احكي يا شهرزاد"، وفيلم "دكان شحاته".
قدمت السينما المصرية خلال هذا العام 30 فيلما في تراجع واضح لما قدمته في العام 2008 حيث قدمت 50 فيلما، لكن هذا التراجع أصاب الكم، لكنه لم يصب الكيف، حيث استمرت الأفلام التجارية والكوميدية المبتذلة تستحوذ على مجمل هذا العدد من الأفلام.
ركزت جل الأفلام على العنف والجنس والهزل المبتذل، فجاءت أفلام "بوبوس"، "طير أنت"، "إبراهيم الأبيض"، "ابقى قابلني"، و"العالمي"، "المشتبه"، "الدكتاتور"، و"أمير البحار" وغيرها من الأفلام التي ربما حققت إيرادات لكنها سقطت سقوطا مروعا، لأسباب عدة منها صناعتها التي قامت على مجرد لفت نظر المتفرج سواء بالتهريج الهزلي والطنطنة دفعا للضحك، أو بالتعري أو الإيحاءات الجنسية أو الأكشن المستورد والعنف غير المبرر.
إن هناك تدنيا وابتذالا "فاحشا" للغة الحوار والسيناريو، بل أحيانا لا يوجد لغة ولا حوار ولا سيناريو وأن الأمر كله ارتجالا فجا كما هو الأمر في "بوبوس"، و"طير أنت"، و"أمير البحار" و"دكتور سيلكون" و "علقة موت"، حتى ليبدو الأمر مقصودا ومتعمدا، لقد عمد صناع هذه الأفلام إلى اللا فكرة، اللا موضوع، اللا رسالة في ظل عدم وجود تمثيل أو رؤية إخراجية، إلى إثارة الغريزة الجنسية عبر العري والإيحاءات والإشارات، وإلى الإيفيه لانتزاع الضحك من المتفرج انتزاعا.
إن الرواج الإعلامي الذي حققته أفلام مثل "احكي يا شهرزاد" أو "دكان شحاته" أو "بالألوان الطبيعية" الذي عرض أخيرا، أو "خلطة فوزية" لأن الأول عالج قضية نسائية من زاوية الجنس والعلاقات المشبوهة، والثاني لأنه يرمي إلى موضوع سياسي معجون بظواهر التطرف والعنف والجنس، والثالث للعبه على وتر الجنس، والرابع على المسألة الدينية المسيحية، وعلى الرغم من أنها أفلاما عالجت قضايا من الواقع المصري، لكن حين نبحث عن رؤية وتقنية على مستوى السيناريو والإحراج لا نجد شيئا جديدا، لذا لم تترك أثرا في المشاهد، إلا تلك المشاهد الجنسية سريعة الذوبان، ومع كامل احترامنا للآراء النقدية التي أشادت بالإخراج مثلا أو الرؤية البصرية، أو القصة والسيناريو، إن مشاهد فيلم "احكي يا شهرزاد" مثلا أقل قيمة تصويرا وإخراجا ولا ترقى لمستوى مشاهد مماثلة في أفلام مثل "الحرام"، أو "الكرنك"، أو "الراعي والنساء".
لماذا استثنياء فيلم "الفرح" من مجمل الـ30 فيلما لنرى فيه نموذجا قابلا للتطور وتقديم سينما مصرية محلية برؤية ولغة سينمائية عالمية، لأن فكرة الفيلم تقوم أزمة المواطن المصري في عمقه المهمش والمسكوت عنه، لتقدمه في إطار إنساني غير مفتعل، يستطيع أي مشاهد أن يتلقاه ويتجادل معه، نماذج تعيش بيننا تحلم وتطمح وتسعى، تحمل انعكاسات ما يجري في المجتمع المصري، الكاميرا تعمل على حضور الحس وحركة الوجه والجسم، لا بطولة لأحد الممثلين، الكل أبطال حتى الكومبارس الذين شاركوا في إقامة صوان الفرح، ولا يمكن أن ننكر أننا أمام لقطة حياتية رائعة، استطاع كاتبها ومخرجها وأبطالها تقديمها حية ومدهشة.
وكاد "هليوبوليس" يقارب الفرح لولا مشاكل السيناريو والإخراج التي جعلت من بنيته تنويعة على إيقاع واحد مكرر، يمكن أن تخرج من ربع الفيلم أو نصفه وتتأكد أنك شاهدته كله، ربما هناك قصدية وراء ذلك، أن لا جديد، لن يحدث شيء، لن ينجز شيء، لكن التكرار خلق ثباتا مملا دون تقديم بدائل.
على أية حال مضي عام وهناك عام قادم نأمل أن يسعى فيه صناع السينما في مصر إلى تقديم أفلام تحترم عقلية المشاهد ولا تستخف بوعيه وإداركه وقدرته على الفهم، أفلام تمتعه فنيا وتلعب دورا في صقل رؤيته للعالم من حوله.