2009 يحدث شرخاً في العلاقات الأوروبية الإسرائيلية

بروكسل ـ من نواب خان
عقاب جماعي

لم تكن العلاقات ودية كما جرت عليه العادة سابقاً بين اسرائيل والاتحاد الأوروبي في معظم الفترات التي شهدها عام 2009.
وقال مراقبون ان اللقطات التلفزيونية التي أظهرت وحشية الحرب التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة جعلت التعاطف المبني على أسباب تاريخية تجاه اسرائيل يتراجع في أذهان شعوب الاتحاد الأوروبي.
وشهدت العواصم الأوروبية مظاهرات حاشدة ضد الهجوم العسكري الاسرائيلي الذي أدى الى مصرع أكثر من 1300 فلسطيني بينهم عدد كبير من الأطفال فيما خرج بعض مسؤولي الاتحاد الاوروبي لادانة الحصار الاسرائيلي المفروض على غزة باعتباره "عقاباً جماعياً" ضد 1.5 مليون مدني يسكنون القطاع.
وذكر محللون هنا ان تصاعد السخط العام الأوروبي ضد الفظائع الاسرائيلية في قطاع غزة أدى الى تعليق الاتحاد الأوروبي تنفيذ اتفاق مقرر لرفع مستوى العلاقات مع اسرائيل.
وكان من المقرر أن يعقد الاتحاد الاوروبي واسرائيل قمة في براغ تحت الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي في مايو/أيار أو يونيو/حزيران الماضيين للاحتفال بتدشين الاتفاق الجديد لكنها ألغيت بسبب مقاومة عنيفة أبداها البعض داخل التكتل الذي يضم 27 دولة لا سيما من جانب مفوضة الاتحاد الأوروبي للعلاقات الخارجية بينيتا فيريرو فالدنر.
وقال دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي ان الحرب في غزة واستمرار بناء المستوطنات اليهودية والحصار على غزة جعلت من الصعب أن تمضي العلاقات بين اسرائيل والتكتل الأوروبي بالصورة المعتادة.
ويرى فريق آخر من المحللين أن الأثر العملي لتعليق تنفيذ اتفاق رفع مستوى العلاقات ربما لا يذكر لكن آثاره السياسية والرمزية قوية.
وأعرب البرلمان الأوروبي الذي يمثل شعوب أوروبا عن شعوره بالصدمة إزاء معاناة السكان المدنيين في غزة وندد بشدة بتعرض المدنيين وأهداف تابعة للأمم المتحدة للقصف خلال الهجمات العسكرية الاسرائيلية.
ودعا البرلمان الأوروبي اسرائيل الى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي والقانون الانساني الدولي فيما دعا حركة حماس الى وقف الهجمات الصاروخية التي تطلقها على اسرائيل.

ودعا عدد من الأعضاء اليساريين والليبراليين في البرلمان الأوروبي خلال جلسة نقاش دارت اخيراً حول الملف الفلسطيني الى اتخاذ تدابير لمعاقبة اسرائيل منها تعليق الاتحاد الأوروبي اتفاقية للشراكة وفرض رسوم على بضائع التصدير التي تأتي من المستوطنات اليهودية.
ودان النائب الايرلندي بروينسياس دي روسا عقب زيارة قام بها اخيراً الى الضفة الغربية المعاملة الاسرائيلية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة باعتبارها شكلا من أشكال "الفصل العنصري".
وأخذت العلاقات بين اسرائيل والسويد التي تحمل الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في التراجع بعدما نشرت أكبر صحيفة سويدية موضوعاً في أغسطس الماضي يكشف عن قيام القوات الاسرائيلية بسرقة الأعضاء البشرية من رجال فلسطينيين لقوا حتفهم داخل السجون الاسرائيلية.
وهاجمت اسرائيل بشدة الموضوع الصحافي لكن الحكومة السويدية رفضت دعوتها لاصدار ادانة رسمية للصحيفة وشدد وزير الخارجية السويدي كارل بيلت على أن حكومته تقف أمام ما سماه "حرية التعبير".
وشهدت العلاقات بين رئاسة الاتحاد الأوروبي واسرائيل مزيداً من التدهور بعدما أعدت السويد وثيقة تقترح على الدول الاعضاء بالتكتل الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية.
وشنت اسرائيل حملة دبلوماسية محمومة لردع الاتحاد الأوروبي عن تبني نهجه السياسي الجديدة تجاه القدس.
وتبنى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لهم في ديسمبر بيانا لم يدع الا الى اجراء مفاوضات حول الوضع النهائي لمدينة القدس يمكن أن تقود الى اعتبارها عاصمة للدولتين الاسرائيلية والدولة الفلسطينية المستقلة المستقبلية.
وعلق مفوض الاتحاد الاوروبى للعلاقات الخارجية السابق اللورد البريطاني كريس باتن على بيان التكتل الأوروبي قائلا انه لم يكن جيدا كما كان ينبغي.
وقال باتن في مقال نشرته صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية ان الاتحاد الأوروبي تصرف بشكل يبدو أنه جاء بناء على تعليمات من وزارة الخارجية الاسرائيلية مشيرا الى أن ايطاليا والمجر وجمهورية التشيك ورومانيا بذلت جهودا من أجل الحد من لهجة النص الأصلي للبيان.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي لم يعترف قط بضم اسرائيل للقدس الشرقية في عام 1967 لكنه أصدر بياناً هو الأول من نوعه يوصف بأنه صفعة كبيرة لاعلان اسرائيل أن القدس عاصمتها الابدية.

وانتقدت المنسقة الجديدة للسياسية الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون اسرائيل في خطابها الاول حول الشرق الاوسط أمام البرلمان الاوروبي في ديسمبر/كانون الثاني 2009.
وقالت اشتون "القدس الشرقية هي أرض محتلة مثلها مثل بقية مناطق الضفة الغربية والاتحاد الأوروبي يعارض هدم منازل السكان العرب وطردهم وبناء الجدار الفاصل".
كما ينعكس التحول في تفكير أوروبا أيضاً في دعم بعض دول الاتحاد الاوروبي ومنها السويد لتقرير غولدستون بشأن جرائم الحرب التي ارتكبت خلال الحرب الاسرائيلية في قطاع غزة.
وكان تقرير القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون أثار الكثير من الجدل عالميا لتضمنه جرائم ارتكبت خلال أول ممارسات اسرائيلية تخضع لتدقيق دولي.
وربما يكون أكبر تحول ملموس في العقلية الأوروبية تجاه اسرائيل يتجلى بعدما أصدرت محكمة بريطانية في ديسمبر/كانون الثاني أمراً بالقبض على وزيرة خارجية اسرائيل السابقة تسيبي ليفني على خلفية دعوى قضائية بشأن تورطها في ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
ورغم أن قرار المحكمة أدانه السياسيون الاسرائيليون والبريطانيون وقللت وسائل الاعلام الغربية من شأنه فان فريقاً من المحللين يرى أن مثل هذه الخطوة من جانب محكمة أوروبية ما كان يمكن تصورها قبل عقد من الزمان.
لكن جماعات حقوق الانسان وجهت من جانبها انتقادات لاذعة للاتحاد الاوروبي بسبب مواصلته "العمل بالشكل المعتاد مع اسرائيل".
وقالت الجماعات الحقوقية ان بروكسل وقعت في 2009 اتفاقاً للزراعة مع اسرائيل يسمح بموجبه بإعفاء 80 في المئة من المنتجات الزراعية الطازجة الاسرائيلية وأكثر من 95 في المئة من المنتجات الزراعية المعالجة الاسرائيلية من الجمارك والرسوم عند التصدير للاتحاد الأوروبي.
كما جرى وضع اللمسات النهائية تمهيداً لتوقيع اتفاقية تعاون بين هيئة الشرطة الأوروبية والاتحاد الأوروبي.
لكن المحللين يقولون انه رغم أن التطورات الأخيرة قد لا تترك أثراً يذكر على أرض الواقع لكنها تدل على ظهور صدع في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل.(كونا)