معن عاقل سجينا... أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟

- الاثنين 23/11/2009: الساعة تشير إلى السابعة والنصف، كان معن عاقل يضحك إلى حد القهقهة وهو يشاهد ذلك الطفل كيف يحاول بإصرار انتزاع "الكنزة" البرتقالية التي اشتراها توا لابنه نوار بمناسبة العيد وكيف يدافع نوار الذي يبلغ سنة ونصف فقط عن كنزته بضراوة، فرح زوجة معن كانت تحاول أن تفك الاشتباك بينما تنظر إلى معن المستغرق في ضحكته وهي تتمتم "الله يعطينا خير هالضحك". هاتف معن المحمول يكسر انسيابية المشهد الجميل يتوقف معن عن الضحك، انه السيد رئيس التحرير وهو يريد معن في مكتبه على وجه السرعة حاول معن التأجيل شارحا أنه يشتري ملابس العيد لابنه نوار لكن دون فائدة. ترجلت فرح ونوار من السيارة أمام باب منزل والدتها، طبع معن قبلته الأخيرة على جبين نوار وتوجه مسرعا إلى مبنى جريدة الثورة. ركن سيارته في المرآب، توجه إلى الطابق السابع حيث مكتب رئيس التحرير، على المقاعد الوثيرة أمام طاولة رئيس التحرير كان يتربع أفراد الدورية الأمنية الذين سارعوا إلى إفراغ كؤوس الشاي في جوفهم فور دخول معن إلى المكتب بعد أن كانوا قد شربوا القهوة العربية "قهوة أهلا وسهلا" وبعدها القهوة التركية، صافح الضابط رئيس التحرير شاكرا إياه على التعاون وحسن الضيافة.
- الثلاثاء 24/11/2009: قرار إداري يقضي بفصل الصحفي معن عاقل من جريدة الثورة، ترافق بإزالة جميع المواد الصحفية التي تخص معن عن الموقع الالكتروني للجريدة. وتعليمات مشددة إلى قسم المرآب تقضي بإخراج سيارة الصحفي معن عاقل على وجه السرعة وبكافة الوسائل الممكنة من حرم الجريدة.
- السبت 28/11/2009: المرصد السوري لحقوق الإنسان يعلن خبر اعتقال الصحفي معن عاقل.
- الخميس 3/12/2009: الصحفية بهية مارديني تنقل عن السيد نائب رئيس اتحاد الصحفيين - مدير تحرير جريدة الثورة مصطفى المقداد قوله: إن اعتقال الصحافي معن عاقل جاء على خلفية جنائية. وأن لا علاقة لأية مقالة كتبها عاقل باعتقاله.
- الأربعاء 9/12/2009: اتحاد الصحفيين يحجب الجائزة الثانية لفئة التحقيق بعد أن فاز فيها التحقيق الصحفي الذي أعده معن عاقل ونشر في جريدة الخبر السورية تحت عنوان "لاذقية العرب للعرب".
- السبت 2/1/2010: الصحفي معن عاقل لا يزال سجينا في أحد فروع إدارة أمن الدولة بدمشق - والذي للمفارقة لا يبعد إلا أمتار قليلة من مبنى جريدة الثورة - وذلك بسبب التحقيق الاستقصائي الذي كان يعده حول صناعة الدواء في سوريا. كل شيء في هذا الملف كان يستوجب اعتقال الصحفي معن عاقل، بداية من الموضوع مرورا بالأداة وصولا إلى النتائج.
فالموضوع - صناعة الدواء في سوريا - وإن كان أكثر من عادي وطبيعي بالمعايير الصحفية فهو بامتياز موضوع استثنائي بمعايير الخطوط الحمراء السورية لأنه باختصار "موضوع رأي عام" يمس كل مواطن سوري، ولا يجوز أبدا للصحفيين في سوريا أن يسهموا في صناعة الرأي العام. فتلك ليست وظيفة الصحفيين في سوريا.
والأداة التي اعتمدها معن في إنتاج ملفه لا تقل إشكالية عن الموضوع لأنها باختصار أيضا "تحقيق استقصائي" فهذه الأداة الصحفية التي دخلت حديثا إلى الصحافة السورية عبر الأصدقاء في شبكة أريج ما برحت تقض مضاجع مؤسسة الفساد الوطني، خصوصا بعد النجاحات المذهلة التي حققها الصحفيون السوريون من خلالها "ورغم قانون الطوارئ" (كما كان يحب أن يوّصف القضية الزميل معن عاقل).
والنتائج التي توصل إليها معن في تحقيقه الاستقصائي عن صناعة الدواء في سوريا يبدوا أنها باختصار تندرج ضمن إطار "المخفي أعظم" وهنا أستند على ما كتبته الزميلة امال الرحبي في مقالتها "كفوا الحديث عن معن عاقل" فهي والزميل معن عاقل أكثر من يعلم عن هذه النتائج، لذلك اقتبس من مقالها الآتي "وليس بالإمكان هنا ذكر تفاصيل سعى عاقل إلى التحقق منها هددّت مصالح البعض ممن أطلقوا على أنفسهم مافيا الدواء وقراصنته."
وبعيدا عن الأخطاء التي ارتكبها الزميل معن عاقل أثناء إعداده للتحقيق الاستقصائي بحسب ما نوهت الزميلة امال الرحبي في مقالتها ذاتها حين قالت "وننوه.. لسنا هنا للدفاع عن عاقل الذي نصّر أنه أخطأ في أكثر من موقع.. " - والتي ربما لم يكن ليرتكبها معن لو كان في سوريا قانون يحمي حق الصحفي في الحصول على المعلومات - بعيدا عن هذه الأخطاء وبعيدا عن التفاصيل وبعيدا عن توظيف قضية الصحفي معن عاقل في "البروظة والاستعراض" نقول:
نعم أخطئ الصحفي والمواطن السوري معن عاقل... أيما أخطاء:
أخطأ معن حين صدق، كما صدقنا، وكما صدق الكثيرون... أنه رغم قانون الطوارئ من الممكن إحداث فرق ايجابي في الحياة السورية عندما يتعلق الموضوع بالمصلحة الوطنية بفضائها الواسع بعيدا عن منطق الثأر والمصالح الضيقة وأنه الوقت الأنسب للأخذ بزمام المبادرة والمشاركة على أرض الواقع بعيدا عن التنظير، وكل من موقعه وكل حسب طاقته.
أخطأ معن حين صدق، كما صدقنا، وكما صدق الكثيرون... أن محاربة الفساد في سوريا أصبحت إستراتيجية الضرورة الوطنية على كافة المستويات وبلا حدود لأسباب سياسية واقتصادية، داخلية وخارجية. وأنها ستفرز شقوقا في الأدوات والتحالفات الكلاسيكية للفساد يمكن النفاذ منها وبأن البنى الحكومية والأمنية السورية لا بد ستنخرط فيها ولو من باب المحافظة على نفوذها السياسي دون أن نتخيل ضغط المكاسب المالية المهولة.
أخطأ معن حين صدق، كما صدقنا، وكما صدق الكثيرون... أن مشروع الإصلاح والتغيير في سوريا امتلك ما يكفي من الحوامل الذاتية والموضعية حتى يقف على قدميه ويبدأ بالخطو نحو الأمام وإن ببطء خصوصا بعد النجاح المبهر في الخروج من عنق الزجاجة إقليميا ودوليا وأنه أصبح جاهزا لاستقبال المساهمين المستقلين.
واليوم أيها السادة أباطرة الفساد الوطني في سوريا...
بعد أن اعترفنا لكم بأخطائنا جملة وتفصيلا.. أما كان من الممكن أن تجدوا طريقة أخرى لكي تجعلونا ندرك فيها كم نحن خطاؤون دون إذلال الصحفيين السوريين وتمريغ أنف مهنة الصحافة في القذارة من خلال الطريقة التي تم فيها اعتقال زميلنا الصحفي معن عاقل وكل ما رافق اعتقاله إلى يومنا هذا. أما كان من الممكن أن تحافظوا على مكاسبكم المالية دون تعميق جراحنا النازفة.
أيها السادة هنيئا لكم، أنجزت المهمة بنجاح، قتلتم فينا روح المواطنة.. ألا يكفيكم هذا! أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟ مازن درويش