نتائج باردة لانتخابات في مناطق عربية ساخنة

ربما يفسر استمرار النخب الحاكمة لسنوات طويلة دليلا على الاستقرار الذي تسعى إليه الدول والحكومات بهدف إيجاد بيئة ملائمة للتنمية وجذب الاستثمار. يعتبر ذلك صحيحا عندما يتم التجديد للنخبة الحاكمة عبر آليات طبيعية وانتخابات شعبية شفافة. لكن الأمر يختلف عندما يكون الاستمرار في الحكم نتيجة الاستخدام المفرط للقوة أو التلاعب بالرأي العام، ومنع التعبير عن المصالح الاجتماعية الحقيقية. وعند ذلك ينبغي الحديث عن أزمة تداول السلطة أو أزمة التداول على السلطة. وتعبر الأزمة عن إخفاق النظام في القيام بوظائفه، ما يؤدي إلى تفاقم التناقضات والنزاعات، واحتدام للصراعات العلنية أو الدفينة وراء الاستقرار الشكلي. وبقدر ما يصبح العنف المقنع أو المعلن الوسيلة الوحيدة للخروج من أزمة لا تسمح الطرق القانونية بالخروج منها، يذهب جميع أطراف النظام إلى تطوير التقنيات والآليات الموازية وغير الشفافة للسياسة، التي تعبر بشكل أو بآخر عن استمرار السياسة المحرمة سياسيا بوسائل أخرى غير طبيعية وغير سياسية وبالتالي غير عقلانية. ومن هذه البدائل الأسواق السوداء لسياسة النزعات الطائفية والعشائرية والدينية. فهذه هي الطريق الوحيدة التي تستطيع القوى الاجتماعية من خلالها أن تفرض دورها، وتضمن حضورها السياسي، واستمرارها في عالم الصراع الدموي، بهدف الحفاظ على النفوذ والبقاء في السلطة.
هكذا يحول الاستمرار في الحكم بالقوة أو استمرار حكم القوة الصراع الاجتماعي من صراع على تداول السلطة والمسؤولية إلى حرب مواقع ونفوذ داخل الفضاء الاجتماعي، يسعى من خلالها الطرف الحاكم إلى تأكيد حضوره ليس عن طريق ما يحققه من إنجازات للمجتمع، فهذا ممنوع عليه بسبب انشغاله بالحرب، ولكن من خلال انتصاره على الخصم. وبالمثل لا تستطيع المعارضة أو القوى المحرومة أن تعبِّر عن نفسها وتتجاوز تهميشها إلا من خلال ما يمكن أن تسببه من مشاكل، وتحمله من تهديدات للنظام. وهو ما يمكن أن نلحظه أيضا في مستوى العلاقات الدولية التي تسيطر عليها اليوم القوة الأميركية تجاه الأطراف الأخرى المهمشة أو التي تريد تهميشها.
وإذا كان هذا التوصيف ينطبق على حال دولنا العربية بخصائصها العامة، فإنه ينطبق أيضا وبشكل أكثر قسوة في بعض الساحات العربية الملتهبة،حيث يُستثمر أكثر من عامل في تهميش مطالب سياسية واجتماعية هي من ابسط حقوق الإنسان كالانتخابات وتداول السلطة في النظام السياسي عبر الأطر الدستورية والشرعية.
والمفارقة أن بعض هذه الساحات شهدت مطالبات لافتة بتعديلات دستورية وانتخابية بهدف إجراء انتخابات شفافة إن كانت تشريعية أو رئاسية، فاليمن شهد إجراء تعديلات على قانونه المتعلق بالانتخابات العامة والاستفتاء، أما السودان فقد اعتمدت مفوضية الدستور نظام انتخابي مختلط يمنح المرأة ربع الأصوات في البرلمان، وفي العراق كانت مطالبات من نواب ونائبات لصياغة قانون انتخابي جديد بعيد عن المحاصصة الطائفية والعرقية،وفي لبنان الأمر عينه مع بعض الاختلافات البسيطة، أما في فلسطين فالأمر ليس مختلفا بالمطلق، ورغم ذلك لم تجرى الانتخابات التشريعية في أيا من هذه الدول سوى في لبنان رغم خصوصيتها وارتباطاتها بجوانب كثيرة ومتنوعة.
ففي السودان تبادلت الأحزاب السياسية الاتهامات بالتلاعب واسع النطاق في الآليات الانتخابية ذلك في أول انتخابات تتسم بالتعددية الحزبية التي ستشهدها البلاد منذ 24 عاما والمقررة في ابريل/نيسان 2010 .في وقت ظهرت أدلة واضحة على فراق متزايد بين الحزبين الرئيسيين في الائتلاف الحكومي السوداني واللذين كانا خاضا حربا أهلية استمرت عشرين عاما وانتهت بإبرام اتفاق للسلام عام 2005 .ورغم ذلك الحراك الداخلي بأدوات انتخابية يبدو أن إجرائها مرتبط بشكل أساسي بتداعيات أزمة دارفور، وربما تصل الأمور إلى اعتبارها استفتاءً على قضاياها في حال حصلت في موعدها المفترض.
وفي الوقت الذي كان اليمنيون يستعدون للاحتفال بمرور ستة عشر عاماً على إجراء أول انتخابات برلمانية في 27 نيسان/أبريل 1993، وهو الاحتفال الذي بدا مفرغاً من مضمونه بعد أن اتفق فرقاء العمل السياسي على تأجيل رابع انتخابات تشريعية مفترضة، كان مقرراً إجراؤها في 27 نيسان/ابريل 2009، والتمديد عامين إضافيين لمجلس النواب الحالي، الذي تسيطر عليه غالبية الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام)، بواقع 241 مقعداً من أصل 301 مقعد.
وفي هذا الموعد الذي يسميه اليمنيون "يوم الديموقراطية"، لم يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع كما كان مقرراً قانونياً ودستورياً، لأن إشكالات ومعوقات كثيرة وقفت في وجه التجربة الديموقراطية الناشئة في البلد، فحرمت المواطن اليمني هذا الحق، وشكلت في الوقت ذاته أزمة سياسية حادة أفضت بدورها إلى اتفاق التأجيل بين الأحزاب السياسية في نهاية شباط/فبراير، ترجمه مجلس النواب بالتصويت على تعديل المادة (65) من الدستور بحيث تتيح تمريره حتى 27 نيسان/ابريل 2011.علاوة على ذلك فإن الأحداث الجارية بين السلطة والحوثيين تشكل مناسبة إضافية لتأجيل الانتخابات حتى في موعدها المرحّل أصلا.
وفي فلسطين، حيث أسباب الأزمة مزدوجة،الخلافات الفلسطينية الداخلية، وتداعيات السياسات الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية وشعبها وفصائلها.ففي انتخابات 2006 التي أجريت بإشراف ومراقبة دولية أميركية أوروبية لم تفعل فعلها الديموقراطي ذو الوجه الغربي بسبب فوز حركة حماس بالغالبية البرلمانية،وبدلا من أن تكون هذه السابقة في الحياة السياسية الفلسطينية نمطا يحتذى به،باتت نتائجها وبالا على السلطة والشعب وأثرت بشكل سلبي على مجريات ممارسة السلطة وآلياتها،وكانت أولى ضحاياها تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية وترحيلها أيضا إلى مواقيت ربما لن تحصل.
وفي العراق حيث أنجز مجلس النواب القانون الانتخابي بعد مصاعب كثيرة، رُحِّلت الانتخابات التشريعية أيضا بقرار من المجلس الرئاسي إلى السادس من آذار/مارس 2010. وكان نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي قد اعترض على القانون قبل التعديل الأخير بداعي بعض الملاحظات التي تطال آلية الانتخابات لجهة تمثيل المهجرين في الداخل والخارج الذي حددها القانون بـ 5% من أعضاء البرلمان البالغ عددهم 320 عضوا،ما يشكل نسبة هزيلة مقارنة بأعدادهم البالغة أربعة ملايين من بينهم مليون عراقي يحق له الاقتراع والموزعين في غير بلد من العالم. وبصرف النظر عما إذا كانت ستجرى الانتخابات أم لا في موعدها المقرر، فإن كثيرا من القضايا العراقية الهامة مرتبط بنتائجها وبتداعياتها، ومنها إعادة الانتشار الأمريكي والقضايا الأمنية ذات الصلة، علاوة على القضايا الاقتصادية ومنها النقط المغلف بالاتفاقية الأمنية.
أما لبنان الذي يعتبر ساحة الديموقراطية الأبرز في المنطقة العربية، فالانتخابات التشريعية التي جرت في حزيران 2009، ارتبطت بالعديد من الملفات الداخلية والخارجية، وجاءت نتائجها بخلاف ما هو متوقع لجهة الأحجام بين مختلف أطياف الشعب اللبناني. وإذا كانت الانتخابات التشريعية اللبنانية خالفت مثيلاتها بين البلدان العربية لجهة انجازها وعدم ترحيلها،فإن تداعياتها المباشرة وغير المباشرة أعادت تكريس سوابق لبنانية كثيرة لجهة إعادة إنتاج الزعامات المذهبية والطائفية نفسها،وأتت بنتائج معلبة لا تختلف بالمضمون مع أية انتخابات عربية أخرى.
ثمة مفارقات غريبة تحيط بالأمة العربية وبتطبيق نظمه الانتخابية حيث وجدت، والمفارقة الأبرز تكمن في تأجيج الصراعات الداخلية إما لترحيل الانتخابات إلى مواعيد لا تأتي في الغالب، وإما لإجرائها بعد التأكد من تداعيات الصراعات الداخلية على نتائجها لهذا الطرف أو ذاك،وفي كلا الحالين تكون الانتخابات بمثابة مصادرة الرأي العام واتجاهاته الحقيقية بأدوات وآليات ظاهرها دستوري شرعي وباطنها تسووي وقهري.
فالتدقيق في السلوك السياسي للقيادات السياسية العربية وبخاصة في الساحات الملتهبة سياسيا وأمنيا، تبرز العديد من المظاهر أهمها:
- أن لا دستور وقوانين تحكم العلاقة الواجب إتباعها بين الحاكمين والمحكومين، وجل ما يظهر محاولات خجولة للإيهام بأن متغيرات قد حصلت من وراء انتخابات يفترض أنها تمّت بأدوات وآليات شرعية.
- ثمة عداوة واضحة في الذاكرة الجماعية للنخب الحاكمة وبين مبدأ تداول السلطة. فثمة دساتير وقوانين تنظم العمليات الانتخابية بدقة لا تضاهيها أرقى النظم الديموقراطية، إلا أن إجرائها أو التلاعب فيها مرتبط بذهنية النخب الحاكمة، ومن السهل أن تجد مسؤولين منتخبين لمدى الحياة وكأن القاعدة باتت أن النظم الرئاسية الديموقراطية هي ملكية توارثية حتى ولو لبست لبوس الانتخابات الشعبية، وكل ما يخالفها هو استثناء عارض.
- والظاهرة اللافتة حديثا ظهور ما يسمى بديموقراطية الرقابة الأجنبية للانتخابات، حيث باتت موضة رائجة في معظم العمليات الانتخابية العربية، إذ باتت تشكل غطاءً ممتازا لنتائج متوقعة أو غير متوقعة، واللافت أيضا أن النتائج إذا ما أتت بما لا تشتهي سفن السلطة سرعان ما تتنصل منها وتخلق الذرائع والمبررات لعدم الالتزام بها.
نفتقد الكثير، كما يلزمنا الكثير الكثير لنمارس ابسط حقوقنا في بلداننا العربية، ولا يستقيم الوضع إلا بجملة إجراءات سياسية اجتماعية ودستورية قانونية من بينها:
- التشديد على أهمية ظاهرة التوسّع في إجراء الانتخابات وضرورة استمرارها، بصرف النظر عمّا يحيط بها من شوائب ونواقص وانتهاكات.
- وجوب خلق بيئة سياسية وأمنية واجتماعية مواتية، تسمح بحرية الرأي والتنظيم والاجتماع، بيئة تقوم على التعددية السياسية والفكرية.
- وجوب أن تكفل التشريعات والسياسات المتبعة، حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام باعتبارها تجسيدا لحق شعوبنا في المعرفة، وتوطئة لتعزيز قدرتها على المشاركة الفاعلة.
- وجوب احترام القواعد الدستورية الأساسية والأعراف والتقاليد المتصلة بالفصل بين السلطات، وتعزيز سلطة القضاء واستقلاليته وضمان نزاهته، تجسيدا لسيادة القانون والمساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص بينهم.
- التأكيد على مركزية مفهوم المواطنة كمصدر أساس للحقوق والواجبات.
- ضرورة رفع قبضة الأجهزة الأمنية عن الحياة العامة، وإفساح المجال أمام المجتمع المدني للقيام بدوره، وتعزيز دور الأحزاب السياسية.
- وجوب إبلاء قوانين الانتخابات أهمية كبيرة باعتباره حجر الأساس هيكلية قوانين العمل الوطني والسياسي العام، وباعتباره الوسيلة لتجديد النخب السياسية وإعادة تجديدها، ومدخلا للتداول على السلطة بين الأقلية والأغلبية البرلمانية.
- اعتماد أنظمة انتخابية تكفل أوسع مشاركة وأفضل تمثيل للشعب، أنظمة تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين.
- إنشاء مفوضيات لجان وطنية مركزية مستقلة للانتخابات، تشرف عليها من ألفها إلى يائها، على أن تتمتع بالنزاهة والحيدة والاستقلالية، وأن تكون لها الصلاحيات الكامل لقمع المخالفة ووقف المخالفين.
- تنظيم عمليات الرقابة المحلية، وتعزيز دور القضاء الإشرافي على الانتخابات.
وعلى أمل أن يأتي العام 2010 الذي ازدحم بوعود الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية، لا يأمل المواطن العربي إلا أن يعزي نفسه بالقول، كل انتخابات ونحن وانتم بخير. د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com