بلاك ووتر، تأريخ سري

امتشق كتّاب الاحتراف اقلامهم وقرروا أن يشعلوا من جديد حروب البسوس ضد شركة بلاك ووتر الأميركية للأمن بعد أنّ برأت محكمة أميركية عناصر هذه الشركة من جريمة قتل سبعة عشر عراقيا في ببغداد.
ستغضب اشارتي في افتتاح مقالي الى هذه الواقعة وما سوف ينتج عنها الكتّاب المحترفين الذين اقتضت وطنيتهم وحسهم القومي أن يبقوا اقلامهم مشرعة ابدا للدفاع عن قضايا الوطن المظلوم، لكنني ادعوهم للوقوف برهة معي ومع القراء (وهم يواجهون باستسلام مطلق حملات التجهيل اليومية) كما تقف العرب على الطلل لتنسرب الكلمات بعدها في وصف الحبيبة والتغزل بها.
فاذا كان افراد الشركة الاميركية قد قتلوا 17 عراقيا في ساحة النسور ببغداد في 17 ايلول/سبتمبر 2007 بدم بارد، فإن هؤلاء القتلة يستحقون بلا شك عقابا يتناسب مع حجم الجريمة، لكن لابد ان نسأل من قتل ملايين العراقيين قبل الاحتلال الاميركي وقبل سلطة حزب البعث بقرون طويلة؟ تأريخ دام كان الدم هو الغالب على مشاهد تأريخ العراق منذ عصر خلافة الراشدين، وقد شهدت أرض الرافدين في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ملاحم كبرى منها حرب الجمل، ثم تبعتها حرب صفين التي فجرها خلاف الامام علي مع بعض جيشه (وهم الخوارج) وقد خرجوا عن ارادته وقبلوا ما ذهب اليه ابن العاص من تحكيم القرآن. وقتل اولئك العراقيون تينك العراقيين، وهنا لابد أن يستوضح من يبتغي الحقيقة، ما هي جنسية اولئك القتلة؟
الثابت لمن يقرأ التأريخ أنّ اولئك القتلة كانوا من قبائل أسد وطي وتغلب وتميم في جلّهم، وبما أنّ هذه القبائل كانت مسيحية قبل الاسلام، فالثابت ايضا أنهم قد اخفوا ايمانهم بالمسيحية واظهروا الايمان بالإسلام، من هنا سنصل بلا جهد يذكر- والبحث في تأريخ بلادنا لا يختص بكثير جهد- الى أنّ أخلاف اولئك القتلة الذين ابطنوا النصرانية هم اجداد بعض المهاجرين الى الولايات المتحدة ومنهم قد تحدر عدد كبير من أجداد المتطوعين الى شركة بلاك ووتر الامنية، ولو تسنى للباحث أن يخضع منتسبي هذه الشركة الى فحوص الحامض النووي (دي إن أي) لبانت بوضوح خطوط المؤامرة ولتكشف أن اجداد قتلة ساحة النسور هم نفسهم من قتلوا العراقيين في الحروب والفتن التي رافقت ظهور الاسلام وأعقبته! تأريخ دموي قريب وقد يسأل من عاش تأريخ العراق ومن يقرأه: من قتل ملايين العراقيين منذ عام 1963 حتى عام 2003؟
والجواب بسيط :القاتل هو حزب البعث الذي حكم العراق بين التأريخين المذكورين، لكن للسؤال بقية، ما جنسية أولئك القتلة؟ هل كانوا اميركيين؟ أم بريطانيين - باعتبار أن أبو ناجي (الاسم الحركي للانجليز باللهجة العراقية) مسؤول عن كل مصائب العراق كما يقول قدماء الساسة في هذا البلد؟
يقول بعض البعثيين في اعترفات متلفزة- لا أحد يعلم كيف انتزعت منهم في عهد حليف البعث اللدود عبدالسلام عارف- إن حزب البعث قد وصل الى الحكم في العراق بقطار اميركي يقوده "دريول" أي سائق بريطاني؟ اذا هم عراقيون تديرهم ارادة انغلو - اميركية (حسب تعبير أدبيات القوميين العرب)، ولكنهم يتنفسون من خلال رئة انجلو اميركية، فلا بأس اذا من اضافتهم الى المجرمين من شركة بلاك ووتر، ليرتفع عدد المتهمين من خمسة الى نحو اربعة او خمسة ملايين، وفي هذا خدمة للحقيقة في بلد تتوارى فيه الحقيقة منذ قيام الخلافة الاسلامية.
قبل البعثيين قتل الاف الشيوعيين العراقيين في عام 1959 اربعة من القوميين العرب في الموصل وعلقوهم على اعمدة الكهرباء أمام بيوتهم وهم يدعون الزعيم عبد الكريم قاسم الى اعدام المزيد بهتافهم المدوي (إعدم! إعدم!).
وبثت اذاعة صوت العرب من القاهرة انذاك خبرا عن قيام الشيوعيين الكفرة باعتقال المناضلة البعثية المجاهدة حسنة ملص واغتصابها وانتزاع اعترافات منها! ولو بحثنا قليلا في أصول اولئك القتلة لوصلنا بلا شك الى أنهم يتحدرون من سلالة صينية ملحدة هاجر اجدادها الى الولايات المتحدة والتحقوا بتنظيمات شركة بلاك ووتر السرية. العراق الجديد ولو تأملنا المشهد بعد سقوط البعث المدوي في 9 نيسان 2003، فسنجد قوى مهمة في الساحة السياسية تبنت قتل العراقيين كأسلوب أمثل للوصول الى السلطة ولحل الخلافات السياسية، وقد طوّرت هذه القوى ميلشيات مسلحة تتلقى دعما ماليا وتسليحيا من مختلف الجهات وتنتهج اسلوب التصفية الطائفية والقتل على الهوية، وبلغ نشاط هذه الميلشيات أوجه في عامي 2006 و2007 فصار قتل العراقيين مسألة يومية يتولاها عناصر هذه المليشيات.
والمرء يتساءل هنا ألم تظهر هذه القوى في ظل الأحتلال الإنغلو- اميركي للعراق؟ والجواب مثبت بالتأكيد، وتأسيسا عليه فللمحلل النبيه أن يستنتج بسهولة (وهذا من باب القياس الذي تقره أغلب مدارس الفقه) أنّ هؤلاء القتلة الذين أدموا البلاد منذ عام 2003 هم صناعة اميركية، وهم بلا شك عناصر مندسة من شركة بلاك ووتر يريدون أن يقضوا على السلالة العراقية ليتاح لهم الانفراد بغنيمة النفط العراقي (لا سيما وإن أي شركة اميركية لم تحظ بعقود لتطوير حقول النفط وتقاسم الكعكة العراقية حسب تعبير ادبيات القوميين والاسلاميين واليساريين وغيرهم)!
من هنا يمكن لاولياء دم العراقيين الذين قتلوا طيلة سنوات "الاحتلال" الانغلو- اميركي في مناطق الشعلة ومدينة الصدر وحي السلام ومدينة الحرية والغزالية وحي الجامعة وحي الخضراء وشارع حيفا (معقل المجاهدين الذي سكنه سابقا اشقياء بغداد الأشرار!) وفي ناحية تازة وداقوق وحي البعث بكركوك وتلعفر في الموصل وحي الجهاد في البصرة وحي الوحدة في الكوت وناحية المدائن جنوب بغداد وغيرها، يمكن لهؤلاء أن يرفعوا دعاواهم الى محكمة الجنايات الخاصة لتقاضي منتسبي شركة بلاك ووتر الاميركية وقد تجاوز عددهم بعد توزيع الاتهامات بعدالة 10 ملايين عراقي من أصول اميركية وبالعكس! الجزاء العادل وإذا قررت المحكمة مجازاة كل فرد بغرامة مقدرها الف دولار فإن اولياء الضحايا سيحصلون على مبلغ يفوق 10 مليارات دولار، وهو مبلغ سيؤمن لهم حياة حرة كريمة تغنيهم عن الحاجة وعن رواتب ذوي الشهداء الهزيلة التي تصرفها الدولة العراقية منذ عهد صدام حتى اليوم (وبالمناسبة نسأل ذوي الاختصاص، هل تختص صفة الشهداء بمن قتلوا في حروب صدام، أم تشمل من قتلوا ويقتلون على ايدي شركة بلاك ووتر وشركائها العراقيين بملايينهم العشرة؟)
وسيكون من العدل المتطابق مع أصول الشريعة أن تقضي المحكمة بإعدام القتلة بعد استيفاء الدية منهم لتشفي بذلك قلوب أسر الضحايا، وفي هذا ستتحقق أكثر من غاية:
• سيقضي العراقيون على اخطبوط شركة بلاك ووتر وقد ثبت أن عددهم يبلغ 10 ملايين شخص.
• سيضمن العراقيون أن المستفيدين من عائدات نفط العراق قد قلّ عددهم وسيكون سهم العراقي الواحد بذلك مساويا لسهم القطري من نفط بلاده.
• سيضمن العراقيون أنّ اميركا التي أسقطت نظام صدام حسين طمعا في نفط العراق لن تحصل على برميل نفط واحد بعد اليوم حيث ان شركة بلاك ووتر هي الوحيدة التي تخوض معركة النفط مع وزارة النفط العراقية.
• ستنطفي بذلك نيران الفتنة الطائفية التي اشعلها اسلاف واحفاد شركة بلاك ووتر.
• ستنتهي مشكلة الفلوجة ويرتاح أهلها من نار الثأر التي تتقد في دواخلهم بعد ان سحلوا واحرقوا وعلقوا 4 من عناصر شركة بلاك ووتر عام 2004 دفعوا ثمنها 3 الاف قتيل ودمار مدينتهم بالكامل.
• ستنتهي مشكلات العراق مع جيرانه، لأن هؤلاء الجيران ما دأبوا متخوفين من نشاط ونفوذ شركة بلاك ووتر، ويعتبرون القضاء عليها من اولويات أمنهم القومي والوطني.
• ستنتهي الى الأبد مشكلة حزب البعث بعد أن ثبت بالدليل القاطع أنّ البعث هو من تنظيمات شركة بلاك ووتر- خصوصا أن أفراد هذه الشركة يستخدمون بنادق كلاشنكوف في نشاطهم الاجرامي وهذا هو السلاح المفضّل للبعثيين.
• ستنفتح للعراق بوابة التعاون مع الحليفة القديمة الاصيلة روسيا، حيث يمكن الاستفادة من خدمات شركات الأمن الروسية لتتولى حماية المسؤولين العراقيين بعد انسحاب آخر جندي اميركي من العراق في عام 2011. ملهم الملائكة
بون