قانون كولونيالي هزلي: نقفل قنواتكم...و'الحرة' في خدمتكم!

هل يحق للعربي أن يقول عبر قنواته الفضائية ان احتلال العراق الموصوف في ادبيات الامم المتحدة جدير بالمقاومة؟ وهل يحق له ان يقول ان اميركا تسلح وتدعم الكيان الصهيوني المتوحش وتحميه من العقاب في المؤسسات الدولية؟ وهل يحق للمسلم أن يصرخ الما في افغانستان عندما تقصف الطائرات الاميركية بدون طيار عرسا او تجمعا قبليا حول مائدة طعام جماعية وان ينتفض ضد قاصفيه؟ وهل يحق للعربي ان يعبر عن غضبه عندما يبرئ القضاء الاميركي قتلة "بلاك ووتر" من جريمة موصوفة بحق مدنيين عراقيين؟ عن هذه الاسئلة وغيرها يقول مجلس النواب الاميركي في قرار اقترع عليه أواخر العام الفائت ان ليس من حقنا ان نعبر بهذه الطريقة لان هذا النوع من التعبير هو "تحريض" على كره اميركا ودعوة للقتال ضدها ومساهمة في تبرير "الارهاب". لذا يوصي القرار بمعاقبة قمري "عرب سات" و"نايل سات" لاستضافة قنوات فضائية تقول هذا الكلام وترفع لواء المقاومة ومن بينها "المنار" و"الاقصى" و"القدس " و"الزوراء" و"الرافدين"...والبقية تأتي من بعد .
ولنفترض ان القرار حظي بموافقة مجلس الشيوخ وبمباركة الرئيس اوباما وبالتالي تم اقفال القنوات المذكورة فما الذي تريد ان تسمعه الولايات المتحدة في وسائل اعلامنا؟ اغلب الظن ان نردد ما يقوله الناطقون باسمها. ففي العراق يجب الحديث عن "الديموقراطية" التي جلبها الاحتلال ودعم الفريق السياسي المحلي المتعاون معه ووصف المقاومة العراقية بـ "الارهابية" ومباركة الاتفاقيات التي فرضتها واشنطن على الدمى المحليين في كافة المجالات. اما تدمير الدولة العراقية وتخريب الاقتصاد وقتل اكثر من مليون عراقي فهو من اثر "صدام حسين" الذي تسبب بالاحتلال وبالتالي هو يتحمل مسؤولية تفكيك البلاد وتخريب الاقتصاد ونهب النفط و قتل مليون عراقي وتشريد ستة ملايين وليس الاميركي الذي خرب ونهب وشرد وقتل. وفي فلسطين سيكون علينا ان نبارك ما يسمى بـ "السلام" ونقف طوابير لا متناهية خلف الرئيس محمود عباس ونصفق لاقفال المعابر مع قطاع غزة وندين التيار الفلسطيني المقاوم ونرضى بالاستيطان وبالتطبيع ونحمد "تسامح" اميركا وكرمها وعطفها وننشر قيمها ونمط حياتها ونوافق على شروط اسرائيل في كل مجال. وفي لبنان علينا ان نرضى بالتهديد الاسرائيلي وان نقبل بما يريده الكيان من مياهنا واراضينا وان نجرد المقاومين من اسلحتهم ونعلي من شأن مناهضيهم. وفي افغانستان علينا ان نسكت على قصف الاعراس والمجالس المدنية ونعتبر ان "القاعدة" هي المسؤولة عن اهراق دماء الضحايا وليس من قصفهم. وفي السياق علينا ان نردد ما تقوله واشنطن عن ايران وبرنامجها النووي الذي يشكل وحده خطرا على السلام العالمي والا نتحدث عن القنابل النووية الاسرائيلية لان اسرائيل "دولة ديموقراطية" وإيران " دولة ديكتاتورية".. هكذا يكون التعبير الحر وكل تعبير مناقض يكون تحريضيا ومدافعا عن الارهاب ومعاديا للولايات المتحدة ومصالحها وبالتالي يستحق العقاب والمنع.
لا ادري إن كان ممثلو الشعب الاميركي قد درسوا مشروع القرار كفاية قبل ان يقره مجلسهم فهو يلحق ضررا معنويا ما بعده ضرر بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين وذلك للاسباب التالية:
اولا: لانه يعكس فشلا أميركيا وغربيا ذريعا في معركة الرأي العام في الشرق الاوسط ويسعى لقهر حجة المقاومة والممانعة بالقوة العارية وليس بالقول.وإذ يبدو على هذه الصورة فانه يزيد الاحتلال ضعفا ويزيد منطق المقاومة قوة وبالتالي يسير في الاتجاه المعاكس للغرض الذي يسعى اليه.
ثانيا: أن منع الفضائيات المذكورة من البث يلحق اذى كبيرا بالاعلام الغربي الناطق بالعربية الذي سيعتبر بعد المنع شقيقا للاعلام الرسمي العربي. هذا ينطق باسم السلطة المحلية المكروهة وذاك ينطق باسم السلطة الاوحد في العالم وكلاهما سيبدو غير جدير بالنطق بأسم الرأي العام العربي.
ثالثا: اذا ما وقع المنع فمن غير المستبعد ان يلجأ المعنيون الى التعبير بوسائل اخرى وسيجدون الوسائل الملائمة في عصر الفضاءات المفتوحة وثورة الاتصالات وستكون هذه الوسائل مؤثرة اكثر من تلك الممنوعة لانها ستظهر بصورة الضحية في مواجهة الجلاد وكل ما تنطق به الضحية يكون مقدسا وغير خاضع للجدل فالضحية لا تخطيء والجلاد مدان بالتعريف ولو نطق بكل الكتب السماوية على مدار اليوم.
رابعا: ان منع القنوات المذكورة سيلحق أذى لا يعوض بمنظومة القيم الاميركية والغربية بكاملها وليس فقط بالتعبير وحرية الاعلام وتدفق المعلومات فعندما يلجأ اصحاب هذه القيم الى منع الاخر من التعبير عن رأيه فكانهم يقولون ان قيمهم ليست جذابة بحد ذاتها وليست قوية وصالحة الا عندما تلغي خصومها.
يبقى ان اخطر ما في هذا المشروع هو محاولة الضغط على الجهات العربية المعنية بالاقمار الاصطناعية لكي تدمر القنوات المذكورة بالنيابة عن واشنطن وان فعلت فهي تخطو خطوة اخرى نحو الهاوية وان لم تفعل يقرعها حماتها ويطلقون العنان لمعارضيها.
كان جورج بوش يقول ان المقاومين في العالم العربي يخافون من الافكار الاميركية الحرة لذا يحاربونها ويبدو انه كان مقتنعا بجاذبية ودينامية هذه الافكار الى حد انه لم يرتكب حماقة فرضها بالقوة الغبية فاذا بمجلس النواب الذي خلفه يخاطبنا بقانون يقول بطريقة غير مباشرة: اقفلوا "المنار" و"الاقصى" و"الرافدين" ... وقناة "الحرة" الاميركية في خدمتكم! بكلام آخر يقول لنا القانون انتم غير جديرين بالتعبير الحر ونحن نعبر عنكم. انها صيغة "كولونيالية" هرمة تشي بتعرض اصحابها لمرض فقدان الذاكرة.او "الامبراطورية" الشائخة إذ تحكي" انتفاخا صورة الاسد". فيصل جلول