الموقع السياسي للطائفة الشيعة في لبنان

للطائفة الشيعية في لبنان، حكاية مختلفة عن باقي الطوائف التي ارتضت العيش في كنف الدولة، يعود ذلك للعديد من الأسباب المرتبطة بوضع الطائفة الشيعية نفسها، أو لعلاقاتها مع باقي الطوائف. وعلى الرغم من اشتراك بعض الطوائف فيما بينها ببعض الخصائص، إلا أنَّ للطائفة الشيعية وضعاً خاصاً في معرض المقارنة أو المقاربة بين وضعها ما قبل اتفاق الطائف وبعده.
وبالعودة إلى الأسباب الحقيقية والمباشرة للأحداث التي مرَّ بها لبنان، يتبيّن أن من ابرز أسبابها الداخلية تكمن في الحرمان المزمن لمناطق الأطراف وضواحي بيروت، إضافة إلى الخلل القائم بين القوى السياسية والطائفية المكوِّنة للسلطة آنذاك. وقد شعر أبناء هذه المناطق التي طغى عليها التواجد الشيعي بالغبن والحرمان والتهميش، وأسهم هذا الوضع في تأجيج أفكار التغيير في محاولة للخروج من هذا الوضع المأساوي؛ ومن الصعب تجاهل حقيقة أنَّ الجماهير الشيعية وجدت بداية أحزاب الحركة الوطنية وفصائل المقاومة الفلسطينية مجالا للتعبير عن حالة الرفض والاعتراض على الوضع القائم ولو تحت شعارات متنوعة لا تعبر بالضرورة عن مطالبها المباشرة.
وفي ظل وضع لا تُحسد عليه جماعة أو طائفة في أي نظام سياسي، ظهرت حركة الإمام المغيب السيد موسى الصدر بخطابها الفكري والعقائدي والسياسي، ليعبّر عن منطلقات مغايرة لما هو سائد، انطلق من حاضر مأزوم إلى مستقبل واعد، على قاعدة رفع الغبن والحرمان في لبنان، وبكلام آخر كان خطاباً عابراً للطوائف متوجها لكل المحرومين في لبنان بصرف النظر عن دينهم أو مذهبهم. فكانت شعارات وبرامج الإنماء والتوازن في السلطة، مدخلا لبناء دولة تؤمن بحقوق مواطنيها. إضافة إلى ذلك، لقد أعطى الأمام الصدر بُعداً إضافياً للصراع مع اسرائيل، واعتبرها "شر مطلق والتعامل معها حرام". ومن خلال هذين المبدأين، عرف الأمام الصدر ما يطمح إليه أبناء الطائفة الشيعية، بناء الدولة العادلة التي تحفظ حقوق أبنائها، وإعادة التوازن في إطار شرعية الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية أولا، وتأكيد الانتماء العربي ومفاعيله لجهة متطلبات الصراع العربي - الإسرائيلي ثانيا.
لقد شكّلت هذه البيئة، المنطلق الأساس للطائفة الشيعية في بناء منظومتها السياسية والاجتماعية، كما كانت قاعدة انطلاق لمرحلة انتقالية كانت بدورها داعما رئيسا لموقع الطائفة بمختلف مكونتها، إلى عهد الجمهورية الثانية الذي كان اتفاق الطائف احد مكوناتها الدستورية والسياسية.
طبعا، لقد دفعت الطائفة الشيعية أثماناً كبيرة، لحجز حيّز سياسي لها بين باقي الطوائف والجماعات السياسية في التركيبة السياسية للدولة اللبنانية، ويظهر ذلك من خلال العديد من البرامج والمشاريع التي كان لقياداتها السياسية دور بارز فيها في مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، من خلال مشاركتها الفعالة في مؤتمرات الحوار الوطني التي انعقدت في لبنان وخارجه، لا سيما مؤتمر لوزان على سبيل المثل لا الحصر، ومن بعدها ما تمَّ التوصل إليه في الاتفاق الثلاثي عام 1985. أولا: دور الطائفة الشيعية في الصراع العربي الإسرائيلي إن المنطلقات العقائدية الدينية والفكرية والسياسية في الذاكرة الجماعية لأبناء الطائفة الشيعية، علاوة على التوزيع الديموغرافي، جعلها موئلا لانطلاق شعلة المقاومة عبر أفواج حركة أمل، فكانت الحاضن الذي رفد كل ما يتطلبه الصراع مع اسرائيل من رجال ومال وسلاح. وإن كانت القرى الشيعية وطبعا مع أخواتها من القرى الأخرى في الجنوب اللبناني، قد نالت نصيبها من الاعتداءات الإسرائيلية منذ العام 1948، إلا أن سلسلة الاعتداءات الواسعة بين الأعوام 1967 و1978، شكّلت مرتعا خصبا لنضال الشيعة ضد اسرائيل، وجاء احتلال اسرائيل لما سميَّ الشريط الحدودي، الحافز المباشر لتقوية هذه المشاعر، فجاء عدوان 1982 واحتلال العاصمة بيروت، ليشكل العلامة الشيعية الفارقة في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي وإجباره آنذاك على الانسحاب من مناطق واسعة من جنوب لبنان، بعدما تمكنت انتفاضة 6 شباط 1984 التي قادتها حركة أمل من إسقاط اتفاق 17 أيار 1983 الذي تمَّ التوصَّل إليه في بداية عهد الرئيس أمين الجميل.
لقد انتقلت دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بكل تداعياتها ومندرجاتها إلى عهد الجمهورية الثانية، وعلى الرغم من بيئة السلام التي انتقلت عبر مؤتمر مدريد في العام 1991 ومشاركة العرب فيه ومن ضمنه لبنان، تابعت الطائفة الشيعية عبر دائرتيها حركة أمل وحزب الله في أعمال المقاومة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وبقاعه الغربي.واستمرت دوائر الصراع على أشدها رغم اتفاقية أوسلو ووادي عربة مع الفلسطينيين والأردنيين.
لقد نالت الطائفة الشيعية تحديدا، النصيب الأوفر من أذى العدوانين الإسرائيليين الواسعين في العامين 1993 و1996، لكن صمود المقاومة والحنكة السياسية لرئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري بنسجه تحالفات سياسية قوية مع رئيس الوزراء آنذاك المرحوم رفيق الحريري، أنتج اتفاقا إقليمياً - دولياً شرعن المقاومة عبر"تفاهم نيسان 1996"، الذي يعتبر غطاءً قانونيا وسياسيا لأحد المبادئ التي قامت عليها الحركة السياسية للطائفة الشيعية المتمثلة بحركة أمل وحزب الله.
لقد تمكَّنت المقاومة في العام 2000، من تسجيل سابقة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، حيث أجبرت اسرائيل على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط، باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، الأمر الذي يبرر وجود المقاومة وسلاحها طالما الاحتلال والخروق الإسرائيلية قائمة، مع عدم وجود إستراتيجية دفاعية لحماية لبنان وشعبه.
لقد جاء عدوان 12 تموز 2006، ليعيد خلط الأوراق الداخلية اللبنانية في مواجهة اسرائيل، إذ انقسم اللبنانيون في مواجهة الطائفة الشيعية باعتبارها من وجهة نظر الفريق الآخر، السبب في قيام اسرائيل بالعدوان على لبنان، وهذا ما انكشف عدم صحته لاحقا، .وعلى قاعدة امتلاك الطائفة الشيعية عبر المقاومة وحزب الله لقرار الحرب والسلم، وعلى خلفية اغتيال الرئيس الحريري تم التصويب مباشرة على الشيعة عبر المقاومة وحزب الله.
لقد أعطى الصراع مع اسرائيل للطائفة الشيعية حجما معنويا وازنا في الحياة السياسية اللبنانية، واعتبره بعض خبثاء السياسة اللبنانية، أن هذا الصراع لا يعدو كونه ذراعا من أذرع السياسات الخارجية لسوريا وإيران، وغاب عن وعيهم أو تناسى هذا البعض، أنَّ المقاومة في لبنان كانت نتيجة لاحتلال اسرائيل قسما من أراضيه حتى قبل قيام الجمهورية الإسلامية في إيران. ثانيا: الموقع السياسي للطائفة الشيعية في تركيبة الجمهورية الثانية تمكّنت الطائفة الشيعية، من حجز موقع رئيسي لها في التركيبة الدستورية - السياسية للجمهورية الثانية. فبعدما كان ممثلو هذه الطائفة في المواقع الدستورية والتشريعية والإدارية مجرد ملحقين ؛ باتوا في مواقع القرار السياسي الفاعل، بل من متخذي القرارات الفاصلة.
لقد دخلت حركة أمل ورئيسها الندوة النيابية في أول مجلس بعد اتفاق الطائف بقسمه المعين، ومن ثم المنتخب في العام 1992، وتمكَّن رئيسها الأستاذ نبيه بري من الوصول إلى رئاسة المجلس النيابي.ومن ثم لحق به حزب الله في الندوة النيابية وكذلك تمثيلا في الحكومات اللبنانية المتعاقبة. وبذلك بات الطرفان السياسيان الشيعيان حركة آمل وحزب الله مشاركين أساسيين في تركيبة النظام ومندرجاته.
لقد ساعد الطائفة الشيعية في إثبات وجودهما في المواقع الدستورية والسياسية أمران أساسيان:
- الأول موقع رئيس المجلس النيابي من الناحية الدستورية لجهة الصلاحيات وآليات الانتخابات والمسؤوليات.فبعدما كان رئيس المجلس في عهد ما قبل الطائف يُنتخب سنويا، بات انتخابه يتم لأربع سنوات ويمكن طرح الثقة به بعد مرور سنتين، بقرار من ثلثي أعضاء المجلس النيابي، الأمر الذي يوازي بين إعادة الثقة به وتعديل الدستور لجهة العدد وبالتالي صعوبة التحقيق، الأمر الذي أعطاه ميزة في التحرك وفي سياساته التشريعية بمعزل عن ضغوط الآخرين. علاوة على الشخصية الكارزيمية التي يتمتع بها، بدليل استمراره في رئاسة المجلس لخمس ولايات مجلسية متتالية.
- الثاني انتقال السلطة التنفيذية بمفاصلها الأساسية والرئيسية إلى مجلس الوزراء مجتمعا، حيث الطائفة الشيعية ممثلة بعدد متساوٍ مع الطائفتين الكبيرتين الأخرتين السنية والمارونية.وحيث مجلس الوزراء مجتمعاً هو الذي يرسم ويقرر السياسات العامة للدولة ومؤسساتها، وبالتالي إن وزراء الطائفة الشيعية في الحكومة هم مشاركون ومسئولون على قدم المساواة مع غيرهم من ممثلي الطوائف.
علاوة على ذلك، إنَّ التركيبة الإدارية وتوزيعها بعد اتفاق الطائف، أعطى للشيعة فرصة لافتة للدخول في مؤسسات الدولة ومرافقها العامة. حيث تبوأ البعض مناصب ومراكز كانت حكرا على بعض الطوائف الأخرى.
وإذا كان للطائفة الشيعية مكانتها الوازنة في البيئة الدستورية والإدارية في عهد الطائف، فإن علاقاتها مع باقي الطوائف اتسمت بالمرونة والبعد الوطني الجامع، من منطلق الإيمان بلبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه. ولقد أمّنت الطائفة الشيعية هذا الاسترخاء في العلاقات الداخلية خلال العقد الأخير من القرن الماضي (1990 – 2000).إلا أن بداية التصويب على سلاح المقاومة ومن بعدها مجموعة القرارات الدولية ذات الصلة بالقرار 1559، ومن بعدها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أعقبه من تداعيات، سلطت الضوء على الطائفة الشيعية مجددا.فهل المستهدف هم الشيعة وقواهم الوطنية أصحاب التحرير والتنمية؟ وبالتالي من المستفيد من ذلك؟
قبل الإجابة، ينبغي التذكير بأنَّ، الطائفة الشيعية في لبنان من أكثر الجماعات تعلقا بعمقها العربي والإسلامي، والأشد تعلقا بالدولة ككيان وحاضن، وهي من الجماعات التي عملت على ذلك بدليل مشاركتها ووجودها الفعال في الحياة السياسية الداخلية والخارجية، وهي من اشد الحريصين على بقاء لبنان ضمن سلطة شرعية ديموقراطية عبر تطبيق دستور الطائف قولا وفعلا، أي إن الوحدة الوطنية هي المطلب والهدف لدى مختلف أطياف القوى السياسية الشيعية، وهذا ما هدفت إليه حتى في عز الأزمة التي عاناها لبنان إبان الاعتكاف في حكومة السنيورة، بهدف عدم الاستفراد والهيمنة وأخذ لبنان إلى غير موقعه الطبيعي. كما أنَّ ثمة استهداف حقيقي لقوى المقاومة في لبنان ومحاولة تحييده عن الصراع العربي - الإسرائيلي، وإبعاده عن عمقه العربي عامة والسوري خاصة، الأمر الذي يشكل تحدّيا استراتيجيا للكيان اللبناني وللطائفة الشيعية فيه التي تعتبر احد مكوناته الرئيسة.
من هنا نرى بوضوح عمق الاستهداف الموجه ضد الخط السياسي للبيئة السياسية للطائفة الشيعية، وبالتالي من حق هؤلاء كما في الماضي الدفاع عن وجودهم في الدولة ومؤسساتها وقراراتها.
إن خطورة المرحلة التي مر بها لبنان تكمن في أنها حداً فاصلا بين الدولة القائمة على الوحدة الوطنية، أو الفتنة الطائفية وبالتالي التقسيم والتوطين وغيرها.الأولى الوحدة الوطنية وهذا ما عملت وانصرفت له الطائفة الشيعية عبر مواقفها المعلنة إبان فترة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، حتى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد اتفاق الدوحة، والحكومة الحالية التي يرئسها سعد الحريري.
أما الثانية، الفتنة الطائفية، وهذا ما تنبّه إليها دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري، من خلال طرحه البحث في تشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية، باعتبارها داء لبنان، وان درء مخاطرها يكمن في إلغائها، وهذا ما ينص عليه دستور الطائف في المادة (95).
لقد تمكنت الطائفة الشيعية عبر حركة آمل وحزب الله، من تشكيل ثنائية سياسية، تميّزت بقيادة سياسية واعية وحكيمة في إدارة الملفات السياسية الداخلية والخارجية.وتمكّنت من إيجاد شكل من أشكال، التعاون يصل إلي حد الاندماج في الأهداف الإستراتيجية، الأولى مقاومة عسكرية دافعت عن الأرض قادها حزب الله وعلى رأسها سماحة الأمين العام السيد حسن نصرالله،، والثاني مقاومة دبلوماسية وعلى رأسها حركة أمل ورئيسها الأستاذ نبيه بري، أنتجت قرارات حمت المقاومة وشعبها لا سيما تفاهم نيسان 1996، والقرار 1701. ثالثا: ثوابت الطائفة الشيعية في الكيان ودولة الطائف إن القراءة الدقيقة لمواقف الشرائح السياسية في الطائفة الشيعية من مختلف القضايا الإستراتيجية المتعلقة بالكيان اللبناني ونظامه السياسي والدستوري، تظهر ثوابت لم تتغير أو تتبدل بشكل جذري، وان وجد بعض المتغيرات في بعض الحقبات التاريخية، ذلك يعود إلى طبيعة الأمور المتعلقة بالأطراف الأخرى داخلية كانت أم خارجية، ومن ابرز هذه الثوابت:
- أولا: تعتبر الطائفة الشيعية أنَّ الكيان اللبناني، وطن نهائي لها، بصرف النظر عن بعض المظاهر المتعلقة بالسياسات أو المواقف أو الإبعاد العقائدية الدينية.وهي تعتبر بشكل عام أن تواجدها في لبنان في الأساس هو سابق أصلا على نشأة الكيان اللبناني ومتطلباته المادية والمعنوية.وإذا كان ثمَّة بعض التعتيم على موقف الطائفة كغيرها من الطوائف الإسلامية من الكيان والاندماج والاستمرار فيه، فذلك لا يلغي حقيقة أن الطائفة الشيعية كما غيرها وافقت وارتضت أن تكون جزءاً لا يتجزأ من تركيبته السياسية - الاجتماعية، وتخلت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي عن فكرة الوحدة مع سوريا، ذلك بفضل هضم واستيعاب مواقف الكتلة الوطنية في سوريا التي ساعدت في ثني المسلمين اللبنانيين عن فكرة الوحدة، علاوة على اقتناع الطوائف اللبنانية ومن بينها الشيعية، أنَ خصوصية الواقع اللبناني، تتطلب الابتعاد عن كل ما يثير حساسية الشريك الآخر في الوطن. كما أن التدقيق في الوثائق السياسية للتنظيمات السياسية الشيعية، تظهر مساحات واسعة وواضحة حول الكيان اللبناني كوطن نهائي لها.وأخص بذكر موقفي حركة أمل وحزب الله في هذا الخصوص الذي بدا واضحا في الوثيقة السياسية للمؤتمر الأخير لحركة أمل وكذلك في الوثيقة السياسية الأخيرة لحزب الله.
- ثانيا : وإذا كان الكيان يشكل مرتكزا سياسيا أساسيا في برامجها، فإن البعد العربي في الذاكرة الجماعية للمسلمين الشيعة في لبنان، يشكل مرتكزا وجوديا، ذلك بحكم النشأة والتواصل.وعلى الرغم من وجود بعض المتغيرات ذات البعد السياسي للأنظمة العربية، ظلَّ الشيعة في لبنان تواقون للبحث عن البعد العربي الذي يحمي قضايا العرب والمسلمين بمواجهة اسرائيل ؛ فمثلا بعدما كانت مصر عبد الناصر القبلة السياسية للشيعة كما المسلمين الآخرين، تحوّلت البوصلة السياسية باتجاه دمشق.
- ثالثا: إن الموقع والحيّز الذي اتخذته سوريا في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بعد انكفاء مصر، أعطى للشيعة في لبنان حافزا إضافيا لتمييز العلاقات مع سوريا، وقد برز هذا التوجه من خلال الموقف السياسي للشيعة في لبنان الداعم للبيئة التي أخرجت الوثيقة الدستورية في العام 1976 والاتفاق الثلاثي عام 1985 واتفاق الطائف عام 1989.
- رابعا: وبحكم العقيدة الدينية والفكر السياسي الذي تختزنه الطائفة الشيعية في مواجهة اسرائيل، باتت دوائر الصراع مع اسرائيل متأصلة في السلوك الاجتماعي والسياسي أينما وجدت شرائح هذه الطائفة.وما عزَّز من هذا السلوك التوزيع الديموغرافي الذي جعلها على تماس مباشر مع الكيان الإسرائيلي وبالتالي نيلها القسم الأكبر من آثار اعتداءاته وتداعياته.
- خامسا: ونتيجة للثابت السالف الذكر، باتت المقاومة ضد اسرائيل جزءا من الحياة اليومية المعاشة، وثابتا ملازما فكرا وممارسة. وإذا كان ثمة من يطلق من خبثاء السياسة، لبنانيين وغير لبنانيين على هذه الحركة، على أنها أصبحت "قضية شيعية" على مستوى لبنان والوطن العربي والإسلامي من باب خطورتها على تلك الأنظمة، وعلى واقع الطائفة الشيعية في بعض الدول؛فإن ذلك لا يعدو كونه تهربا وتنصلا من القضايا المحقة للعرب والمسلمين بمواجهة اسرائيل.إذ بات الحق عند الشيعة هو باطل بنظر الأنظمة التي تتلطى وراء شعارات محاربة الإرهاب وغيره من العناوين بدعم غربي واضح.
- سادسا: لقد شكَّل البعد الإسلامي للطائفة الشيعية في علاقاتها الخارجية محط تساؤلات لدى بعض الأطراف اللبنانية والعربية، وبخاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، من باب كيفية التوفيق بين الولاء للوطن والكيان اللبناني وبين بعض مسائل العقائد الدينية كولاية الفقيه. وفي واقع الأمر يعتبر هذا الموضوع تحديدا مسالة عقائدية لا دخل للسياسة اللبنانية وتفاصيلها المملة فيها، وحتى ثمة تباين بين فقهاء ومراجع الطائفة الشيعية تاريخيا بين ما سميَّ بمرجعية النجف ومرجعية قم، فهي موجودة قبلا ولم تكن تشكل حساسية تذكر مع بعض الطوائف اللبنانية الأخرى.وإذا كان ثمة من طروح في هذا المجال فمن الحق التساؤل لماذا لم تثر نفس القضايا جدلا أيام إيران الشاه وعراق صدام حسين مثلا. فبصرف النظر تبقى للطائفة الشيعية ثابت البعد الإسلامي في علاقاتها الخارجية من منطلق الموقف من قضايا الأمة العربية والإسلامية بمواجهة اسرائيل تحديدا.
- سابعا: وبالعودة إلى الثوابت الداخلية في الحياة السياسية والدستورية للطائفة الشيعية، نرى مثلا طرح إلغاء الطائفية السياسية مطلبا بارزا من ضمن آلية توافقية بين مختلف شرائح المجتمع اللبناني.ويسجل في هذا الإطار إعادة طرح رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري، لهذه القضية من منطلق الواجب الدستوري أولا، ومن ثم تداعيات الطائفية السياسية على الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية ثانيا؛ لا من منطلق أي حسابات أخرى كالعدد والحجم والكم والنوع والتأثير؛بقدر ما أثرت الطائفية السياسية على الذاكرة الجماعية للسلوك الاجتماعي في مختلف الحقبات السياسية في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر.
- ثامنا: لقد ظلت قضية المشاركة ثابتة من ثوابت الحياة السياسة والإدارية، انطلاقا من كونها حقا وواجبا في إطار بناء الدولة القوية العادلة.وان تأمّنت مشاركة الطائفة الشيعية بقدر أبرز واكبر في ظل جمهورية الطائف، فإن بعض المواقف التي ظهرت مؤخرا كالاعتكاف الحكومي وما تبعه من مواقف متبادلة، لا يعدو كونه طريقة لمنع أخذ لبنان إلى مواقع أخرى تؤثر على الكيان والدولة.فالمطالبة بحكومة وحدة وطنية كانت عنوانا تمكّنت الطائفة الشيعية من إعادة تصويب الكثير من الثغرات الهفوات والهنات التي ظهرت في تطبيق اتفاق الطائف على الصُعد الدستورية والسياسية والإدارية.
- كما أنَّ تأمين المشاركة في الإدارة اللبنانية كمؤسسات ومرافق، ظلت بارزة في مطالب الطائفة، مع دوام تسجيل مواقف لافتة للرئيس نبيه بري في هذا الإطار، من باب المحافظة على كمية ونوعية المناصب والمواقع، وبخاصة الفئة الأولى التي ظلت موزعة ضمن حصص محددة؛ إلا أن الجديد فيها المطالبة بآلية للانتقاء قبل التعيين ومن بينها الطرح بإنشاء لجنة قضائية للاختيار والانتقاء، حفاظا على الحد الأدنى من الكفاءة بين مرشحي مختلف الطوائف.كما يُسجل موقفٌ لافتٌ لدولة الرئيس من موضوع المداورة في وظائف الفئة الأولى، وهو تحييد قيادة الجيش عن هذه السلة إذا اتبعت، بمعنى دوام أخذ خصوصيات بعض المواقع في الحسبان وحساسيتها تجاه بعض الطوائف حفاظا على ما يمكن أن يؤثر على الوحدة الوطنية وما يتعلق بها.
أخيرا، وُضعت الطائفة الشيعية وأبنائها خارج التاريخ والجغرافيا للنظام السياسي – الاقتصادي اللبناني، وبدت في أغلب الأحيان نموذجا للحرمان والتهميش؛ إلى أن ظهرت قيادات وظروف ذاتية وموضوعية ساعدت في إعادة قراءتها بين الجماعات السياسية اللبنانية وطوائفها في ظل الجمهورية الثانية؛ وما ميَّز هذه الحقبة خاصة، وجود قيادات سياسية واعية عرفت ما تريد جماهيرها، كما عرفت كيف تدير علاقاتها وتحالفاتها فحققت في فترة وجيزة قضايا ومسائل هامة، فدخول السلطة من بابيها التشريعي والتنفيذي علاوة على الإداري، كان حافزا لإكمال ملفات هامة أخرى، كالتحرير في العام 2000، ومتابعة التنمية. بكلام آخر لقد امتزج عمل المقاومة والتحرير، بعمل الدبلوماسية البرلمانية والتنمية، فكان انجاز الطائفة الشيعية تحريرا للوطن، وإنماء لمناطقه المحرومة.
إن مستقبل هذا الموقع والدور للطائفة الشيعية، مرهون بدوام التمسّك بهذه الثوابت السالفة الذكر، علاوة على تماسك وحدتها الداخلية المتمثلة أولا وأخيرا بالتكامل الحاصل بين طرفيها الأساسيين حركة أمل وحزب الله، وما بينهما من مساحات للتعبير عن الرأي الآخر، الذي حرص الطرفان على احترامه في عز الهجمة على السياسات والمواقف التي تعرَّضت لها الطائفة الشيعية مؤخرا. د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي
في كلية الحقوق بالجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com