مصانع مصر تأخذ العمال لحماً وترميهم عظماً

محمد مصطفى يعاني من سرطان الرئة والصدفية والسل معاً

القاهرة ـ تنشق محمد مصطفى لسنوات طويلة الغبار الذي كان يتصاعد من الآلات في مصنع الإسمنت الذي كان يعمل به جنوب القاهرة، ولكنه لم يعتقد يوماً أن هذه الجزيئات الصغيرة ستنهي مسيرة عمله.

فقبل بضع سنوات أصيب عامل الإسمنت هذا، البالغ من العمر 55 عاماً، بسعال مزمن مع بلغم مخلوط بالدم وارتفاع درجة حرارة الجسم مع تعرق وفقدان للوزن.
وعندما أخبره الطبيب أنه مصاب بداء السل أغمي عليه من الصدمة، وكان أكبر همه أنه سيفقد عمله كباقي زملائه الذين ثبتت إصابتهم بالسل.

وقال مصطفى "كان غبار الإسمنت ينزل على رأسي كرشاش كل دقيقة. لم أتوقع يوماً أن يكون السبب في نهايتي".
وحسب الحكومة المصرية، فإن 21 شخصاً من بين كل ألف مصري يصاب بداء السل سنوياً، ولكن إصابة واحدة من كل عشر إصابات تصبح نشطة.
وتقدر الحكومة عدد المرضى في مجمل البلاد بحوالي 17 ألف شخص في حين ترى المنظمات المستقلة أن العدد أعلى من ذلك بكثير.

وفي هذا السياق، أفاد عصام المغازي، مدير البرنامج القومي لمكافحة الدرن (السل)، وهو مؤسسة حكومية تهدف لمساعدة المصابين بهذا المرض، أن "السل بدأ يشكل خطراً كبيراً على السكان في البلاد. وعادة ما يكون سكان الأحياء العشوائية الفقيرة أكثر الناس عرضة للإصابة به".

وتعتبر الإصابة بالسل، وهو مرض فتاك معدي يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر عن طريق الهواء، سبباً للطرد التلقائي والمباشر من العمل في العديد من الشركات في مصر.
وأفاد محمد الأصمعي، مدير منظمة أصدقاء البيئة، وهي منظمة غير حكومية محلية تعنى بمرضى السل، أن العديد من العمال المصريين يتعرضون للطرد عندما يصابون بداء السل بدل أن يحظوا بفرصة العلاج في المستشفيات.
وأضاف أن "مرضى السل لا يستحقون مثل هذه المعاملة. ولا يجب أن يحصد أرباب العمل الفاكهة ويرمون القشرة بهذا الشكل".
ويلقي مصطفى، الذي يعيش في مدينة حلوان الصناعية، على بعد 30 كلم من وسط القاهرة، باللوم في إضعاف جهازه المناعي على السنوات التي عمل خلالها في مصنع الإسمنت وتنشق غباره.

ورغم غياب أي دليل علمي قوي يربط غبار الإسمنت بالإصابة بالسل، إلا أن الدراسات أظهرت أن المصابين بداء تصون الرئة، وهو مرض مميت يحصل في أماكن العمل بسبب استنشاق غبار أكسيد السليسيوم أو السليس الحر، معرضون 30 مرة أكثر من غيرهم للإصابة بالسل.

ووفقاً لوزارة الصحة، يعتبر داء السل ثالث أكثر داء مهدد للحياة في مصر بعد البلهارسيا والتهاب الكبد الفيروسي "ج".
ولكن رغم ذلك، أفادت منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2009 أن مصر نجحت في تحقيق هدفها العام في الكشف عن حالات الإصابة بداء السل وعلاجها عام 2007 حيث وصلت نسبة الكشف عن الإصابات في مصر 72 بالمائة (في حين أن الهدف العام هو 70 بالمائة).
وقد وصلت نسبة نجاح العلاج 87 بالمائة (في حين أن الهدف العام هو 85 بالمائة)، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية.
ويأمل مسؤولو الصحة في مصر أن تنجح البلاد في اجتثاث داء السل بحلول عام 2050.

غير أن هذه الإحصائيات والآمال لا تعني الكثير بالنسبة للمصابين بالسل مثل مصطفى.
فهو وأبناؤه الستة يعيشون على راتب تقاعدي لا يتعدى 76 جنيهاً (14 دولاراً) في الشهر.
ويعاني مصطفى من سرطان الرئة والصدفية، شأنه في ذلك شأن العديد من زملائه في العمل الذين أصيبوا بالسل أيضاً.
ومما يزيد من العبء الملقى على كاهله، كونه نقل المرض إلى زوجته وأحد أبنائه.
ويشكو مصطفى قائلاً "معظم الأدوية التي يصفها لي طبيبي غير فعالة. ويعمد الجميع إلى تجنبي وزوجتي مخافة التعرض للعدوى بالسل".(ايرين)