شوارد مصر.. الحرة

"الجنوبي" افتتح قبل 20 عاماً.. وفشلت كل محاولات ترميمه طوال عشر سنوات. "الشمالي" افتتح قبل أربعين عاماً.. ومازال "صالباً" عوده وقادراً على الحياة، ليتحمل جزءًا من تفاقم تبعات ثورة مضادة لمشروع التنمية الوطني.
يجيء قرار إخلاء المبنى "الأحدث" للمعهد القومي للأورام، خشية انهياره على المرضى، والذي أخلي فعلاً الخميس الماضي، كمؤشر جديد على ترهل بُنى الدولة. والقرار، مع جرأته، ألقى أضواء كاشفة على نماذج "شوارد حرة" ترعى في جسد مصر طوال ثلاثة عقود على الأقل، في غياب جهاز مناعة، دولة، قويّ يخطط وينفذ ويراقب مشروع نهضة مستقلة.. لها فكرها الاقتصادي والاجتماعي الحاسم لتوجهاته، ليس للفقراء، بقدر ما هو للكتلة الغالبة من الشعب.. لا لشوارده الحرة.
والشوارد الحرة، تبسيطاً، هي مركبات كيميائية سامة تنتجها خلايا الجسم تعبيراً عن خلل ما بها.. وهي أم كل الأمراض، لكنها ارتبطت أكثر بالأورام السرطانية، التي عجزت عن اختراق جسد الدولة حين بنت معهداً "قومياً".. أفرزته "روح" الستينيات، وفق إمكانياتها وبقدرات زمانها.
"قومي".. للوصف دلالته وثقله، فهو يخدم مائتي ألف مريض "فقير" سنوياً بـ"المرض الخبيث" أو "إللي ما يتسماش" حسب التوصيف الشعبي للأورام السرطانية.. وهو رقم ضخم على كتف القائمين عليه. ويُفترض أنه أهم مركز بحثي بالمنطقة العربية كلها، ويضم نخبة علمية وطنية تراكمت خبراتها في محاربة قطاع من الأمراض هو الأكثر إثارة للرعب بين المواطنين.
مبررات الإخلاء كاشفة، فلو اقتصر الأمر على أن الأسمنت، أو الحديد، الذي بني به لم يكن صالحاً، فهذا يعني أن المؤسسات الرقابية عجزت عن رصد وصول الشوارد إلى عظم "معهد قومي"، وإن رصدت.. فهذا يعني أن أجهزة المحاسبة عجزت عن مواجهتها والقضاء عليها، وإن حاولت وفشلت.. فهذا يعني أن "شاردة حرة" استقرت في جذر الشجرة.. أو في دماغها.
دماغ لم ينشغل بتطوير منظومة صحية كادت تغطي القطر كله قبل أربعين عاماً، وجاء إنشاء المعهد، وأقرانه، كجزء منها.. تماماً كما لا تهتم بألا يشرب رعاياها مياهاً هى مرتع للشوارد، لتتضاعف الأورام السرطانية مع "اللانظام الحاكم" 8 مرات، ونصبح أكثر شعوب العالم معاناة من البلهارسيا والفشل الكلوي والتلوث، ولدينا 7 ملايين مريض سكر.. أي عُشرنا، و13 مليون مريض بالتهاب الكبد.. أي خُمسنا، بينما يعاني رُبعنا، 20 مليوناً، من الاكتئاب، و6 ملايين غيرهم من أمراض نفسية أخرى، للشباب الحصة الأكبر منها، وهم أيضاً خُمس ضحايا الذبحة الصدرية، وتنفرد "دولتنا"، مع خمس دول فقط، باستمرار شلل الأطفال فيها، و8 من بين كل ألف طفل يعانون العمي، بسببه إهمال أمراض العيون في طفولة.. ثلث وردها مصاب بالأنيميا، فضحاً لسياسة وقائية فاشلة أفرزت مليوني طفل مُعاق.
جزء من خريطة "لا صحية" مُرعبة، نصيب المواطن من الإنفاق الصحي فيها لا يتعدى العشرة دولارات سنوياً، فدماغ "اللانظام"، ليس مشغولاُ أصلاً، بأن تحول مصر إلى بيئة حاضنة للمرض، يعني أنك تربي وتعلم مستقبلاً ضعيفاً صحياً.. وتنفق ميزانيتك على مجتمع هو أكثر قرباً للموت التدريجي، مُورثاً الأجيال القادمة ملايين إضافية من المرضى، عليها تحمل عبء ميراثهم المرضي.. مادياً ونفسياً واجتماعياً، أنك تسلمها مستقبلاً مُهدراً مقدماً.
مستقبل صحي، يُفترض أن أولى مهام أي دولة هو رعايته، وأن تُصدره في مقدمة همومها القومية، لكنها تخلت عنها لصالح ثقافة "اتبرع ولو بجنيه"، من المعهد المُخلى إلى مستشفى سرطان الأطفال. ثقافة، إن كشفت عن أن المجتمع مازال نسبيا قادرا على التكافل، فهي تفضح تخلي "اللانظام" عن دور الدولة الأول.. حماية صحة وحياة مبرر وجودها.. الشعب.
الأمر هنا لا يرتبط بحجج التمويل، فلا أحد يناقش أولوية الإنفاق الصحي على ما عداه. هو همّ وإرادة وطنيان، أُنشئ في ظلهما المعهد، ولم يكن لدينا، حينها، إيرادات لا بترول سيناء أو الغاز الطبيعي أو القناة ولا تحويلات المصريين في الخارج، ونعاني من حصار غربي.. وحرب مُعلنة على مشروعنا التنموي.. ورغم كل ذلك تناغم فيه المعهد "القومي" مع المركز الصحي "القروي"، مع.. مدرسة نموذجية وبنية تحتية ابنة ظرفها التاريخي، مسرح وسينما وغناء.. كتاب وقصر ثقافة.. قوة إعلامية مؤثرة دولياً، تمكين للمرأة وللفئات المهمشة.. مواطنة تسبق شكل تعبدك، تصنيع وإصلاح زراعي.. تنمية شاملة، مقاومة ومد قومي وفكري وحركات تحرر.. إلخ. هي أوان مستطرقة لـ.. حلم بمستقبل تاني.
نخرت الشوارد الحرة الحلم، ومعها يحتاج ترميم المعهد.. أو حسم قرار هدمه لعامين. ليس صدفة أنها نفس المدة المُقترحة من المهمومين بمستقبل البلد كفترة انتقالية، لترميم بُناه وإخراجه من النفق المظلم الغارق فيه لثلاثة عقود. محمد طعيمة m.taima.64@gmail.com