صعود نجم الأمير نايف في السعودية ينذر بأفول نجم الحريري في لبنان

ميقاتي: أيامك أشد سواداً من شعرك، الحريري: وهاويتك أشد انحداراً من صلعتك!

التغيرات التي تحدث حالياً في المملكة العربية السعودية من تولي الأمير نايف بن عبد العزيز ولاية العهد واحتمالات تحولات جديدة في السياسة السعودية اقليمياً، هل ستلعب دوراً في وضع عائلة الحريري في لبنان؟ الباحث عبدالعزيز الخميس يناقش ذلك.

***
أثار بقاء الحريري خارج لبنان في وقت حرج لبلاده والمنطقة تساؤلات حول رغبة السعوديين في ألا تعيق عودته الى البلاد حكومة ميقاتي عن حل ثلاث معضلات مهمة:

- محكمة لبنان الدولية لجرائم قتل الحريري وآخرين.

- سلاح حزب الله.

- الثورة السورية وموقف لبنان تجاهها.

وكان الحريري يستعد لإلقاء خطاب قوي في مهرجان خطابي ليفجر اعتصامات واحتجاجات لتحريك العمل السياسي تجاه حل هذه المعضلات.

لكن جريدة الأخبار اللبنانية ترى ان السعوديين طلبوا منه ارجاء ذلك، وانهم كانوا يهدفون الى تفادي ارسال رسائل سلبية مفادها انهم يحركون الجبهة اللبنانية ضد سوريا انتقاماً وانتهازاً لفرصة انشغال السوريين بالوضع الداخلي.

وهذه الفرضية تبدو قريبة للصواب خاصة وان السعوديين يقفون حتى دون التصريح المباشر مع الثورة السورية ولا يريدون اعطاء بشار الاسد فرصة لتحويل الأنظار الى العامل الخارجي في صراعه مع شعبه والاستشهاد بالتحركات السعودية عبر الحريري في لبنان.

وعلى الرغم من التفادي السعودي الا ان هناك مخاوف من أن يتحرك حزب الله لتفجير الوضع في لبنان اما بتصعيد احتكاكاته الداخلية مع السنة وبهذا يستدعي التدخل السوري وعودة سوريا عبر نظام بشار الاسد كلاعب مهم.

العزاء في الراحل الأمير سلطان قد لا يفيد كثيراً

وتشير المصادر الخليجية إلى أن نائب الرئيس السوري محمد نصيف زار السعودية مرتين حاول فيهما ايصال رسالة تدعو السعوديين للتدخل ومساعدة النظام لإيقاف الهجمات الاعلامية لكن السعوديين لم يمنحوه سوى الوعود الشفوية دون افعال مهمة حيث فضلوا سياستهم المعتادة الصمت والصبر.

لكن ما يحمل الكثير من التساؤلات هو هل سيحمل تولي الامير نايف بن عبد العزيز ولاية العهد في السعودية تهديداً لعلاقة الحريري بالمملكة؟

هذا القدوم لاحد الصقور السعوديين قد يحمل تهديداً لهذه العلاقة القديمة والسبب هو ما رشح من موقف عدائي لسعد الحريري ضد الأمير محمد بن نايف اثناء لقاء للحريري مع احد المسؤولين الاميركيين وهو ما سربه حزب الله عبر إحدى القنوات اللبنانية المتعاونة معه في لبنان.

ويقوي هذا الرأي رؤية محللين سعوديين ان الوقت قد حان لتغيير الاستراتيجية السعودية في لبنان وخاصة تجاه التحالفات مع العوائل السياسية السنية في لبنان والتي يمكننا استعراض طيفها.

عائلات بيروت

الحريري الابن ليس في قوة أبيه
عوائل بيروت المهمة والتي أهملتها السعودية بعد انتقاء الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله لرفيق الحريري ودعمه له.

في ظل تنامي قوة الحريري لدى السعوديين تراجعت أهمية عوائل مثل الصلح والحص وسلام واصبحت تعاني من هذا التجاهل السياسي في وقت لم يعد فيه قطب مهم على مستوى العالم العربي يمثل البعد السني سوى السعودية خاصة وان مصر بعد كامب ديفيد وتداعياتها تراجع نفوذها في لبنان كثيراً.

ولم يصبح أمر الانتقاء السعودي للحريري مقصوراً على بيروت بل تعداه ليشمل لبنان بأكمله فصيدا مثلتها أخت الرئيس بهية وصديق العائلة الحريرية السنيوره.

كان قرار الحريري الأب في انتخابات 2000 بترشيح غنوة جلول لتنافس الرئيس سليم الحص ذي التاريخ السياسي العريق ولتهزمه بضعفي عدد اصوات مناصريه، كان ذلك قمة الغرور السياسي في نظر كثير من بيوت بيروت العريقة لكنه كان في نظر الآخرين اعلاناً من الحريري ان البيوت البيروتية عليها ان تقبل بوجود بيت الحريري بينها ومن لا ينضم اليه ويقبل بوجوده عليه التحسب لهزيمة مماثلة.

شعر الحص بإذلال الحريري له فنهض وهو السياسي العريق للتحدي وكان دائماً في صف من لا يكون مع الحريري.

عائلات طرابلس

حذر وترقب
كذلك طرابلس التي عرف منها عائلة كرامي القومية وذات التاريخ الممتد من تمثيل لبنان وشمالها.

هذه العائلة بتجاهلها واهمالها سقطت في يد النظام السوري لتصبح ممثلة مصالحه لدى السنة ولكي تدخل في صراع قوي مع الحريري والسعودية دون داعٍ على الرغم من اننا لا ننكر ان عائلة كرامي منذ ايام جدهم عبد الحميد اقرب للم شمل طرابلس الشام لسوريا. وقد يجد صانع القرار السعودي في ذلك سبباً لإهماله هذه الاسرة.

لكن عائلة كرامي تواجه مصاعب كبيرة وهي ما يراه البعض في وجود اختلاف في الرأي داخلها؛ إذ يعتقد معن كرامي ان قبول اخيه عمر بتوزير ابنه فيصل على وزارة الشباب والرياضة وتعيير حركة أمل لعائلة كرامي بأنها من منحه المنصب عبر تنازلها عنه اساءة كبيرة لتاريخ عائلة انجبت أمثال عبد الحميد ورشيد كرامي.

أرزة "كانت" تظل الجميع

لكن عائلة كرامي يراها السعوديون أقرب لسوريا وعلاقتها مع نبيه بري اكثر من ان يتم الوثوق فيها، لذا استفاد الحريري من العلاقة التاريخية بين كرامي وبري في اقناع السعوديين باستحالة الثقة بكرامي كانصار للسعوديين في لبنان.

لكن الحقيقة هي ان عائلة كرامي لا يناصرون ولا يقتربون من أحد الا لمصالح سياسية وثوابت تقوي من وجودهم في طرابلس ولقد تعرضوا لتهميش وصراع قوي من عائلة الحريري جعلهم يجدون في بري وغيره الملاذ الوحيد.

يأتي السني الطرابلسي نجيب ميقاتي الذي كان يوماً محل سخرية رئيس الوزراء السابق عمر كرامي حين تم تعيينه وزيراً بأمر من الرئيس حافظ الأسد فكانت ردة فعل كرامي "من اين نزل علينا هذا بالبراشوت؟".

وكذلك محمد الصفدي الذي يحصد اصواتاً عالية لكنه لا يعتبر من سكان الشمال والاثنان ميقاتي وصفدي محل نقد من عائلة كرامي دائماً لأنهما كانا ضمن أحصنة السباقات الانتخابية التي اتفق الحرير والأسد عليهما ايام الصفاء والعلاقات والتنسيق الوثيقة قبل استفحال التدخل الايراني في لبنان.

الاسلاميون قادمون

وا حريراه!

في ظل التوتر والتراجع الكبير الذي تعاني من القوى السياسية يراقب المحللون تنامي قوى اسلامية؛ إذ يبرز اسم النائب السابق خالد ضاهر رئيس تيار العدالة والتنمية والشيخ كنعان ناجي والشيخ فواز حسين آغا رئيس جمعية الشباب الاسلامي والشيخ بلال بارودي كلاعبين جدد على الخارطة السياسية اللبنانية وخاصة في الشمال الذي عاني من تهميش كبير في مشاريع التنمية الحكومية.

تنامي العمل السياسي الاسلامي مرده لفشل تيار المستقبل في تقديم ما يطمح له سنة لبنان؛ فالجماهير التي عولت على تمثيل الحريري لها تجد من بينها من ينسل الى الانتماء لجماعات اسلامية يراها الخيار الأفضل، فبعد مقتل الحريري ازداد الاقتناع داخل الوسط السني اللبناني بأن تجربة حزب الله وقدرته على صف الشيعة في لبنان يمكن تحجيمها بالقيام بالعمل نفسه.

وايمان الكثير من اللبنانيين بأن العقيدة هي من تجمع وليس المال فقط، وازدراؤهم من ان يحصر العمل السني والجهد السني السياسي في عائلة مالية فقط وزعيم شاب مهما حسنت نواياه الا انه لا يملك الكاريزما او العقيدة التي تمكنه من الوقوف امام حسن نصر الله؛ فالعودة للتمسك بعقيدة اسلامية يكون عمادها البعد الجهادي ولو كان عتاداً فقط لا نشاطاً في الشارع سيمكن للسنة من تجميع الصفوف وتوحيدها ضد سوريا وغيرها من قوى ايران في لبنان.

وعلى الرغم من ان السلفيين في لبنان يتجمعون وراء الشيخ داعي الإسلام الشهال الا ان هناك مصاعب تعترضهم اولها ان السلفيين الكويتيين يقومون باحتضان جزء منهم عبر الشيخ حسن الشهال الذي حاول ان يعقد اتفاقاً مع حزب الله باء بالفشل بعد اعتراضات كبيرة من جموع السلفيين.

ولا ينظر كثير من السنة لحسن الشهال بارتياح بعد ما اعتبروها سقطة كبيرة باتفاق قام به ثم نقضه لاسباب شخصية دون مرجعية سنية او سياسية مهمة، وزاد على ذلك الفقر والحرمان الذي تعاني منه مناطق الشمال السنية ذات الكثافة السكانية حيث تهمل الحكومة اللبنانية وبصورة متعمده تأهيله حضارياً وخدماتياً ليس عقاباً لأهله بل اهمالاً من ممثليه في البرلمان اللبناني والحكومات المتعاقبة.

خصوم الحريري في السعودية

موقف نايف ليس كموقف الراحل سلطان

يقول جوني عبده المدير السابق للمخابرات اللبنانية ان السعوديين لا يأخذون سعد الحريري على محمل الجد ويعتبرونه دمية يحركونها متى شاءوا، لكن تصريحات الحريري للاميركيين وانتقاده للامير محمد بن نايف تحمل شيئاً من الاستقلالية.

ينتقد السعوديون الحريري كثيراً، ومرد انتقادهم له ليس خالصاً لوجه عمله السياسي في لبنان، بل لنفوذه الاقتصادي داخل السعودية.

وقد كان لحظوظه العالية بالحصول على مشاريع ومناقصات كبيرة دون منافسة فعلية كما يتهم في المملكة احدى النقائص التي وجهت له وكأن بعض السعوديين يريدون اقناع حكومتهم ان عليها ان تعرف ان الحريري لا يعد مكسباً في لبنان لذا فيجب ألا تكون له حظوة في المملكة.

وقد قام اعلاميون سعوديون بهجوم شخصي شرس على الحريري. وتصدى لهم كتاب سنة لبنانيون وبهذا وقفت الأطراف الايرانية في لبنان موقف المتفرج على صراع بين عدوهم الأول في لبنان ومن يحتضنه.

ولم يحدث مرة ان سمعنا ان كاتباً لبنانياً محسوباً على الملالي في طهران ينتقد نصر الله علنا في صحيفة يملكها الحرس الثوري الايراني.

ويتلخص الانتقاد الاعلامي السعودي في ان الحريري "زج الأمة في صراع طوائف" وكانت هذه الجملة هي الثغرة التي تسلل لها الكاتب المعروف رضوان السيد ليهدم معبد مقال داود الشريان من أساسه، وليشعل سيجارته على الركام ويتمتم "نكون جميعاً مذنبين في 'الطائفية المفزعة' لأننا ما قبلنا بالاغتيال السياسي وبالتداعيات الأخرى، فتردينا في مهاوي الطائفية والفتنة والفساد".

وكان الكاتب السعودي داود الشريان والذي يعمل في مجموعة "ام بي سي"، المملوكة لعائلة البراهيم القريبة من الامير عبد العزيز بن فهد، انتقد السيد لأنه كما يقول الشريان عبر بطريقة غير مباشرة ان "السعودية ليس لها سوى التمويل، وعلى كتابها المباركة والصمت، وهو استعلاء اعتدنا عليه وصبرنا".

لا يخفى على أحد ان سعد الحريري لا يواجه فقط سوريا ولا ايران وتابعها حزب الله بل هو يخوض معركة قوية داخل عرينه وملجأه وسنده الأول في العاصمة السعودية، حيث ان تضخم امبراطوريته التي يشاع انها تتعرض لأزمات مالية واستئثاره بحصص اقتصادية ومالية مهمة جلب عليه غيرة لاعبين سياسيين مهمين في المملكة وقفوا ضد والده من قبل وهم اليوم يقفون اكثر ضده، ومنهم على سبيل المثال الامير الوليد بن طلال، الذي لطالما انتقد الحريري الأب بل تحالف مع سوريا واميل لحود واقترب كثيرا من التدخل في الشأن اللبناني لولا ما يقال في الرياض انه طلب منه رسميا التوقف.

من اهم اسباب العداء الطلالي هو ان الحريري همش عائلة الصلح البيروتية المهمة سياسياً وتاريخياً ووالدة الامير الوليد من هذه العائلة ولطالما افتخر الوليد بجده رياض الصلح صانع استقلال لبنان ليجد وهو القطب المالي الكبير ان اخواله يعانون من التهميش القوي دون ان يقوم هو بمساعدتهم في ظل صراع الحريري للبقاء سياسياً وهو يعرف جيداً انه لو فقد الدعم السعودي سينهك ولن تتمكن قوى اخرى من دعمه.

ومن اهم اعمدة الاختلاف بين استراتيجيات السعوديين والسوريين ان السعوديين لا يرون ضيراً في المراهنة على زعيم واحد في الطائفة، لذا وضعوا بيضهم في سلة عائلة الحريري وساندوها بقوة وكرم لكن السوريين، ولاختلاف الدوافع والمصالح لا يريدون رأساً واحدً لكل طائفة لذا راهنوا بل عملوا على ان يكون لكل طائفة اكثر من رأس وان فضلوا الرأسين؛ ففي الشيعة نصر الله وبري وفي الدروز جنبلاط ورسلان وفي الموارنة عون وفرنجية.

وعلى الرغم من الحديث عن ان العاهل السعودي الملك عبد الله قد امر بمساعدة الحريري لتجاوز ازمته المالية بشراء شركة الاتصالات السعودية لحصة كبيرة من شركة اوجيه تيلكوم التي يملكها الحريري بمبلغ يصل الى ثلاثة مليارات دولار مما يعني نهاية للازمة المالية التي عانى منها الحريري وقد تم تحديد سعر الحصة ليس بناء على سعر السوق بل تمثل في سعر روعي فيه دعم الحريري.

هذه الصفقة حدثت قبل ان يصبح للامير نايف صوت اعلى في القصر الملكي ولذا لا يمكن اعتبارها احد ادلة استمرار الدعم السعودي بل ان كثير من المحللين يراهنون بقوة على تغير كبير في العلاقة السعودية الحريرية.

في الختام هل نشهد بجلوس الامير نايف على مقعد متقدم في مركز صنع القرار السعودي بداية انحسار نفوذ عائلة الحريري؟ وهل المشاكل المالية التي تتعرض لها العائلة ناتجة من انه بدأ بالفعل تقليص الدعم المالي السعودي لها؟

عبد العزيز الخميس