السعودية تبدأ 'نقلة حقيقية' في معركتها مع إيران

بات 'مقبولا' أن تستقبل المملكة شخصيات إيرانية معارضة

الرياض ـ اعتبر محللون وكتاب سعوديون مشاركة رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل، في مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس السبت، وإعلانه تأييد العالم الإسلامي للانتفاضات في إيران، وتأكيده أنه "يريد إسقاط النظام" الإيراني هو "بداية نقلة حقيقية" في "المعركة" بين البلدين.

ورغم تأكيد المحلل السياسي السعودي جمال خاشقجي أن حضور الأمير تركي الفيصل كان بصفته شخصية وليس "رسمية"، إلا أنه بين أن مشاركته تعبر عن "المزاج العام السعودي الرسمي والشعبي"، بعد أن "ضاقت السعودية بممارسات إيران"، معتبرا أن مخاطبة المعارضة الإيرانية هي رسالة لطهران "بأن بإمكاننا أن نفعل مثل ما تفعلين".

بدورها اعتبرت الصحف السعودية الصادرة الثلاثاء في افتتاحياتها أن التمثيل العربي والدولي الكبيرين في مؤتمر المعارضة الإيرانية "يعكس حالة الامتعاض الكبيرة من النظام القائم في طهران وممارساته الإرهابية بحق شعبه وجيرانه العرب والمسلمين".

وعلى مدى يومي 9 و10 يوليو/تموز استضافت العاصمة الفرنسية باريس فعاليات مؤتمر المعارضة الإيرانية السنوي بمشاركة أكثر من 100 ألف من أبناء الجاليات الإيرانية المنتشرة في مختلف دول العالم، وبحضور عربي ودولي كبير.

واستقطبت على وجه خاص مشاركة الأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية الأسبق في هذا المؤتمر السنوي لأول مرة، الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة ولا سيما داخل الإعلام السعودي الرسمي والخاص.

ودعت مريم رجوي رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في كلمتيها لها خلال افتتاح وختام المؤتمر إلى "إسقاط نظام ولاية الفقيه في إيران".

وغازلت رجوي السعودية في كلمتيها من خلالها إعلانها دعم عاصفة الحزم واتهامها طهران بارتكاب جرائم في سوريا والعراق والتدخل في شؤون المنطقة، واعتبارها أن عاصفة الحزم أفشلت خطط نظام طهران في اليمن وأثبتت وهنه.

بدوره، خاطب الأمير تركي الفيصل المشاركين في مؤتمر المعارضة، قائلا لهم "إن كفاحكم المشروع ضد نظام الخميني سيبلغ مرماه عاجلا وليس آجلا".

وبين أن "الانتفاضات في أنحاء إيران اشتعلت ونحن في العالم الإسلامي نقف معكم قلبا وقالبا نناصركم وندعو الباري عز وجل أن يسدد خطاكم".

وحينما ردد الـ100 ألف مشارك في المؤتمر هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام"، رد عليهم الفيصل، قائلا "وأنا أريد إسقاط النظام".

وأيدت الصحف السعودية في مقالاتها وافتتاحياتها الثلاثاء مطلب إسقاط النظام الذي رفعته رجوي والأمير تركي الفيصل، فيما أثنى أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، على الحضور الجريء للأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية بباريس، محملا إيران المسؤولية بسبب سياساتها.

وقال قرقاش عبر حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" "الحضور الجريء للأمير تركي الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية يأتي بعد (نفاذ) صبر أشبه بصبر أيوب، منطق التدخل ولغته المذهبية وعدم إحترام الجيرة مسؤول".

وفي تعليقه على دلالة مشاركة الفيصل في مؤتمر المعارضة الإيرانية، أكد المحلل السياسي السعودي جمال خاشقجي "الأمير تركي الفيصل حضر المؤتمر بصفته الشخصية، فهو مسؤول سابق في الحكومة السعود وحاليا يترأس مركز الملك فيصل للدراسات والأبحاث، والأمير تركي تلقى دعوة واستجاب له امثله مثل سياسيين آخرين وأعضاء في حكومات مختلفة شاركوا في المؤتمر، فلا يعني حضوره أن السعودية خلف المؤتمر فهذا المؤتمر كان سيعقد بغض النظر عن حضور الأمير تركي أو عدم حضوره".

وقال خاشقجي "ولكن لا شك أن حضوره لفت الانتباه، وأنا أميل أن العلاقات السعودية الإيرانية بلغت من السوء بحيث ان السعودية ضاق بها، والمزاج العام السعودي الرسمي والشعبي يقبل بمخاطبة المعارضة الإيرانية، وهذا انعكس على الصحافة السعودية التي أبرزت مشاركة الأمير تركي الفيصل".

وأضاف "لكن السعودية ايضا تتميز بالتزامها الصارم بالشرعية الدولية، بمعنى أنها لا تتدخل في الشؤون الإيرانية بالطريقة الإيرانية، بمعنى أنها لا ترسل أسلحة لمعارضة هناك أو تدعم حركات انفصالية لأن هذا يخالف الشرعية الدولية، بينما إيران تفعل هذا طولا وعرضا".

وفي إطار هذا التوجه، قال خاشقجي أنه لا يستبعد استقبال شخصيات إيرانية معارضة في الرياض، قائلا "ان تستقبل السعودية شخصيات من المعارضة الايرانية، لن أستبعد هذا، لا أقول أنه سوف يحصل ولكن أعتقد انه مقبول".

وأوضح المحلل السياسي السعودي "أعتقد انه مقبول أن تبدأ السعودية في مخاطبة المعارضة الايرانية المعتبرة، وذلك لأمرين: الأول لإعلاء قيمة المعارضة الإيرانية في الداخل الإيراني وخارجه والحق أن هناك معارضة إيرانية واسعة جدا في داخل وخارج إيران ومن اطياف عدة، وهذا ناتج عن سوء الوضع في إيران، والنظام القمعي السائد هناك، والدلالة (على ذلك) ما رايناه في باريس حضور هائل من الإيرانيين".

وتابع "الأمر الثاني الذي نستفيد منه من مخاطبة المعارضة -وليس دعمها - هو ان نشعر إيران بأن بإمكاننا أن نفعل مثل ما تفعلين، ولكننا نحفظ حق الجيرة".

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" عن مصدر بوزارة الخارجية الإيرانية لم تذكر اسمه قوله إن "السعوديين يلجأون لإرهابيين معروفين.. كما فعلوا أيضا في العراق واليمن وسوريا.. هذا يوضح أنهم يستخدمون الإرهاب والإرهابيين لتمرير أهدافهم ضد الدول الإسلامية في المنطقة."

وعن قراءته لتداعيات وانعكاسات تلك المشاركة بعد اتهام مسؤول بوزارة الخارجية الإيرانية السعودية بدعم ما وصفه "الإرهاب" لمشاركته في المؤتمر، قال خاشقجي "العلاقات السعودية الإيرانية بلغت أدنى مستوياتها، فلا يوجد أسوأ مما هو قائم حاليا، إلا لا قدر الله المواجهة المباشرة، وأستبعد ذلك لأن هناك توازن ردع مشترك، لكن المواجهة حاصلة في سوريا واليمن، ولكن الذي يسأل عن تصعيد أكثر، أقول له ما الذي بقي من السوء لم تفعله إيران حتى الآن".

وتشهد العلاقات بين السعودية وإيران، أزمة حادة، عقب إعلان الرياض في 3 يناير/كانون ثان الماضي قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الأخيرة، على خلفية الاعتداءات التي تعرضت لها سفارة المملكة، في طهران، وقنصليتها في مدينة "مشهد" شمالي إيران، وإضرام النار فيهما، احتجاجا على إعدام "نمر باقر النمر" رجل الدين السعودي (شيعي)، مع 46 مدانا بالانتماء لـ"التنظيمات الإرهابية".

واستبعد خاشقجي أن يكون لهذا المؤتمر تأثير في تغيير سياسات لإيران في المنطقة.

وقال "طهران محركاتها أصولية طائفية متعصبة، والسلطة في إيران غارقة في الخرافة، وفي الإيمان بأنه لها دور رسالي مسدد من إمام مهدي غائب، لذلك أشك أن الإيرانيين الحاليين في الحكم أن يجروا تغيير في سياساتهم، ما لم يستطع الإصلاحيون الصعود وممارسة ضغط".

ودعا إلى عدم الاكتفاء بمخاطبة الخارج، وإنما "مخاطبة المعارضة في الداخل أيضا"، معتبرا المؤتمر "أداة من أدوات الضغط وخطوة في رحلة طويلة جدا".

بدورها اعتبرت جريدة "الرياض" السعودية في افتتاحيتها التي جاءت تت عنوان "إيران تدير ظهرها لأبنائها"، وكتبها الكاتب أيمن الحماد أن التمثيل العربي والدولي الكبيرين في مؤتمر المعارضة " يعكس حالة الامتعاض الكبيرة من النظام القائم في طهران وممارساته الإرهابية بحق شعبه وجيرانه العرب والمسلمين".