زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين

كاتب اميركي يقول بما أنه قد كتب عن معاناته الشخصية حين كان جريحا صار الجرحى يراسلونه وتلقى اتصالا من رجل جريح ومشلول ويعتقد بأن أسوأ النصائح هي التي تقترح عليك بأن الحادث الذي تعرضت له هو أفضل شيء حدث في حياتك.

سأل المشلول الكاتب هل أَنتحر؟ الكاتب قال أنت حر فأنا لست ضد الفكرة ولكن حاول شيئا آخر. قام الرجل بتعليم الرياضيات لأقاربه ولكنه انتحر بعد اربعة شهور. جريح آخر عاش ولم ينتحر رغم الشلل لأنه وضع لنفسه أهدافا صغيرة. مثلا يطلب منهم وضع ثيابه على الارض وهو يزحف ويدخل فيها دون مساعدة وقد يستغرق الأمر 45 دقيقة، ولكنه في كل مرة يحاول جعلها أقل بدقيقة، ويعتبر ذلك دليلا على التحسن.

يقول الكاتب إن التفكير بمعنى الحياة يجعلنا غير قادرين على الاستمرار فيها، الأشياء الصغيرة هي التي تجعل الحياة محتملة. إنه عصر القلق فلم يكن الانسان فيما مضى يعيش مشكلة من هذا النوع.

الدين رغم مشاكله وكراهيته للكفار الذين لا يؤمنون به أو للاديان الاخرى ورغم أن الدين ليس شيئا ملموسا لكنه قدم للبشر فرصة لحياة اجتماعية حقيقية. الدين جمع البشر، بينما الفكر الحر أو العالم الحر أدى الى الوحدة والقلق.

انظر الى الشيعة في العراق. إنهم متحمسون جدا لعقيدتهم وسبب هذه الحماسة هو الخوف. الخوف من العدو المجهول ومن الجوع ومن الوحدة. يواجهون الخطر معا ورغم أنهم جميعا ينتقدون بعضهم البعض بشتى الوسائل ولكن هذا لم يؤثر على تمسكهم بالعيش معا كمجتمع لها أسطورة تجمع أفراده وترصهم.

"داعش" في الموصل هي في النهاية سني عراقي "ينتحر" ويفجر نفسه. إنه معزول ومحاصر ومقتنع بأنه لا معنى لحياته. فمن أين يأتي الخير؟ إذا كانت الدولة بيد طائفة حيوية وقوية وتعزل طائفة أخرى وتزرع في داخلها الشكوك فهذا بعثي وهذا صدامي وهذا ارهابي وهذا داعشي.

إن قضية زيارة الكاظم مثلا والحديث عن عشرة ملايين شيعي من جميع أنحاء العالم لستة ايام ببغداد قضية حزينة، لأن المقصود ترسيخ هوية مذهبية في العاصمة والغاء هويات أخرى في بغداد.

زيارة الكاظم تجري بدعم وتنظيم من الدولة ومن ايران والحوزات بتخفيض الحجوزات الجوية الى بغداد على الزائرين. والنتيجة هي اعادة العراق الى اللحظة التي فجرت الارهاب من البداية وهي الزيارات المليونية.

كيف يمكن للعيش المشترك أن ينجح إذا هناك زيارات مليونية شيعية في العاصمة؟ ثم ان أحدا لا يناقش الاكتئاب السني العراقي بسبب هذا البلاء المليوني الشيعي. إنهم يهربون من بلادهم دون رغبة حتى بالعودة وزيارة الوطن ولا يفكرون ببلادهم الا كذاكرة سببت لهم صدمة.

الخوف من الكواتم وفرق الموت والاختطاف والتهجير والاغتصاب هذه المشاعر هي بالنهاية خلقت داعش. المقصود هو أن الشيعي لا يشعر بالكآبة لأنه يحتال عليها بالحياة الاجتماعية والعيش داخل حكاية مذهبية. فقد امتلكوا الدولة والدين. أما السني العراقي فيعيش حالة من الكآبة العميقة لخسارته الدولة والدين ويعيشون كجماعات مهزومة في حالة تناحر، وحتى في منافيهم يخيفهم التفكير بالمرض والفقر والوحدة.

لا يمكن لمجتمع كهذا أن يتوقف عن الانتحار تحت هذه الضغوط. فإما أن تتدخل الولايات المتحدة لإيجاد حلول حقيقية أو نقلب صفحة بتحرير الموصل لنفتح صفحة جديدة من التطرّف السني. إن رفضنا للأشياء لا يعني الامتناع عن فهمها.