في محبة يوسف الشاروني .. ذكرياتي مع أخي

المبدع الناقد الإنسان

أبدأُ بصورةٍ انطبعَتْ فى ذاكرتى لا تمحوها الأيامُ، حدثت في منتصفِ الأربعينياتِ من القرن الماضي:

* اقتربَ موعدُ السفرِ، وتَهيَّأ الأخُ الأكبرُ للخروجِ بصحبةِ الصديقَيْنِ أحمد بهاءِ الدينِ وفتحى غانم ليكونا فى وداعِهِ، وهو مسافرٌ إلى السودانِ حيث سيعملُ مدرسًا فى الخرطومِ.

لكن المفأجاةَ كانَتْ في انتظارِ الصديقَيْنِ، فقد ارتفعَتْ حرارةُ الأخِ الأكبرِ مع آلامٍ شديدةٍ في المعدةِ.

وبدلاً من الذهابِ إلى محطةِ القطارِ المُتَّجهِ إلى أسوانَ (وبعدها الباخرةِ المتجهةِ إلى السودانِ)، ذهبَ الأصدقاءُ الثلاثةُ إلى الطبيبِ.

لم يجدِ الطبيبُ سببًا مُحدَّدًا للمرضِ.

بعدَ ساعاتٍ قليلةٍ، عندما فاتَ موعدُ القطارِ، اختفَتْ كلُّ أعراضِ المرضِ.

قالَ الطبيبُ ضاحكًا: "إنكَ نفسيًّا لم تستطعْ الابتعادَ عن كتبِكِ وأصدقائِكَ بالقاهرةِ!"

قالَ الصديقانِ: "بل قُلْ هى حساسيةُ الأديبِ الفنانِ، فهو "عريسٌ" جديدٌ، رأى أن يسبقَ عروسَهُ، لكنْ يبدو أنه لا يرغبُ فى السفرِ إلا وهى معَهُ!"

- هذه حادثةٌ لا أنساها، عاشَها فى بداية حياتِه العملية أخي الأكبرُ يوسفُ الشاروني، الذي ملأ حياتي منذُ كنتُ في المدرسةِ الابتدائيةِ، بكتبِ الأدبِ والنقدِ والفلسفةِ وعلمِ النفسِ، وبأحاديثِهِ مع أصدقائِهِ الذين تألَّقوا معه جميعًا في سماءِ الأدبِ والفكرِ والفنِّ، ومن بينهم الأساتذةُ أحمدُ بهاءُ الدين وفتحي غانم وأنيس منصور وعبدالرحمن الشرقاوي ود. مصطفى سويف وبدر الديب.

***

إنها صورةٌ تكشفُ، على نحوٍ مكثفٍ، عن جوانبَ مختلفةٍ تُفصِحُ عن شخصيةِ أخي الكاتبِ الكبيرِ وأولِ أساتذتي، يوسف الشاروني.

ذلك أنني عندما كنتُ في الرابعةِ الابتدائيةِ، كانَ أخي الأكبرُ يوسفُ في السنةِ الأولى بقسمِ الفلسفةِ وعلمِ النفسِ في كليةِ الآدابِ بجامعةِ فؤاد الأول (القاهرة الآن) .

وهكذا امتلأ البيتُ حولي، منذ بلغتُ العاشرةَ من عمري، بالمسرحياتِ والرواياتِ التي كانت قد صدرَتْ في ذلك الوقتِ (1941 - 1945) لتوفيق الحكيم، الذي تعلمنا منه جميعًا فنَّ الحوارِ وأسرارَه، وبكتبِ علمِ النفسِ للدكتور يوسف مراد، وكتبِ الفلسفةِ للدكتورِ عثمان أمين حتى إنني كنتُ واحدًا من ثلاثةٍ نجحوا وحدَهم على مستوى مصرَ، في مسابقةِ الفلسفةِ التي كانت تقيمُها وزارةُ التربيةِ والتعليمِ لطلابِ السنةِ النهائيةِ من التعليمِ الثانوي.

وأذكر، عندما أحضرَ لي أخي يوسف رواياتِ نجيب محفوظ الأولى، وأنا في بداية المرحلة الثانوية، (وكان عمري 11 سنة)، أنه قالَ كأنما يتنبأ: "إنه أعظمُ كاتبِ روايةٍ باللغةِ العربيةِ، وقد يحصلُ يومًا على جائزةِ نوبل". ولعله قالَ هذه العبارةَ ليثيرَ حماسي لكاتبٍ لم أكن قد قرأت له من قبلُ، لكنني كنتُ أتذكرُها دائمًا كلما انتهيتُ من قراءةِ إحدى رواياتِ كاتبِنا الكبيرِ.

وعندما حصلَ أستاذُنا نجيب محفوظ على الجائزةِ عامَ 1988، استعدتُ بقوةٍ كلماتِ أخي يوسف الشاروني، الذي أدركَ بحسِّه الفني المُرهَفِ أننا أمامَ روائي مصري يستطيعُ أن يضارعَ أكبرَ أدباءِ العالمِ.

وكان أخي يوسف هو الذي اصطحبَني إلى أولِ لقاءٍ لي مع كاتبِنا الكبيرِ نجيب محفوظ، عندما كان يعقدُ ندوتَه الأسبوعيةَ بكازينو أوبرا في وسطِ القاهرةِ.

* أصدقاءُ يوسف الشاروني:

كذلك امتلأ بيتُنا بعددٍ كبيرٍ من أصدقاءِ أخي يوسف، مما أتاحَ لي الاستماعَ، في تلك السنِّ المبكرةِ، إلى كثيرٍ من المناقشاتِ والآراءِ، وقراءةَ عددٍ كبيرٍ من المخطوطاتِ لأعمالٍ أدبيةٍ وفي مجالِ الدراساتِ النفسيةِ، مما صقلَ موهبتي الأدبيةَ، وأثارَ اهتمامي المبكرَ بقضايا وحقائق نفسية وتربوية وآراءٍ متعددةٍ ما كان يمكنُ أن يتعرفَ عليها من كانوا فى مثلِ سنِّي في ذلك الوقتِ، وأفادَني هذا كثيرًا وأنا أكتبُ بعدئذٍ للأطفالِ والشبابِ الصغيرِ، كذلك وأنا أختار كتبي لمكتبتي الخاصة.

- ومن بيــنِ ما أذكــرُه، أنه في حوالَــي عام 1951، عندمــا كنتُ طالبًا في السنةِ النهائيةِ بكليةِ الحقوقِ بجامعةِ القاهرةِ، أعطاني أخي يوسف رسالةً وصلَتْ إليه من باريسَ. كانَ الشاعرُ الكبيرُ الأستاذُ عبدُالرحمنِ الشرقاوي في بعثةٍ إلى باريسَ لمدةِ عامٍ، وأرسلَ من هناك إلى أخي يوسف مخطوطَ قصيدتِه الرائعةِ "من أبٍ مصري إلى الرئيسِ ترومان" - وكعادةِ أخي أشركَني معه في الاستمتاعِ بالقصيدةِ وتذوقِها، لكي يرسلَ بعدئذٍ انطباعَه عنها إلى صديقِه، الذي أصبحَ من أعلامِ الشعرِ والروايةِ في مصرَ والعالمِ العربي.

وهكذا كان أخي الأكبر يساهمُ في تنميةِ تذوقي للشعرِ وغيرِه من الفنونِ، ومن أهمها القصة، كما ساهمَ في تنميةِ جوانبَ أخرى متعددةٍ من حياتي وحياةِ إخوتي، بل وحياة عدد كبير من شباب المبدعين.

* يوسفُ والثقافةُ الموسيقيةُ:

وكانت الثقافةُ الموسيقيةُ من بينِ الخبراتِ المبكرةِ التي أتاحَها يوسف الشاروني لي ولإخوتي في ذلك الزمنِ المبكرِ من حياتِنا.

لقد لاحظَ عددٌ كبيرٌ من النقادِ، أنه توجدُ في كثيرٍ من قصصِ الشاروني "ألحانٌ متقابلةٌ"، أو نغمةٌ أساسيةٌ أو رئيسيةٌ، تعقبُها وتحيطُ بها تداعياتٌ تنتقلُ بالقصةِ من الخاصِّ إلى العامِّ، أو من العالمِ الخارجي إلى العالمِ الداخلي، أو العكسُ، ثم لا تلبثُ النغمةُ الرئيسيةُ أن تعودَ أكثرَ قوةً ووضوحًا، وهو ما اعتدْتُ أن أسمِّيَه "تنويعاتٍ ومقابلاتٍ على اللحنِ الأساسي".

والحقيقةُ أن ملاحظاتِ هؤلاء النقادِ حولَ المقارنةِ بين قصصِ يوسف الشاروني والأعمالِ الموسيقيةِ صادقةٌ جدًّا، وإن كانوا لا يعرفونَ أن مصدرَها هو ثقافتُه الموسيقيةُ المبكرةُ، التي تذوقْناها معه، نحن إخوتُه، انطلاقًا من غرفتِه في بيتِنا الذي نشأنا فيه معًا.

- وبهذه المناسبةِ أذكرُ أن والدَنا، عندما قررَ الإقامةَ بالقاهرةِ، وتَركَ الريفَ و"شارونة" بصعيدِ مصرَ، اصطحبَ معه بعضَ قيمِ الريفِ، ومنها الحرصُ على كثرةِ الأبناءِ، فكنا تسعةً، يوسفُ ثالثُهم وأنا سادسُهم.

كذلك حرَصَ والدُنا على بناءِ بيتٍ متسعٍ وسطَ قطعةِ أرضٍ كبيرةِ المساحةِ، بها كرمُ عنبٍ ونخيلٌ وأشجارُ سنط، وحديقةٌ نزرعُها ونلعبُ فيها، لأن الرجلَ في الريفِ تلازمُه الرغبةُ في امتلاكِ مساحةٍ من الأرضِ الزراعيةٍ. وعندما ينتقل إلى المدينةِ، يكون البديلُ عن الأرضِ أن يمتلكَ بيتًا متسعًا، أتاحَ أن يستقلَّ كلُّ واحدٍ من الأبناءِ بغرفةٍ مخصصةٍ له.

وفى غرفةِ يوسف، شاهدْتُ مكتبتَه تتكونُ خطوةً بعدَ خطوةٍ، أو كتابًا بعدَ كتابٍ، فكانَ أولُ شىءٍ حاولتُ أن أتمثلَ به أن أنشئَ لنفسي مكتبةً، بل حاولَ كلُّ واحدٍ من إخوتي أن تكونَ له مكتبتُه الخاصةُ في غرفتِه منذ سنواتِه المبكرةِ، إلى أن أصبحَتِ المكتبةُ تملأ معظمَ غرفِ بيوتِنا حاليًّا، وكانَ هذا من أهمِّ نتائجِ القدوةِ التي قدمها لنا الأخُ الأكبرُ، بعد الوالدِ الذي كان يمتلكُ أيضًا مكتبةً خاصةً، ونراه دائمًا مشغولاً بالقراءةِ أو الكتابةِ.

* يوسفُ "وجمعيةُ الجرامافون":

- وعندما كان أخي يوسفُ طالبًا فى كليةِ الآدابِ، كانت هناك جمعيةٌ اسمُها "جمعيةُ الجرامافون" لتنميةِ التذوقِ الموسيقي. كانت تجتمعُ في بيوتِ الأعضاءِ بصفةٍ دوريةٍ. والحقيقةُ أنني لم أكن قد استمعتُ إلى الموسيقى الكلاسيكيةِ بقصدٍ، قبل أن أستمعَ من أخي عن تلك الجمعيةِ عندما كان عمرى 11 أو 12 عامًا.

وذاتَ يومٍ أعلنَ لنا أخي يوسفُ أنه جاءَ الدورُ على بيتِنا، وأن أعضاءَ الجمعيةِ سيجتمعون في غرفتِه للاستماعِ إلى الموسيقى المسجلةِ على أسطواناتٍ. وأحضرَ أخي الأسطواناتِ وجهازَ تشغيلِها (الجرامافون أو البيك آب)، واستمعنا إليها مرارًا قبلَ وبعدَ مجىءِ زملاءِ يوسف (في الجامعةِ)، ومن بينها السيمفونيةُ الخامسةُ لبيتهوفن، وشهر زاد لريمسكى كورساكوف. وقد حفظْنا أنا وأخي صبحى (الدكتورُ صبحى الشاروني الناقدُ التشكيلي) مقطوعاتٍ كثيرةً مما سمعْنا، وأخذنا نرددُها في البيتِ ومع الأصدقاءِ.

وبدأ يوسفُ يكشفُ لنا أسرارَ القصائدِ السيمفونية، وكيف أنها تدورُ حول لحنٍ أساسي يترددُ خلالها، لكنه يُفسحُ الطريقَ لغيرِه من النغماتِ، ويكونُ التناسقُ أو التناغمُ أو الهارموني هو الذي يحققُ الوحدةَ والتماسكَ بين أجزاءِ العملِ الموسيقي ويعطى له أثرَه الكلي. وقد دفعَني هذا إلى الحرصِ بعدئذٍ على الاستماعِ إلى البرنامجِ الموسيقي بالإذاعةِ، وقراءةِ الدراساتِ التي تساعدُ على تنميةِ التذوقِ الموسيقي.

هذه الثقافةُ الموسيقيةُ انعكسَت بوضوحٍ على البناءِ المتناسقِ الذي نجدُه في عددٍ كبيرٍ من قصصِ يوسف الشاروني، رغمَ اختلافِ النغماتِ ما بين العالمِ النفسي للبطلِ والعالمِ الخارجي، أو ما وصفَه أستاذُنا يحيى حقي بأنها قصصٌ "ذاتُ بعدَيْنِ"، وهو ما جعلَ عددًا من النقادِ، كما ذكرتُ، يشبهون قصصَ يوسف الشاروني بالأعمالِ الموسيقيةِ، وهم لا يعرفون أن يوسف الشاروني قد تأثر كثيرًا في هذا بثقافتِه الموسيقيةِ، التي بدأت في الجامعةِ، ونقلَها بوعىٍ لمن حولَه، والتي طالما حدثتُ نفسي أنها هي التي أوحت إليه بهذا الشكلِ الجديدِ الحديثِ لقصصِه.

* التناغمُ والتمردُ في قصصِ يوسف الشاروني:

- واللافتُ للنظرِ أنه مع هذا التناغمِ الذي يقومُ عليه عددٌ كبيرٌ من قصصِ يوسف الشاروني، فإن هذا هو الشكلُ الذي اختاره ليعبرَ من خلالِه في معظم قصصِه عن "التمردِ".

إن شخصيةَ يوسف الشاروني، على الرغمِ مما كانَ يبدو عليه شخصيًّا من هدوءٍ، حافلةٌ بالتمردِ. لقد تمردَ يوسفُ أصلاً على الشكلِ الواقعي للقصةِ، كما تمردَ على الشكلِ الرومانسي، وبدأ كتاباتِه القصصيةَ الأولى بالقصةِ الحداثيةِ، وبأكثرِ الأساليبِ معاصرةً في القصةِ القصيرةِ، حتى أطلقَ عددٌ من أهمِّ النقادِ على كتاباتِه أنها "قصصٌ تجريبيةٌ أو تعبيريةٌ".

- أما من ناحيةِ الموضوعِ، فإن روحَ التمردِ هذه تسفرُ عن نفسِها بوضوحٍ في شخصياتِ وموضوعاتِ قصصِه، خاصةً في مجموعتِه القصصيةِ الأولى "العشاقُ الخمسةُ"، ويظهرُ التمردُ هنا كنوعٍ من الاحتجاجِ على ما يحيطُ الإنسانَ من ضغوطٍ وأوضاعٍ وتحدياتٍ .. إنه تمردٌ على الواقعِ الذى تعيشُه الشخصياتُ، وتسعى إلى تغييرِه.

- ولعلَّ أوضحَ مثالٍ على ذلك قصتُه "مصرعُ عباس الحلو". إنها قصةُ إنسانٍ يريدُ أن يتحررَ من واقعٍ يرفضُه. إنسانٍ يعيشُ حياةً رتيبةً خاملةً ليس لها هدفٌ، ثم يتحولُ نتيجةَ الحبِّ والطموحِ إلى إنسانٍ متمردٍ، يرتكبُ الفعلَ الإيجابي عندما يحاولُ القضاءَ على مَن حاولَت، ومَن حاولوا معها، إحباطَ مشروعِه للتحررِ .. عندئذٍ يشعرُ أنه حصلَ على قمةِ تحررِه، وساهمَ في تحررِ العالمِ كلِّه .

- ومن خلالِ هذا التناغمِ بين العالمِ النفسي الداخلي والعالمِ المرفوضِ الخارجي، ومن خلالِ هذا التمردِ والاحتجاجِ والرفضِ الذي تعبرُ عنه الشخصياتُ، في بناءٍ فني متكاملٍ، نجدُ أنفسَنا أمام أعمالٍ فنيةٍ توحي بمواقفَ إيجابيةٍ تعطي الأملَ في التغييرِ وتحثُّ عليه. إنها احتجاجُ على الواقعِ، قد يفقدُ فيه البطلُ الحبَّ أو الحياةَ أو العقلَ، لكنَّ قصصَ يوسف الشاروني، من خلالِ ذلك كلِّه، وبما يختارُ الكاتبُ من ألفاظٍ وعباراتٍ وصياغةٍ، تؤكدُ دائمًا، ومن خلال الفنِّ، أنه في قدرةِ الإنسانِ أن يغيرَ دائمًا هذا الواقعَ إلى الأفضلِ.

***

لقد وجدتُ دائمًا، أنه بالرغمِ من البناءِ الفني المحكمِ لمعظمِ قصصِ يوسف الشاروني، فإنه يوجَدُ خلفَ كلِّ قصةٍ شيء يريدُ أن يقولَه. وأوضحُ هذه الأشياءِ، أنه في قدرةِ الإنسانِ أن يغيرَ الأوضاع التي تقيدُه وتكبلُه والتي لا يرضَى عنها.

- نؤكدُ هذا بمثالٍ آخرَ من قصةِ "رسالةٌ إلى امرأةٍ"، في مجموعتِه القصصيةِ الثانيةِ. إننا نرَى فيها بوضوحٍ صورةً أخرى من صور الدعوةِ إلى التمردِ، فهي من أوائلِ القصصِ في اللغةِ العربيةِ التي عبرت عن حاجةِ المرأةِ إلى التمردِ والتحررِ، وضرورةِ هذا التمردِ.

إن قصةَ "رسالةٌ إلى امرأةِ"، تتوجهُ مباشرةً إلى المرأةِ، لكي تغيرَ من واقعِها الذي تستسلمُ فيه إلى المصيرِ الذي يفرضُه الغيرُ عليها.. مصيرٍ يرسمُه أفرادُ الأسرةِ ولا تملكُ أمامَه شيئًا. لقد استسلمت بطلةُ القصةِ، لكن القصةَ نفسَها تؤكدُ أن في استطاعةِ المرأةِ أن تقاومَ وأن تنتصرَ.

- كذلك قصةُ "الحذاء" التي نشرَها يوسف عام 1951، وتدور حولَ رجلٍ يستخدمُ حذاءً قديمًا، تصيبُه الشقوقُ ويتمزقُ مرةً بعد أخرى، فيذهبُ إلى الإسكافي لإصلاحِه .. وبعدَ أن تكررَ الأمرُ عدةَ مراتٍ، صارحَه الإسكافي: "ما فيش فايدة .. لازم جزمة جديدة". ومن الواضحِ أن القصةَ تقول إنه أحيانًا لا ينفعُ الترميمُ، وإنه لا بد من التغييرِ الشاملِ.

* جذورُ التمردِ والدعوة إلى التغيير في حياةِ يوسف الشاروني:

ومع ذلك فإن عددًا من النقادِ، أو من تناولوا قصصَ الشاروني بالتعليقِ، قد ركزوا معظمَ ملاحظاتِهم على أن "الشاروني قادَ وأثرَى الجانبَ التعبيري في القصةِ" (اقرأ شعبان يوسف - كتاب رسالة إلى امرأة - ص 172 ).

وأفاضوا في الحديثِ عن الابتكارِ في المعالجةِ، وقوةِ التأملِ، وسردِ المشاعرِ والأحاسيسِ التي تدورُ في نفسِ الإنسانِ (د. ريمون فرنسيس).

بل يقولُ الناقد شعبان يوسف: "إن القصةَ عند يوسف الشاروني ليست منطويةً على هدفٍ معينٍ سياسيًّا أو إصلاحيًّا".

لذلك أجدُ من المهم الكشفَ عن جذورِ "التمردِ" في حياةِ يوسف الشاروني وقصصِه. وعما يوجدُ خلفَ كلِّ قصةٍ من شيء يريدُ أن يقولَه، وعلى وجهٍ خاصٍّ قدرةُ الإنسانِ على أن يغيرَ الأوضاعَ التي لا يرضَى عنها.

في عامِ 1942، عندما كنت في العاشرةِ من عمري، في السنةِ الرابعةِ الابتدائيةِ (وكانت نهاية المرحلة الابتدائية)، كان أخي يوسف قد أتمَّ السنةَ الأولى من دراستِه بقسمِ الفلسفةِ وعلمِ النفسِ بكليةِ الآدابِ بجامعةِ القاهرةِ.

وعند بدايةِ العطلةِ الصيفيةِ، اتفقَ مع عددٍ من زملائه أن يذهبوا إلى مدينةِ التلِّ الكبيرِ، لتجربةِ العملِ في المتاجرِ التي كانت تبيعُ كلَّ شيء للجنودِ الأجانب الذين كانوا يتمركزون، خلال الحرب العالمية، في المدنِ الممتدةِ على طولِ قناةِ السويسِ والقريبةِ منها.

سافرَ في الصباحِ.. وعندَ منتصفِ الليلِ، فوجئنا، في بيتِنا، بطرقاتٍ عنيفةٍ على بابِ البيتِ .. فزعنا من نومِنا منزعجينَ، وما إنْ فتحنا البابَ، حتى اندفعَ إلى الداخلِ مجموعةٌ من الرجالِ، بعضُهم يرتدى البدلةَ وبعضهم الملابسَ البلديةَ، ومعهم عددٌ من جنودِ الشرطةِ .. انتشروا بغيرِ استئذانٍ، في كلِّ أنحاءِ البيتِ .. وفجأة سألَ أحدُهم - اتضح فيما بعد أنه من ضباطِ القسمِ السياسىِّ - أين المدعُوُّ يوسف؟

وهكذا اكتشفنا، والدي ووالدتي ونحن إخوتُه وأخواتُه الصغارُ، أن كلَّ هذا العددِ الذى اقتحمَ بيتَنا، إنما يبحثُ عن أخي الذي لم يكن قد بلغ بعدُ السابعةَ عشرةَ من عمرِه، والذي ذهبَ وحده في أولِ مغامرةٍ له ليجربَ عالمَ العملِ أو الوظيفةَ.

لكن .. لماذا ؟

لم يحاولْ أحدٌ أن يجيبَ عن تساؤلاتِنا.

أخبرَه والدي أن يوسف سافرَ في الصباحِ إلى التلِّ الكبيرِ ليشتغلَ. طلبوا عنوانَه، لكننا كنا في انتظارِ أن يرسل إلينا عنوانَه عندما يستقرُّ هناك. سألوا عن المكانِ المخصصِ في البيتِ لنومِه، والمكتبِ الذي يراجعُ فوقه موادَّ دراستِه، فأرشدَهم والدي إلى غرفتِه المخصصةِ له في الدورِ الأرضي من منزلِنا.

اندسستُ أراقبُهم يـُقَلِّبون في كلِّ شيء، وعلى وجهٍ خاصٍّ الكتبُ التي جمعَها أخي في الدولابِ الذي خصصَه ليكونَ "مكتبتَه".

لكن ما أثارَ دهشتي، أنهم اتجهوا إلى "سلةِ المهملاتِ"، فأفرغوها فوقَ مكتبِه، وراحوا يقلبون في كلِّ قطعةِ ورقٍ ممزقةٍ في السلةِ، يقرءونها باهتمامٍ، ثم حفظوها معهم باهتمامٍ!

سألت نفسي: "هل يمكنُ أن يكونَ في مثل هذا الورق المُهْمَلِ، سببٌ لكلِّ هذا الغزوِ المفاجئِ لبيتِنا؟!"

وعندما تجمعوا لينسحبوا، تصورت أن الغزوَ انتهى، لكنهم تركوا وراءهم رجلَ شرطةٍ جلس على مقعدٍ أمامَ مدخلِ بيتِنا، للقبضِ على يوسف إذا حدثَ وعادَ إلى البيتِ!

وبعدَ أيامٍ، اختفَى رجلُ الشرطةِ، ففهمنا أن شيئًا قد حدثَ!

وانطلق أبي إلى أحدِ المحامين، فعرف أنه تم القبضُ على يوسف، وإحضارُه إلى القاهرةِ من التلِّ الكبيرِ، ثم أودعوه مركزَ الشرطةِ إلى أن تُتِمَّ النيابةُ تحقيقاتِها معه.

تحقيقاتٌ حول ماذا؟ لم نصل إلى أحدٍ ليجيبَ عن سؤالِنا.

أخيرًا عرفنا أنه صدر قرارٌ بحبسِه تحتَ التحقيقِ في سجنِ مصرَ بجوارِ قلعةِ القاهرةِ، بعد أن تم اتهامُه "بالانضمامِ إلى جماعةٍ تهدفُ لقلبِ نظامِ الحكمِ" - وذلك بعد أن اكتشفوا أنه حضر ندوةً أو محاضرةً قيلت فيها أشياءُ وصفوها بأنها "خطيرةٌ".

وقضى يوسفُ تسعةَ أشهرٍ في "قرميدان" تحتَ التحقيقِ. وسأل والدي المحامي: "ما هي العقوباتُ المتوقعةُ لمثلِ هذه التهمةِ؟". وعاد والدي إلى البيتِ مهمومًا، فقد قال له المحامي "العقوبةُ قد تصلُ إلى الإعدامِ أو الأشغالِ الشاقةِ المؤبدةِ!"

سألت نفسي: "هل تطاردُ السلطاتُ أخي بسببِ قصاصاتٍ ممزقةٍ وجدوها في سلةِ المهملاتِ بغرفتِه؟"

وبعد هذه الشهورِ الطويلةِ، أصدر قاضي التحقيقِ قرارَه بأنه لا وجه لإقامةِ الدعوى الجنائيةِ ضد أخي وبقيةِ زملائِه، فليست هناك أيةُ جماعةٍ، ولا اتفاقٌ جنائي، ولا محاولةٌ لقلبِ النظامِ، لكنهم طلبةٌ دفعهم حبُّ الاستطلاعِ إلى الذهابِ للاستماعِ إلى محاضرةٍ عن "العدلِ الاجتماعي".

وعندما عاد أخي في منتصفِ العامِ الدراسي التالي إلى الجامعةِ، اكتشفَ أن شهورَ السجنِ جعلت منه "بطلاً"، ينظر إليه الزملاءُ والزميلاتُ كرائدٍ في العملِ السياسي.

لقد ظنت أجهزةُ الأمن أنها لقنته مع زملائه درسًا عقابًا له لشغفِه بأن يعرفَ، وأن يتعرفَ على معنى "العدلِ الاجتماعي".

لكنني اكتشفتُ أن ما تعلَّمَه أخي يوسف كان شيئًا مختلفًا تمامًا عما قصدَتْ إليه أجهزةُ الأمنِ!

***

بعد أربعة أعوام، في عامِ 1946، قام إسماعيل صدقي رئيسُ الوزراءِ، بحملةٍ ضدَّ الصحفيينَ والمفكرين والكتابِ، وذلك عندما تحركَتِ المنظماتُ الشعبيةُ تعقدُ المؤتمراتِ وترتبُ المظاهراتِ احتجاجًا على فكرةِ تكوينِ "لجنةِ الدفاعِ المشتركِ" بين مصرَ وبريطانيا. وأصدرت اللجنةُ الوطنيةُ للعمالِ والطلبةِ بيانًا حددوا فيه يومَ 11 يوليو/تموز 1946 (ذكرى ضربِ الإنجليزِ للإسكندريةِ عامِ 1882) يومًا للحدادِ العامِّ وبدءِ الجهادِ الوطني.

وهنا أسفرَ صدقي عن وجهِه الحقيقي، وقامَ في اليومِ السابقِ على الإضرابِ، باعتقالِ حوالَي مائتين من الكتابِ والصحفيين وزعماءِ اللجنة الوطنية ونقاباتِ العمالِ والطلبةِ، وأغلقَ كثيرًا من دور النشرِ والجمعياتِ مثلِ اتحادِ خريجى الجامعةِ، ومؤتمرِ نقاباتِ عمالِ القطرِ المصري ورابطةِ بعثاتِ الجامعةِ والمعاهدِ، كما أغلقَ نهائيًّا عددًا من الصحفِ والمجلاتِ من بينِها الوفدُ المصري، وصادرَ لعدةِ أيامٍ جرائدَ المصري والكتلةِ ومصرَ الفتاةِ، ومنعَ الاحتفالَ بيومِ 11 يوليو/تموز.

وأَطْلَقَ على هذه الحملةِ (قضيةَ المبادئِ الهدامةِ)، وألصقَ بالمعتقلين تهمةَ الشيوعيةِ، وكان منهم سلامة موسى والدكتور محمد مندور ومحمد زكى عبدالقادر وغيرُهم.

وكانت هذه الحملةُ نقطةَ تحولٍ في أسلوبِ السلطةِ التنفيذيةِ، إذ جعلت تلك التهمةَ سيفًا مسلطًا على رقابِ كلِّ الوطنيين الذين يقفون موقفَ المعارضةِ لربطِ مصرَ بعجلةِ الاستعمارِ.

وأصدرَ صدقى بيانًا نشرته الصحفُ على صفحتين كاملتين، تبريرًا لفعلتِه، وتضمَّنَ البيانُ مقتطفاتٍ طويلةً مما نشرته الصحفُ والمجلاتُ التي أغلقَها أو صادرَها.

وفوجئنا نحن، إخوةُ يوسف، بأن البيانَ تضمَّنَ أكثَر من عشرةِ مقتطفاتٍ من مقالاتٍ نشرَها يوسف في عددٍ كبيرٍ من المجلاتِ التي تمَّ إغلاقُها، بعضُها كانَ موقعًا باسمِه، وعددٌ كبيرٌ منها بأسماءٍ مستعارةٍ.

وهكذا اكتشفنا أن شهورَ السجنِ كانت مدرسةً، قرأ فيها يوسف الكثيرَ، وسمعَ الكثيرَ، وشاهدَ أحوالَ المسجونين، تأمَّلَ وفَكَّرَ في الكثيرِ، فواصلَ على مدى أربعِ سنواتٍ تأكيدَ حقِّ المواطنِ في العدالةِ الاجتماعيةِ، مستخدمًا الكلمةَ والفكرةَ والقصةَ.

وتوقعنا أن تقتحمَ بيتَنا حملةٌ مشابهةٌ لحملةِ سنةِ 1942، لكنْ يبدو أن أحدًا لم يتوصلْ إلى صاحبِ الاسمِ الحقيقي للأسماءِ المستعارةِ للكتاباتِ التي كانت من بينِ ما استندَتْ إليه أجهزةُ صدقي في المصادرةِ والإغلاقِ.

***

هل أستطيعُ أن أقولَ أيضًا، إن أحدَ أهمِّ الآثار التي تركَها يوسف الشاروني فى إخوتِه، أن الناقدةَ الإيطاليةَ الدكتورة ماريا ألبانو، أستاذَ الأدبِ العربي في جامعةِ نابولي، والمتخصصةَ في دراساتِ أدبِ الأطفالِ في العالمِ العربي، كتبت عن يعقوب الشاروني تقولُ: "والفضلُ الكبيرُ للشاروني في إدخالِ الروايةِ الاجتماعيةِ في أدبِ الأطفالِ في العالمِ العربي". (يراجع كتابُ: القصةُ المصريةُ الحديثةُ للأطفالِ - تأليف د. ماريا ألبانو - الصادرُ عن الهيئةِ المصريةِ العامةِ للكتابِ - صفحة 27).

* جذورُ القلقِ في شخصياتِ قصصِ يوسف الشاروني:

وإذا كنا نجدُ جانبًا من شخصياتِ يوسف الشاروني يسيطرُ عليه القلقُ، الذي قد يتحولُ إلى تمردٍ أو طموحٍ ودعوةٍ إلى التغييرِ، فإن مشاعرَ القلقِ هذه قد تكونُ لها جذورٌ في طفولةِ يوسف الشاروني.

فعندما كان يوسفُ طفلاً عمرُه ثلاثُ سنواتٍ، حدثت في الأسرةِ مأساةٌ ظلَّ الأبُ والأمُّ يتذكرانِها على مدى حياتِهما. فقد كان ليوسف أخٌ يكبرُه بسبعِ سنواتٍ اسمُه "شكري"، مع ثلاثِ أخوات يسبقنَ يوسفَ في العمرِ وأختٍ أصغرَ منه عمرُها عامٌ.

وقد تُوفِّيَتْ أولى البناتِ وعمرُها خمسُ سنواتٍ قبلَ أن يولدَ يوسفُ، واستطاعَتِ الأسرةُ عبورَ أحزانِ ذلك الفَقْدِ. لكن الأحزانَ تجددت عندما فقدت الأسرةُ فجأةً الابنَ الأكبرَ "شكري" وقد وصلَ عُمرُه إلى عشرِ سنواتٍ، بينما عُمرُ يوسفَ ثلاثُ سنواتٍ، فأصبحَ يوسف هو الصبىَّ الوحيدَ بين ثلاثِ بناتٍ، تكبرُه اثنتانِ وتصغرُه واحدةٌ. وكان من الطبيعي أن يشتعلَ قلبُ الأمِّ والأبِ قلقًا على حياةِ يوسفَ بعد أن أصبحَ الذَّكَرَ الوحيدَ بين أخواتِه البناتِ، بجوارِ الحزنِ الكبيرِ لرحيلِ الابنِ البكرِ. ولا شك أن هذا القلقَ على حياةِ طفلٍ صغيرٍ في تلك السنِّ المبكرةِ، قد تسرب على نحوٍ لا شعورىٍّ من الوالدين إلى هذا الطفلِ الصغيرِ، فأصبح هو نفسُه يعاني شيئًا من قلقٍ لازمَه طَوالَ حياتِه، ولعله انعكسَ على عددٍ من شخصياتِ قصصِه.

هل أستطيعُ أن أقول إن هذه الوقائعَ المبكرةَ، هي أحد المفاتيحِ لشخصيةِ يوسفَ الشاروني، وبالتالي أحدُ المصادرِ التي قامت عليها بعضُ ملامحِ شخصياتِه في قصصِه، وعلى وجه خاص قصص "دفاع منتصف الليل" و"لمحات من حياة موجود عبدالموجود"؟

هذا أمرٌ أضعُه أمامَ النقادِ والدارسين ليقولوا فيه كلمتَهم، بعد أن قالَ الدكتورُ نعيم عطيه في كتابِه "يوسفُ الشاروني وعالمُه القصصي": كانَ يوسفُ الشاروني من أوائلِ الكُـتَّابِ المصريين الذين أرسَوْا قواعدَ القصةِ التعبيريةِ، إذ جنحَ في قصصِه إلى التعبيرِ عن موجةِ القلقِ التي تسودُ القرنَ العشرينَ".

ونشيرُ هنا إلى نموذجٍ واضحٍ لهذه الشخصياتِ "القَلِقَةِ" في قصصِ يوسفَ الشاروني، هى شخصيةُ "عباس الحلو"، التي انتزعَها يوسفُ من بينِ شخصياتِ نجيب محفوظ، ثم نسجَ حولَ "مصرعِ عباس الحلو" في "حانةِ النصرِ" بالقاهرةِ، قصةً جديدةً تفيضُ بالقلقِ والطموحِ والتمردِ.

* يوسف الشاروني وحياتُه اليوميةُ:

وعن أسلوبِ يوسفَ الشاروني في حياتِه اليوميةِ، يقولُ كاتبَنا الكبيرَ يحيى حقي:

يوسفُ الشاروني لا يهدرُ وقتَه في الترددِ للدردشةِ واغتيالِ العمرِ على المنتدياتِ والمقاهي، بل التزمَ منهجًا صارمًا لا يقوَى عليه إلا من تمرَّسَ بالجدِّ والعزمِ، وآمنَ برسالةٍ يتعشقُها ويتعبدُها. فهو إذا آبَ من عملِه إلى منزلِه الأقصى بحلوانَ، فرغَ سريعًا من مؤاكلةِ أسرتِه وقيلولةٍ قصيرةٍ، ليجلسَ إلى مكتبـِه حتى منتصفِ الليلِ، يومًا بعدَ يومٍ، يربى موهبتَه التي لا تُنكرُ له، بالعكوفِ على روائعِ الفكرِ .. لا قراءةَ طالبِ متعةٍ ذهنيةٍ وثقافيةٍ عامةٍ فحسبُ، بل قراءةَ الدارسِ الذي يهمُّه قبلَ كلِّ شيء أن ينبشَ أسرارَ صنعتِها، فهو يتتلمذُ على كبارِ المؤلفين أنفسِهم، ولا يقتصرُ على رطانةِ الكتبِ النظريةِ في فنِّ القصةِ، حتى أصبح خبيرًا بهذا الفنِّ، وحتى أصبحت قصصُه تنضحُ بأسرارِ هذه الصنعةِ. وأشهدُ أنه عرفَ كيف يَسْلمُ من خطرٍ يترصدُ بأمثالِه حين ينساقونَ لا إلى الاهتداءِ بهذه الأسرارِ بل إلى تقليدِها، وما أدقَّ الفرقَ بين الاهتداءِ والتقليدِ.

***

خلاصةُ ما أستطيعُ قولَه عن أخي الأكبرِ وأستاذي الأولِ يوسفَ الشاروني، إن الأدبَ العظيمَ هو القادرُ، بقوةِ الفنِّ وحدَه - وليس بالهتافاتِ - أن يغيرَ، وأن يحملَ الناسَ على أن يفكروا على نحوٍ مختلفٍ، لكي يتغيروا، وأن يصبحوا قادرين على التغييرِ.