ايران والنيران

من غير السابق لأوانه التنبؤ بما سيحدث في ايران، فما حدث في تركيا كان دليلا قاطعا على أن الحكم الديني يعتبر القتل أمرا مشروعا، ويمكن من خلاله السيطرة على أكبر ثورة، والمشانق المعلقة في ايران أكبر دليل على أن قتل صاحب الرأي قربان إلى الله، لأن أي رأي لا يطابق الرؤية الطائفية يعتبر ردة وقتل المرتد فرض.

ايران قمعت الثورة السورية وساعدت الانقلاب في اليمن وأرست دعائم الحكم الطائفي في العراق، ونجحت في ذلك كله، بسبب الوحشية التي مارستها ضد المدنيين العزل، ولا مبرر لافتراض أنها لن تقمع شعبها، بل أنه الأولى بالقمع من وجهة نظر نظام عقائدي توسعي. وربما تكشف لنا الأيام القادمة استعداد ايران لممارسة فظائع تشبه فظائعها في سوريا.

من جانب آخر، هناك العديد من الدول التي ستهب لنجدة نظام الحكم في ايران وهي تركيا وقطر إذ أنهما ستكونان في خطر شديد إذا انهار حكم الملالي في طهران. أضف إلى ذلك أن وجود ايران الطائفية التوسعية يصب في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنها عامل التوازن الاستراتيجي مقابل العرب، وطالما أن ايران موجودة، فطالما أن العرب يضعون ثقلهم الاستراتيجي في الحدود الشرقية لصد التوسع الإيراني، وهذا يضعفهم ويضمن أمن واستقرار إسرائيل، ويضمن شراء أسلحة العالم الغربي، وهو مصدر غزير للدخل والثراء ورفاه شعوبه.

لنتصور المنطقة بنظام حكم ايراني صديق للعرب، عندئذ سيحل التعاون محل العداء، وسيتركز العمل العربي على التعاون والتنمية الاقتصادية بالأموال التي كانت تستخدم لشراء الأسلحة، وسوف يرتفع منسوب الاستقرار والوعي ويتدنى منسوب الفقر لدى العرب، وربما تتجه أنظار بعض العرب إلى تحرير فلسطين، وهذه كارثة، لن يقدم عليها ترامب ولن يسمح بحدوثها.

إذا عدنا إلى عام 1979 حين قدم الخميني من باريس إلى ايران برعاية الاستخبارات الأميركية، نجد أن إعادة الخميني وتسليمه الحكم في ايران كانت غرسا لنقيض يعمل على تآكل وانحلال عوامل القوة لدى العرب، وربما لم ينفذ أي مشروع في العالم العربي إلا وكانت إسرائيل وأمنها مأخوذ بعين الاعتبار. فمن يصدق اليوم أن أميركا جادة فعلا في إزالة النظام القائم في ايران؟ إذا صدق هذا الافتراض، فربما أننا ظلمنا أميركا ويجب علينا أن نعتذر لها.

إن مصلحة أميركا تقتضي ضرب ايران والعرب ببعض وإطالة زمن الاحتراب إلى أقصى حد ممكن، في سبيل الاستفادة من الصراع في بيع الأسلحة وتودد العرب لأميركا، وتوسع إسرائيل التي أقرت ضم غزة والضفة الغربية في دولة إسرائيل وعاصمتها القدس الموحدة، وهذا لا يمكن أن يتم في ظل وجود حكم ايراني صديق للعرب، لأن أميركا وإسرائيل ستخسران كثيرا في هذه الحالة.

إن المطلوب هو دعم الثورة الشعبية في ايران لإنجاحها بكافة الوسائل المتاحة وإيجاد وسائل أخرى غير متاحة حاليا، وتقصير أمدها والمساعدة على حسمها بقوة من خلال دعم الشعب الإيراني والتبرع له وإغاثته ونشر فظائع النظام ضده في وسائل الإعلام، ونشر إحصاءات حول هدر المال العام في ايران في الخارج، كما أن إبراز مظاهر الحريات في دول الخليج على وسائل التواصل الاجتماعي سيشجع الإيرانيين على مواصلة المطالبة بحريات شبيهة بها.