شمال إفريقيا في مهب أزمة اقتصادية يغذيها الرفاه السياسي

الحكومات المتعاقبة عجزت عن معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية

تختزل بعض التحاليل الجوفاء الأزمة التي تعصف ببلدان شمال إفريقيا وفي مقدمتها تونس والجزائر وليبا في بعدها السياسي والاجتماعي في نوع من الإجحاف بأن عمق الأزمة يكمن في تدني أداء اقتصادها إلى الحضيض حتى أنه بات يقف على شفا إفلاس يتغذى من اتجاهات رأي عام لا ترى في ممارسة العملية السياسية سوى نوع من الترف لا يمتهنها سوى فئات من مجتمع مخملي ما انفك يتجاهل مشاغل الفئات الهشة.

ويبدو كما يذهب إلى ذلك خبراء في التنمية وعلم الاستراتيجيات أن هذا الاختزال حال دون فهم دقيق بأن الأزمة استفحلت في ظل نوع من الوعي بأن أي عملية سياسية مهما حاولت الاقتراب من مشاغل الشعوب فاشلة مسبقا ما لم تبوئ الاقتصاد ضمن أولوياتها لا من خلال اجترار مفردات الخطاب السياسي وإنما من خلال برامج مدروسة.

وتظهر قراءات في اقتصاديات كل من تونس والجزائر اختلافات تكاد تكون جوهرية سواء لجهة الخيارات والتوجهات أو لجهة القطاعات الحيوية والثروات الطبيعية والخطط البرامجية لاستثمارها بصفة ناجعة هذا اذا كانت هناك فعلا خطط استراتيجية كفيلة بتطويع الإمكانيات الاقتصادية إلى مشاريع استثمارية منتجة لمزيد من الثروات التي تدعم أداء الاقتصاد في ظل منافسة الأسواق الخارجية الشرسة.

ويقول الخبراء إن تونس اختارت نمط اقتصاد لبرالي منفتح على الأسواق الإقليمية والدولية يرتكز أساسا على قطاعات الصناعات المعملية وغير المعملية وعلى السياحة وعل الاستثمار الأجنبي فيما اختارت كل من الجزائر وليبيا نوعا من الاقتصاد يغلب عليه الانغلاق النسبي ويراهن على وفرة الموارد الطبيعية مثل الغاز والبترول.

ويضيف الخبراء أنه على الرغم من الاختلاف بين كل من اقتصاد تونس واقتصاد الجزائر فإنه يوجد خيط مشترك من حيث السياسات المتبعة إذ لم تراهن البلدان الثلاث على قطاعات استثمارية وإنما اكتفت الجزائر وليبيا بإدارة الثروات فيما راهنت تونس على قطاعات مرشحة للهشاشة في ظل ندرة الثروات مثل قطاع السياحة والاستثمار الخارجي والصادرات وهي تتأثر كثيرا بالتحولات الإقليمية والدولية.

وخلال سنوات ما يسمى بالربيع العربي وما رافقها من فوضى سياسية واجتماعية وأمنية بدا اقتصاد البلدين الخاسر الأول إذ لم تحل لا الثروات الطبيعية ولا الخيارات المرتبطة بالأسواق الخارجية المتقلبة دون استفحال أزمة خطيرة قد تقود إلى حالة من الإفلاس إن لم يقع تطويقها من خلال إجراء إصلاحات هيكلية بناء على سياسات منتجة.

ويبدو كما يذهب إلى ذلك كثير من الخبراء، أن العملية السياسية بما فيها الديمقراطية على غرار التجربة التونسية لا معنى لها ولا جدوى منها لدى غالبية اتجاهات الرأي في ظل اقتصاد ما انفكت تعصف به الأزمات لم تقد تداعياتها فقط إلى تراجع المؤشرات وانزلاق المقدرة الشرائية والاحتقان الاجتماعي وإنما قادت أيضا إلى إضعاف الدولة بعد أن شارف القطاع العام على الإفلاس.

ويقول عبدالمجيد بن عامر الأخصائي في علم الاستراتيجيات وأستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعة التونسية "إن أي أزمة اقتصادية في أي بلد من البلدان بما في ذلك البلدان المتقدمة التي تمتلك تجربة ديمقراطية عريقة تجرد العملية السياسية من هويتها حتى وإن أدى الأمر إلى تراجعها أو وضعها في ذيل الأولويات".

وأضاف لمراسل ميدل ايست اونلاين "يجب الوعي بأن الثقافة السياسية التي تتبناها شعوب المنطقة هي ثقافة لا ترى في النشاط السياسي سوى رفاها يمارسه إما الأرستقراطيون أو الأثرياء ويتخذون منه مهنة"، مشددا على أنه "كلما اشتدت الأزمات الاقتصادية كلما ابتعد الناس عن السياسة بل أبعد من ذلك كلما اشتدت الأزمة كلما تدنت الثقة في السياسة وفي السياسيين بما في ذلك العملية الديمقراطية".

وتظهر المؤشرات الاقتصادية لكل من الجزائر وتونس أن هناك خطان متوازيان لا يلتقيان بين تفاقم الأزمة الاقتصادية وتداعياتها من جهة وبين المسارات السياسية، إذ ترافق تدني ثقة شعوب بلدان شمال إفريقيا مع استفحال الأزمة الاقتصادية حتى أن أكثر 70 بالمئة من التونسيين يقولون إن الديمقراطية لا معنى لها في ظل غياب الحقوق الاقتصادية وفق أحدث عمليات سبر الآراء.

ويبدو أن الوعي بخطورة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها السياسية والاجتماعية هو الذي دفع بالجزائر إلى وضع خطة لإنعاش الاقتصاد من خلال التطلع إلى تحقيق نسبة نمو تقدر بـ6.5 بالمئة في العام 2030 على أن يتم ذلك بناء على ثلاث مراحل بهدف تحقيق التوازن بين القطاعات والقطع مع الاختلالات الحالية.

كما شرعت في التخطيط إلى مضاعفة الناتج المحلي الخام بـ2 بالمئة ومضاعفة مساهمة القطاع الصناعي ليصل إلى 10 بالمئة إضافة إلى تحديث القطاع الزراعي بهدف تحقيق الأمن الغذائي والرفع من أداء قطاع الخدمات والاستثمار وتخفيض النفقات العمومية وتنويع صادراتها بعد أن تعرضت إلى منافسة شرسة في الأسواق الخارجية.

وعلى الرغم من أن أزمة الاقتصاد الجزائري تبدو أخف من أزمة الاقتصاد التونسي فإن ذلك لم يمنع المسؤولين الجزائريين من توقع تراجع معدل النمو بشدة خلال العام 2018 نظرا للصعوبات التي تواجهها ماليتها العامة وانخفاض إنتاج النفط ما يعني أن الدولة ذات الثروات الطبيعية تتجه نحو زيادة الضرائب على الرغم من تداعيات سلبية محتملة على المبادلات التجارية وعلى أداء القطاعات غير النفطية.

وتقر الجزائر بأنها تواجه تحديات هيكلية من شأنها أن تخفض معدل النمو خارج قطاع المحروقات والذي يقدر بنحو 3.5 بالمئة كما تقر بارتفاع نسبة التضخم إلى 6 بالمئة وما تسميه بالعجز المزدوج ما قاد إلى تراجع الاحتياطات النقدية من العملة الصعبة وهو ما يستوجب مباشرة إصلاحات هيكلية.

وتراجع نمو القطاعات خارج قطاع الطاقة إلى 2.8 بالمئة بعد أن كان في حدود 4 بالمئة في العام 2016 كما تراجع أداء قطاع الصناعات التحويلية من 5 بالمئة في 2016 إلى 3.9 بالمئة.

تعثر الاقتصاد التونسي بعد الثورة

أما في تونس فإن مختصين في التنمية يجمعون على أن الاقتصاد يعد أول المتضرر من انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 حتى أن تونس تكاد تلتحق بالسيناريو اليوناني بعد أن فشل حكام تونس الجدد في رسم خيارات وسياسات اقتصادية وتنموية واضحة على القطاع.

وقبل الإطاحة بنظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، نجحت تونس إلى حد ما في بناء اقتصاد بأداء مقبول مقارنة بالإمكانيات المحدودة للبلاد وندرة الثروات الطبيعية، حيث تظهر المؤشرات أن الاقتصاد التونسي حقق نموا في العام 2014 بـ5 بالمئة وهي نسبة معقولة.

غير أن الفوضى النسبية الاجتماعية والسياسية التي عصفت بتونس خلال السنوات السبع الماضية وغياب سياسات برامجية وإصلاحات هيكلية قادت بالمكاسب الاقتصادية إلى حافة الإفلاس إذ تراجعت نسبة النمو إلى أدنى مستوياتها حيث بلغت 0.5 بالمئة في العام 2015 وارتفعت إلى 2.1 بالمئة في 2017، فيما تطمح الحكومة التونسية لتحقيق نسبة نمو بـ3 بالمئة في 2018.

ولم تجر الحكومات المتعاقبة في تونس أي إصلاحات هيكلية على الاقتصاد بما من شأنه أن يرفع من أداء الاقتصاد الوطني.

واكتفت الحكومات المتعاقبة ما بعد ثورة يناير بسياسة يصفها الخبراء بـ"الترقيعية" من خلال بعض إجراءات لم تقد سوى إلى إنهاك غالبية المؤسسات الاقتصادية والقطاعات الحيوية الاستراتيجية.

وتظهر القراءة المقارنة بين الأوضاع الاقتصادية قبل الانتفاضة وبعدها أن المؤشرات تراجعت بشكل خطير خلال السنوات السبع الماضية إذ تفاقم عجز موازنة الدولة ليبلغ 6 بالمئة في العام 2017 بعد أن كان في حدود 1.3 بالمئة فقط فيما تخطط الحكومة إلى خفض عجز الموازنة إلى 4.9 بالمئة مع نهاية العام 2018 في مسعى إلى تخفيف الضغط على موارد الدولة.

ولجأت تونس إلى الاقتراض الخارجي لتغطية عجز الموازنة ، ما فاقم المديونية لتبلغ نحو 62 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي في 2016 و69.9 بالمئة في 2017.

وتراجعت احتياطات تونس من العملة الصعبة

وتراجعت احتياطات تونس من العملة الصعبة إلى مستويات قياسية لتبلغ ما يعادل 112 يوما من التوريد فقط في العام 2017 مقابل 147 يوما في العام 2010.

وارتفعت نسبة التضخم من 4.4 بالمئة في 2010 إلى نحو 5 بالمئة في العام 2017 أما العجز التجاري فقد ارتفع في العام الماضي إلى نحو 8 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي بعد أن كان يقدر في العام 2010 بـ 4.8 بالمئة.

ويشدد التيجاني بن نجمة الأخصائي في التنمية وعلم الاستراتيجيات أن "أزمة تونس هي أزمة اقتصادية هيكلية لا قطاعية تقف وراء الأزمة السياسية والاجتماعية"، مطالبا الحكومة بـ"التعجيل بإطلاق إصلاحات كبرى من شأنها أن تنعش قطاع الاستثمار بقسميه المحلي والأجنبي مشددا على أن "إنقاذ الاقتصاد من الإفلاس يستوجب انتهاج سياسات منتجة خاصة وأن ما تقترضه تونس من الخارج لا يتم توظيفه في الاستثمار وإنما يوجه إلى تغطية النفقات الحكومية بفعل عجز الموازنة".

واضاف بن نجمة لمراسل ميدل أيست اونلاين "من يختزل موجة الاحتجاجات التي تعصف بتونس خلال هذه الفترة في الانتفاضة على زيادة الأسعار فإنه إما جاهل بالأوضاع العامة في تونس أو يفتقد للقراءة الموضوعية لتراكمات سبع سنوات عجاف لم يجن منها التونسيون سوى اقتصاد منهك وتهميش اجتماعي وعزوف الناس عن السياسة".

ووفق بن نجمة "تأسس المسار الانتقالي الديمقراطي التونسي منذ البداية على نوع من الهشاشة الاقتصادية والضبابية في البرامج وبمعنى عميق تأسست العملية السياسية الديمقراطية منذ بدايتها على الخطأ إذ استحال على حكام تونس الجدد تركيز اقتصاد منظم قوي يكون كفيلا بحماية تجربة ديمقراطية متينة تحظى بالثقة الشعبية والسياسية".

وخلال السنوات السبع الماضية برزت شبكة مافيوزية ركزت اقتصادا موازيا نخر الاقتصاد الوطني حتى أنه بات يمثل 54 منه ويكبد الدولة خسائر بمئات ملايين الدولارات.

ويشدد مراقبون وسياسيون على أنه من الإجحاف الحديث عن الديمقراطية في ظل غياب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجميع التونسيين وخاصة المهمشين منهم ملاحظين أن الديمقراطية كل لا يتجزأ مهما كانت الدواعي.

وإذا علمنا أن 77 بالمئة من التونسيين يقولون وفق عمليات سبر للآراء أجرتها مؤسسة "سيغما كونساي" أن "البلاد تسير بالاتجاه الخطأ" نستنتج أن الاحتجاجات التي ما انفكت تعصف بتونس هي في عمقها احتجاجات تستبطن غضبا شعبيا أشعلت فتيله أزمة اقتصادية قادت إلى أزمة سياسية وإلى ما يشبه الانتفاضة الاجتماعية".

ويرى مراقبون أن المسار السياسي والتجربة الديمقراطية لا تعني لهم شيئا في ظل الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية "حولت وجهة السياسة إلى مهنة مغشوشة تجيدها طبقة سياسية مخملية ثرية أما غالبية التونسيين فقد انفضوا من حولها ليكافحوا تداعيات الأزمة السلبية على لقمة العيش".