الأدب الإفريقي الجنوبي .. ومحاولة الانعتاق

يمر الزمن ليغريني بالحياة

كيف يمكن للأفارقة الجنوبيين ذوي المسئولية والإدراك أن يظلوا مبدعين في جو من التوتر؟ هذا السؤال طرحته الكاتبة الأفريقية ماري بنسون في رسالة وجهتها للروائي الأفروأميركي جيمس بالدوين.

وأعاد طرحه الناقد الأميركي أنثوني سامبسون بقوله: "هذا السؤال سيسأله كثير من الناس، حيث سيظهر تحدي هؤلاء الكتاب المبدعين للضغوط المحيطة بهم والتي تنبع من حاجة ملحة ويائسة للتعبير عن الذات، وتتجلى في جميع الأمكنة في الملاعب والأحياء الفقيرة وفي ضواحي أحياء البيض الأثرياء، ومن المنفى في جميع أنحاء العالم، وكما يتسرب الغاز من شقوق الصخور هكذا كانت الكتابات تشق طريقها بقوة إلى الأعلى بأصولية لا يمكن إساءة فهمها".

• جذر واحد

السؤال بصيغته تلك لا ينفي قدرة هؤلاء الأفارقة على الإبداع ، بل يضمر إعجابا بقدرتهم على مواجهة كل ما يحيط بهم من عقبات ومحبطات وقوامع، وربما كان الدكتور هاني يحيى نصري، يقصد نفس المعنى حينما ذكر في تقديمه لكتابه الصادر مؤخرا عن الهيئة السورية للكتاب بعنوان "الأدب الإفريقي الجنوبي قصص – مقالات – شعر"، أنه "لا يمكن فهم الأدب الإفريقي الجنوبي إلا من خلال التحولات التي طرأت على فكر الأفارقة الأصليين بين لغتي: الأفارقة الحديثة والنيغرية الاستعمارية القديمة".

ويضيف: إن الاختيار من بين نصوص ذلك الأدب المكتوبة قبل سقوط التفرقة العرقية لا يعني أن المشكلات التي كانت تعالجها تلك النصوص قد انتهت، فالمشكلات لا تزال قائمة، ولا يحلها سوى الأفارقة أنفسهم، فالأدب يعبر عن تلك المشكلات لكن لا يملك إزاءها حلا، موضحا أنه اختار نصوص الكتاب "من بحر الأدب الأفريقي الجنوبي الذي تستحق عظاته أن توضع أمام حالنا اليوم، عسى أن يكون دليلا على أن حرية الكلمة بديل عن تدمير الأمم، وهذا ما يجب تعلمه من كلا الإنسانين، الأبيض في عقلانيته، والأسمر في عظمة تداخل الحضارات عنده، وفي كيفية ردوده الشعرية والنثرية التي يظهر فرادة فيها"، مضيفا أن محتويات الكتاب مثلها مثل أي نص أدبي يجب أن يكون متلقيه منصفا بعد أن تبين أن "الخيط الأبيض مثل الخيط الأسود، من جذر واحد، فقط الاختلافات المناخية هي التي غيرت لون كل منهما".

وهذا ما عبر عنه أيضا أنثوني سامبسون بقوله "الكتّاب الإنكليز انشغلوا بأمور كالعادات الخاصة أو الطفولة الرقيقة أو الحنين للماضي أو الخيال، أمور مترفة لم يستطع كتاب جنوب إفريقيا الخوض فيها، وإن أرادوا ذلك كان عليهم الخروج إلى العالم حيث لم يكن صعبا معرفة ما عليهم كتابته، فعند الكاتب الأبيض إدراك متواصل بما يواجهه رفاقه من محن، فالناس هناك كانوا إما أكبر أو أصغر من الحياة كما في قصة ديكنز بينما كل كاتب إفريقي يواجه مكانا خطراً يشبه لندن أيام شكسبير".

ويضيف القاص تات ناكاسا مظهرا بعدا آخر: "ما نراه هنا هو أكثر انحداراً إنه تعطيل للحوار وأن حاجز اللون الذي هيمن على كامل الحياة في جنوب إفريقيا فلازم وأثقل حتى أماكن الطعام بشكل ممل في أنحاء المدينة".

ليس فقط بين الأعراق ولكن حتى بين العائلات والمجموعات المغلقة لأن هناك أسئلة وآراء تكونت عنها، وكما زاد هذا الانقطاع في الحوار زادت الحاجة للتعبير عن النفس حتى لا يفقد الإنسان عقله. وهكذا اندفعت وتفجرت الكتابة بشكل واثق وكأن هذه الكتابات تقول: "لا بد من روايتها، لا بد من روايتها".

• خصوصية فطرية

عملت البعثات التبشيرية في جنوب أفريقيا على نشر اللغة الإنجليزية – والهولندية في بعض المناطق بحسب لغة المستعمر – فعرفت شعوب تلك المناطق نوعا من الأدب غير ذلك النوع المحلي الذي كانت تتداوله شفاهة، وجرب الأفارقة الجنوبيون ممارسة الأشكال الأدبية الجديدة قبيل انتصاف القرن التاسع عشر، وكان يعيب تلك التجارب محاكاة الطابع الشفاهي للغة الدارجة، لكنهم بدأوا في التمكن من السيطرة علي أشكال التعبير الجديدة تدريجيا، وأيضا زادت قدرة النوع الأدبي الجديد لديهم على التعبير عن خبرات المعاناة التي سببها المستعمر العنصري، لكن عدم وجود مطبعة تطبع أعمالهم باللغات المحلية دفع الكثير من المبدعين إلى الكتابة باللغة الإنجليزية أو ترجمة أعمالهم المكتوبة بلغة الزولو أو اللغات الأفريقية الأصلية الأخرى إلى الإنجليزية حتى يتسنى لهم نشرها، فكانت المفارقة، حيث أصبحت لغة المستعمر وسيلة لمقاومته ومحاولة الانعتاق عنه، فالنصوص الأفريقية توجهت لقارىء أوروبي أو أميركي ينتمي لثقافة المستعمر العنصري ولغته، كما أن تلك النصوص عالجت موضوعات تصور في أغلبها ظلم وبشاعة ممارسات المستعمر.

وبحسب الدكتور هاني يحيى نصري فإن ما يعطي أدب جنوب إفريقيا تميزه، هو هذا التجاذب بين خصوصية الكاتب الفطرية وزخم الأحداث الخارجية، وهذا هو الخيط الرابط بين كل النصوص التي ضمها الكتاب عبر أبوابه الأربعة التي ضمت ألوانا من القصص القصار والقصائد والشهادات الإبداعية للأدباء إضافة إلى نص درامي واحد.

وهكذا تشابكت الأنواع الأدبية معا عبر 465 صفحة شكلت الكتاب لترسم صورة محاولات الانعتاق من ربقة التفرقة العنصرية، فإذا كانت القصائد انشغلت بالنجوي وبث الآلام، فمثلا في قصيدة المسافة للشاعر أنثوني ديليوس، نقرأ:

"إله أفريقيا يراني/ من حافة مرجي في الضاحية / لديهم سيقان ضخمة طويلة من جذوع الأشجار/ ووجوه بيضاء صغيرة كالنجوم / وأنا لست مستلقياً عند أصابعهم المبرعمة / لكني أقف أمام باب منزلي التقليدي / وآمل بأن مئات الأعشاب/ تصبح رحبة جدا لا يمكن تخطيها / بصورة مهينة".

بينما دايفيد فريلاند، يبدع بشكل مختلف كما في قصيدته "راحة الزمن لم تعد لي" فيقول:

"يمر الزمن ليغريني بالحياة/ ليتآخى مع الدقائق الماضية المذهلة/ فلا أجرؤ على الحركة لكن خوف من أن تطأ نعلي أفعى../ في الصباح أشق طريق التسلق للجبال/ لكن في المساء بسمة السخرية على القيم التي نراها بالمنحدرات/ وعلى جمال الشمس من بعيد/ فمن يسخر من مطارحاتي/ أنا لا أسخر / ولا فعلي ملح صيفي/ لكن لمن يراقب من الشباك وينظر في الليل خلفي أضحك/ مع ذلك لا أزال في تابوت حديقتي".

لقد صورت القصص وقائع واستعادت ذكريات، فمثلا ليونيل ابراهامز فى قصته "فاكهة الأرض" يكتب "كانت مثل حياة الكلاب، لكنها تظل حياة"، وفي قصة "الإلفة في مملكة الضياع" للقاص دغمور بواتي، نقرأ: "عندما كنت في سن التاسعة عملت في محطة اسمها محكة حافلة الطريق الطيب في مدينة صوفيا تاون هذه الوظيفة كانت طوعية أكثر منها ثابتة. ولقد عملت دون إذن من أحد وكنت أمسح حافلات المحطة بمكنسة مهترئة. ليلاً كنت أنتظر الحافلة الأخيرة هذه ما عليها أن تكون الأخيرة ، لأنك لن تعلم أبدا أي من الحافلات سيرحل أولا تصل الحافلة الأخيرة بين الحادية عشرة والثانية عشرة منتصف الليل، فألتف على نفسي وأنام فيها من الجهة الخلفية".

تسخر القصة من ادعاءات المستعمر، فما أعده المستعمر لإصلاح أحوال السود كان من بين أسباب فسادها. (خدمة وكالة الصحافة العربية)