تونس بين فكي أزمة حكم لا أزمة حكومة يغذيها التصعيد السياسي الشعبوي

هشاشة الطبقة السياسية

كشفت موجة الاحتجاجات في تونس وما رافقها من جدل سياسي ينحى غالبيته إلى التهدئة أن البلاد باتت بين فكي "أزمة حكم" وليس "أزمة حكومة" كثيرا ما نهلت من ندرة الثروات وهشاشة الطبقة السياسية في ظل سقف مرتفع من المطالب.

وعلى الرغم من نوع من الإجماع على أن الأزمة عامة فإن ذلك لم يحل دون اعتبارها مؤشرا على أن حكام تونس الجدد يواجهون أزمة حكم بنوية لم تتوصل الحكومات المتعاقبة إلى حلها وحتى إلى فهما.

ويقول أخصائيون في العلوم السياسية "من الإجحاف تحميل حكومة يوسف الشاهد مسؤولية الأزمة" مشددين على أن "تفسيرها أعمق من اختزالها في قرار حكومي سواء تعلق بترفيع في الأسعار أو بقرارات أخرى".

ويقول سامي الشرف أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية "إذا سلمنا بأن الأزمة فرضها قرار الترفيع في الأسعار فأي مصير ينتظر تونس في حال إقدام الشاهد على إجراء اصلاحات كبرى تستوجب تداعيات اجتماعية قاسية ومزيد من التضحيات".

ويضيف لمراسل ميدل أيست اونلاين "إن القوى السياسية والمدنية تختزل الأزمات التي مرت وتمر بها البلاد في القرار الحكومي والحال أنها أعمق من ذلك لأنها تتعلق بصناعة نمط حكم قوي يحرك التاريخ ولا يكتفي بإدارة الشأن العام".

وخلال السنوات السبع الماضية لم تجر الحكومات المتعاقبة أي إصلاحات هيكلية وإنما اكتفت بإدارة تعقيدات المشهد السياسي وتسكين الاحتقان الاجتماعي وترقيع الاقتصاد ومكافحة الإرهاب أمنيا في ظل حالة من الرهاب من أي تداعيات أي إصلاحات جذرية.

والأخطر من ذلك أن تلك الحكومات واجهت تعقيدات تقودها قوى سياسية ومدنية اختارت انتهاج الشعبوية السياسية والإستقواء بالشارع بطريقة فجة لا تعي عمق الأزمة ولا إمكانيات البلاد مستخفة بكيان الدولة رغم أنه الراعي الوحيد للاستقرار.

ويقول المتابعون للشأن التونسي إن"الرهاب السياسي من الفشل في إدارة تعقيدات الشأن العام هو الذي دفع بالسياسيين إلى اختيار شكل الحكم الائتلافي في مسعى إلى تأمين الحد الأدنى من الاستقرار غير أن الاختيار عمق ازمة ما انفكت تتخذ نسقا تصاعديا".

وقال الشريف "هناك فرق بين أزمة الحكم وأزمة الحكومة، فالأولى هي أزمة بنيوية تتعلق بكيفية صناعة القرار بناء على منطق الدولة والرفع من أدائها كقوة تحرك التاريخ الوطني، أما أزمة الحكومة فهي تشمل نوعية سياساتها وتفاعلها مع مشاغل الناس".

ويشدد الشريف على أن "من أبرز المؤشرات على أزمة الحكم في تونس أن عنصر التوازن النسبي لا يكمن في أداء الائتلاف وإنما يكمن في أداء مؤسسات الدولة ورعايتها للشأن العام وإدارة تعقيداته".

وفي أعقاب نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية خريف العام 2014 انتهج حكام تونس الجدد شكل الحكم الائتلافي متجاهلين أن تونس تمتلك تقاليد حكم عريقة لا تثق سوى في قوة سياسية واحدة تقود الحكومة وفي رئيس دولة حازم إلى حد القسوة المشروعة.

وتمتد تلك العراقة إلى العام 1705 تاريخ تأسيس النظام الملكي الحسيني الذي حكم تونس طيلة قرنين ونصف لتتأسس على أنقاضه دولة الاستقلال العام 1956 بزعامة الحبيب بورقيبة الذي قاد بكل جرأة وقسوة مشروعا تحديثيا فارضا هيبة الدولة.

ومهما كانت المؤاخذات على نظام الرئيس الأسبق بن علي، فقد كان الرجل الذي روضته المؤسسة العسكرية على الحزم والانضباط وفيا لتقاليد الحكم العريقة إذ حكم البلاد طيلة أكثر من عشرين عاما فارضا أيضا صلاحيات الدولة المدنية وهيبتها.

وترى إلهام جعيط الأخصائية في علم الاجتماع السياسي "أن البلدان عادة ما تشهد أزمة حكم في أعقاب سقوط النظام خاصة إذا كانت هناك دولة قوية من جهة، وتوجه نحو استهدافها وتركيز دولة أخرى على أنقاضها من جهة أخرى".

وتضيف جعيد لمراسل ميدل ايست أونلاين "تتمثل أزمة الحكم في علاقة الحكومات المتعاقبة بمؤسسات الدولة وطريقة تسييرها من جهة، وفي علاقة تلك الحكومات بتعقيدات الشأن العام ومدى قدرتهاعلى ترويض الفئات الساخطة" مضيفة أن "ندرة الثروات مقابل السقف العالي للمطالب من شأنه أن يعمق أزمة الحكم".

ويتناسق تحليل جعيط مع المسارات التي شهدتها تونس منذ انتفاضة يناير إذ بدا حكام تونس الجدد متمرنين على الحكم يتحسسون بصعوبة السياسات القادرة على تحريك التاريخ الوطني حتى أنهم لم يجدوا من طريقة لتغطية الفشل سوى ابتزاز الدولة من خلال تحويلها إلى غطاء مثقوب لأزمة الحكم".

وتتغذى الازمة، كما يذهب إلى ذلك محللون، من مفهوم خاطئ لانتفاضة يناير حيث يرى فيها الحكام الجدد "ثورة قامت ضد الدولة" والحال أنها مجرد انتفاضة اجتماعية ما قاد إلى فتح باب واسع أمام نوع من الشعبوية السياسية تحت عنوان الديمقراطية.

وبرأي المحللين فإن حزم كل من نظام بورقيبة ونظام بن علي حال دون تسلل الشعبوية السياسية في ظل اقتناع الرجلين بان إدارة شؤون البلاد لا يقودها سوى نظام حكم رئاسي مسنود من قبل طبقة سياسية منفتحة على مشاغل التونسيين في إطار فرض هيبة الدولة.

ويرى أخصائيون في العلوم السياسية أن "ازمة الحكم لم تدفع الائتلاف فقط لابتزاز الدولة العريقة وإنما دفعت أيضا القوى المدنية من خلال ممارسة الضغط على الحكومة والتصعيد تحت مضلة المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في ظل غياب الوعي بأن المطلبية في دولة محدودة الإمكانيات لا تقود سوى إلى تعميق الازمة".

والخميس طالب الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية، الحكومة بـ"ضرورة مراجعة سياساتها وتبويب المسألة الاجتماعية المكانة الأولى في برامجها والإسراع باتخاذ اجراءات اجتماعية عاجلة تستجيب إلى مطالب المحتجين".

غير أن سامي الشريف يرى في "المطلبية مؤشرا قويا على غياب الوعي بأن حل الأزمة لا يكمن في خفض الأسعار ولا في مراجعة السياسات ولا حتى في إسقاط الحكومة وإنما يكمن في نظام الحكم ذاته إذ هو نظام سياسي يراوح بين النظام البرلماني والرئاسي تم إسقاطه على تجربة النظام الرئاسي العريق".

ويضيف الشريف يقول "إن تعاقب الحكومات الفاشلة تحت عناوين متعددة، يعزز مقاربة الأزمة، في جانبها السياسي، على أنها أزمة حكم تتجاوز الحكومات لتلامس بنية النظام السياسي برمته وتركيبته العضوية.

وتوقع الشريف أن "تونس تبقى مرشحة للأزمات حتى وإن هدأت في ظل النظام السياسي الحالي" داعيا إلى "تركيز نظام سياسي رئاسي باعتباره الأنسب للتجربة التونسية التي قادها نظام رئاسي قوي وحازم طيلة أكثر من نصف قرن كثيرا ما ساعد على صناعة مشروع حرك التاريخ الوطني باتجاه التحديث الاجتماعي والسياسي".

ويحذر مراقبون من "مغبة ابتزاز الدولة ومؤسساتها باستخدامهاغطاء لأزمة الحكم العضوية ومن مغبة الرهان على التصعيد السياسي والشعبي الذي لن يقود سوى إلى إضعافها وإلى المزيد من التوتر وتعميق الأزمة" مطالبين بإطلاق حوار وطني واسع يفتح ملف مراجعة النظام السياسية لما من شأنه أن التخفيف من حدة أزمة الحكم.