يحتاج العراقيون إلى شيء آخر غير الديمقراطية

ما لا أفهمه هو ذلك الإصرار على تنظيم الانتخابات في العراق.

الأموال التي ستنفق على إقامة تلك الانتخابات في إمكانها أن تعمر مدنا مهدمة. عمليا يمكنني اعتبار إعادة اعمار الموصل أهم من اجراء انتخابات صورية، سيكون من شأنها أن تعيد انتاج الحكومة الحالية بطريقة لا تنطوي على أي قدر من الاحترام لإرادة الشعب في التغيير.

فالتنافس بين الكتل السياسية لا يقوم على أساس الاختلاف بين كتلة وأخرى من جهة برامجهما السياسية بل من جهة المنافع التي تعد بها كل كتلة أفرادها والمتطلعين إلى فوزها.

شيء أشبه بالمزاد الذي يعرف رواده أن الفوز فيه محسوم قبل بدايته.

سيحرز التحالف الوطني (مجموعة الأحزاب الشيعية المتآلفة) المركز الأول في السباق وسيكون من نصيبه تشكيل الحكومة. هل هناك مفاجأة في ذلك الحدث الذي لن يكون استثنائيا؟

ربما سيعاد تتويج حيدر العبادي رئيسا للوزراء أو يتم استبداله بشخص آخر. هل ستتغير حياة العراقيين بفعل ذلك الاجراء؟

منذ أكثر من اثني عشرة سنة والتحالف يحكم العراق.

لو افترضنا أن الانتخابات لن تجرى وبقي التحالف حاكما فهل سيخرج الشعب العراقي الى الشوارع محتجا على عدم شرعية حكومته؟

التجربة تقول إن كوارث أشد قسوة ضربت الشعب العراقي لم تدفعه الى الاحتجاج. يبدو العراق بلدا من غير خيارات على مستوى النخب الحاكمة. فلا بديل عن التحالف الوطني حاكما.

فبالرغم من أن العراق قد تحول في ظل حكم التحالف إلى الدولة الأكثر فسادا في العالم. كما سلم جيشه ثلث أراضيه لداعش ودمرت مدن عراقية عزيزة وفي مقدمتها الموصل في حرب تحوم حولها الشبهات وفي المقابل ازداد عدد الفقراء والمشردين والنازحين والمهجرين بسبب سياسات طائفية عمياء، بالرغم من كل ذلك فإن فقراء الشيعة سيهبون أصواتهم لرموز الحكم الحالي من لصوص وقتلة وقطاع طرق.

لقد تمكنت النزعة الطائفية وصارت هي المرجعية في اتخاذ القرار في كل شيء ولم يعد الواقع ليعني شيئا. فلا يؤثر على السياسي كونه فاسدا إذا كان عالي الصوت في انحيازه الطائفي.

الأغلبية الطائفية ستهب أصواتها بطريقة متوقعة.

فإذا كانت الانتخابات في حقيقتها هي أسلوب ديمقراطي لتداول السلطة، فأي تداول للسلطة جرى في العراق عبر أثني عشر عاما جرت فيها ثلاث دورات انتخابية وبقي حزب الدعوة في السلطة بالرغم من عزوفه عن مواجهة مشكلات العراقيين الأساسية على جميع الأصعدة وفي مقدمتها الصعيد الاقتصادي؟

لا أعتقد أن الشعب العربي في حاجة إلى مزيد من جرعات الديمقراطية بقدر حاجته إلى من ينزع عنه ثياب الفقر والجهل والمرض والحرمان والعزل والتهميش والبطالة وينظف طريقه من قطاع الطرق والأفاقين واللصوص والقتلة والمتاجرين بالدين. وكل ذلك لن يتحقق عن طريق ديمقراطية ريفية تتنافس من خلالها أحزاب وكتل ومنظمات لا تؤمن بالديمقراطية.

فهل علينا أن نصدق أن أحزابا مثل حزب الدعوة والتيار الصدري والمجلس الأعلى وعصابات مسلحة مثل منظمة بدر وعصائب أهل الحق وجماعة الاخوان المسلمين هي قوى تناضل من أجل إرساء قواعد الديمقراطية في بلد وشعب لم يتعرفا على أية صورة من صورها في تاريخهما؟

علينا أن نكون منصفين حين يتعلق الامر بمصير شعب طحنته الحروب فلم يعد يميز بين عدوه وصديقه.

إن من الانصاف بالنسبة لي أن لا يستمر اللعب بعقول ذلك الشعب المسكين الذي يشكل تاريخه الحديث واحدة من أكبر مآسي التاريخ وأكثرها مدعاة للعجب.

فحين يتوجه ذلك الشعب الذي يحلم في أن يعيش كما البشر في البلدان التي تحيط بالعراق إلى مراكز الاقتراع فإنه يدرك ما تنطوي عليه مشاركته من عبث مجاني. ذلك لأن كل شيء سيظل في مكانه وأن السنوات الأربع المقبلة لن تكون أفضل من سابقاتها.

ولكن ينبغي أن تكون تلك القوى الديمقراطية أكثر رأفة بذلك الشعب وتهبه شيئا من حقوقه الديمقراطية بدلا من الانتخابات التي لن يحتج أحد إذا ما تم الغاؤها أو حتى اشعال النار فيها. فشعب تمكن منه الفقر بالرغم ما حبته الطبيعة من ثروات لا ينتظر إلى المستبد إلا من جهة عدله.