تجاذبات سياسية مبكرة تستبق الانتخابات البرلمانية في العراق

حسابات ضيقة لا تخدم مصلحة المواطن

بغداد ـ تُجرى في العراق يوم 12 مايو/ أيار المقبل انتخابات برلمانية مهمة اشترط مجلس الوزراء ألا تكون للأحزاب التي تخوضها أجنحة مسلحة.

ووفق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، تم تسجيل 204 كيانات سياسية لخوض الانتخابات، التي ستشكل نتائجها حكومة تقود بغداد في مرحلة ما بعد القضاء على تنظيم "داعش"، العام الماضي.

وقبل إقرار مجلس الوزراء موعد إجراء الانتخابات رسميا، سارعت الكيانات السياسية والأحزاب إلى تجديد أنشطتها، بعد دحر داعش في المحافظات الشمالية والغربية (نحو ثلث مساحة العراق) التي سيطر عليها، منذ صيف 2014.

وعملت هذه الكيانات والأحزاب على ترتيب تحالفات لتتمكن من خوض انتخابات مثمرة لها، باعتبار أن الحكومة المقبلة سيكون لها دور أساسي في رسم سياسة ومستقبل العراق الداخلي والخارجي.

وبدأت تظهر ملامح التوجهات السياسية والبرامج المعلنة للأطراف السياسية، والتي تعكس ملامح العملية السياسية خلال الانتخابات، وستؤثر على مرحلة ما بعد الانتخابات، لا سيما بالنسبة للكيانات التي تمتلك مقاعد برلمانية تستطيع عبرها طرح مشروعها، ومنها:

مشروع التيار الصدري الذي يدعو إلى اختيار وزراء من خارج الأحزاب السياسية، عبر تقديم شخصيات تكنوقراط، ويقع مشروعه، الذي سمي (ثائرون)، على النقيض من مشروع رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي (2006-2014)، المعبر عن الأغلبية السياسية والخاص بـ"ائتلاف دولة القانون".

ويبدو واضحا أن الهدف من مشروع المالكي هو حصر تداول العملية السياسية بين القوى الشيعية، في إشارة واضحة إلى استمرار النهج الطائفي في فكر المالكي.

وشكل التيار الصدري تحالفاً باسم "ثائرون" يضم قوى سياسية، بينها حزب الاستقامة الوطني، والحزب الشيوعي، إضافة إلى قوى سياسية بمباركة زعيم التيار، مقتدى الصدر.

ويعارض الصدر ترشيح المالكي وقائمته "ائتلاف دولة القانون"، الذي يضم حزب الدعوة الإسلامية، وحركة النور، وتيار الوسط، والحزب المدني، وحركة البشائر الشبابية، وكتلة معاً للقانون، والتيار الثقافي المدني، وحزب دعاة الإسلام.

ويدعو الصدر إلى عدم انتخاب المالكي أو اختياره رئيسا للحكومة المقبلة.

ويتوافق مشروع التيار الصدري كثيرا مع برنامج الدولة المدنية، وهو مشروع الكتلة الوطنية العراقية لإياد علاوي، عراب المعارضة العراقية، والذي يدعو إلى بناء دولة مدنية علمانية، وتشكيل حكومة تكنوقراط، كرد فعل على فشل تجربة الأحزاب الشيعية في الحكم. وبهذا يتوافق علاوي كثيرا مع ما طرحه الصدر.

وتحدثت أنباء عن تشكيل تكتل ربما سيتبلور بعد ظهور نتائج الانتخابات بين تكتلي الصدر وعلاوي، إلا أن هذه التكهنات سقطت بعد إعلان علاوي عن تكتل واسع.

فقد كشفت ميسون الدملوجي، المتحدثة باسم "ائتلاف الكتلة الوطنية"، بزعامة علاوي، مؤخرا، عن ائتلاف يضم أكثر من 30 كتلة وتيارًا ويهدف إلى بناء دولة مدنية تضمن حقوق جميع العراقيين.

وأضافت الدملوجي أن "الائتلاف الوطنية" سيخوق الانتخابات في جميع المحافظات، وأن اجتماعا لكياناته صادق على منهاج الائتلاف الرافض للطائفية والمحاصصة المقيتة، والداعي إلى دولة مواطنة تقوم على العدل والمساواة.

ومن أبرز شخصيات هذا الائتلاف: رئيس الحزب الإسلامي (السني)، سليم الجبوري، ورئيس القائمة العربية، صالح المطلك.

والواضح أن ائتلاف علاوي والجبوري والمطلك سيكون إحدى مفاجآت الانتخابات لو أحسن اختيار مرشحين تكنوقراط.

ومن الطبيعي أن يدعم هذا التحالف قائمة رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، في نهاية المطاف، عند الترشيحات اللاحقة لمجلس الوزراء ورئاسته.

في الوقت نفسه فإن ما طرحه رئيس التحالف الوطني، عمار الحكيم، قد يرقى إلى تسميته مشروعا، لكن دون وجود آلية عملية لتنفيذه.

بعبارة أخرى فإن مشروع التسوية السياسية والمصالحة الوطنية الذي تروج له كتلة الحكيم هو ما ذهبت إليه معظم الكتل الوطنية، ولكن من دون خطوات عملية لتنفيذه.

أما العبادي فيستند إلى النجاحات التي حققها في القضاء على "داعش" (بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية)، إضافة إلى الدعم الأميركي والبريطاني.

كل ما يبتغيه العبادي هو الاستمرار في السلطة لولاية أخرى، دون مشروع انتخابي واضح، خاصة بعد أن انفض سريعا ائتلاف "نصر العراق" الانتخابي، الذي أعلنه مع أبرز فصائل "الحشد الشعبي" (قوات شيعية مدعومة من إيران وموالية للحكومة العراقية).

الشيء الوحيد المأمول من العبادي، في حال إعادة انتخابه، هو البدء بعملية محاربة الفساد المالي والإداري المستشري في العراق.

لكن إيران، التي ترى أن التقارب بين العبادي وواشنطن يؤثر سلبا على خارطة نفوذها في العراق، قد تزيد دعمها لكتلة المالكي، وربما الحكيم أيضا، باعتبارهما أوثق حلفائها في بغداد.

من هنا نرى أن الساحة العراقية تمتلئ بالكثير من التجاذبات الإقليمية والدولية، والتي تؤثر مباشرة على الاستقرار السياسي والأمني في العراق، في حال بقاء تلك التحالفات القلقة.

من الطبيعي القول، وبعد تقاطع البرامج والمشاريع الانتخابية الشيعية، أن الخلافات بين التكتلات والقوى السياسية تصاعدت على وقع استعدادها للانتخابات، التي قد تؤشر على خارطة تحالفات جديدة بعد النتائج، وربما قبلها.

في المقابل تحررت مدن السُنة من سيطرة داعش ولا يزال جل أهاليها يعيشون في مخيمات نزوح، لذا فإن عودتهم إلى مدنهم هي على قمة أولويات قيادات السُنة، خاصة وأن إعادتهم إلى مناطقهم هو بمثابة المنقذ الوحيد لتمثيلهم في البرلمان.

ويرى البعض أن عددا من القيادات السُنية لم تظهر بقوة ولائهم وإخلاصهم لمواطنيهم، سواء مواطني مدينتهم أو طائفتهم، بسبب ازدواجية الدور الذي لعبوه في الفترات السابقة، عبر تحالفاتهم التي مزجت بين التيار الديني والتيار المدني، وأيضا تقلبهم بين دور المعارض ودورهم السياسي.

وربما في ضوء ذلك ستخسر القوى السُنية الكثير من مواقعها لصالح التحالف الشيعي، كما أن القوى السُنية وزعاماتها التقليدية ستكون الخاسر الأول أمام ظهور زعامات قوى مدنية جديدة، ليس بسبب إحباطهم وقلة حيلتهم أمام الهيمنة الشيعية، ولكن بسبب تفرقهم في كيانات، وخلو تلك الكيانات من قياديين يستطيعون الحصول والحفاظ على حقوق مرشحيهم.

رغم هذا فإن الحفاظ على الزعامات السُنية التقليدية وإعادة انتخابها هو مطلب ملح للتيار الشيعي، الذي يتقن التعامل معها، ويخشى وصول قيادات شبابية سُنية جديدة تعكر مزاج الصفوة السياسية في الصالونات المغلقة.

بصورة عامة فإن الأحزاب السياسية الدينية والليبرالية مترهلة، ما يفقدها القدرة على قيادة جمهورها المطالب بالقضاء على الطائفية والفساد السياسي والإداري والمالي، فكيف الحال بالأحزاب السُنية، التي لم تستطيع حتى الآن تحقيق معظم مطالب وحقوق السُنة في العيش كمواطن من الدرجة الأولى يتمتع بكافة الحقوق والامتيازات مقارنة بغيرهم.

وكما المشاريع السُنية والشيعية فإن المشروع الكردي هو أيضا مصاب بالترهل الإداري والتنظيمي، مع عدم وجود برنامج إصلاحي عملي وعلمي.

لكن هناك طرفا أخر وهو الطرف الكردي، فربما يخسر أيضا الكثير من مقاعده في الانتخابات المقبلة، إن لم يستطيع جمع كافة القوائم في قائمة موحدة، وهي التي كانت تمتلك الزعامة التقليدية.

إن خسارة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (بزعامة الرئيس العراقي الراحل جلال الطلباني) أمام "حركة التغيير" الكردية في الانتخابات الماضية تؤرق قيادته على الدوام.

من هنا يواجه التحالف الكردستاني معضلة حقيقية أمام جماهيره، التي ستفاجئ الجميع باختياراتها، لاسيما مع وجود تفاهمات ومؤازرة بين قيادات شيعية وبين قيادات بعض الأحزاب الكردية.