التأخر في الجزائر والاستقالة في بريطانيا!

تابعت لقطات محدودة من تسجيل تناقلته صفحات مواقع التواصل، قبل أن تذيعه كبرى القنوات الفضائية في العالم، مفاده أن وزيرا في بريطانيا تأخر لدقائق عن موعده المحدد في مجلس الشعب.

شعر الوزير بالخيبة والعار وهو يغيب عن مناقشة كانت مبرمجة وموجهة له، ولم يقتنع بمبرر التأخر وقدم استقالته على الفور.

في حين: تتأخر المشاريع لسنوات في الجزائر، وتتأخر رحلات الطائرات، ويتأخر الاعلان عن نتائج الانتخابات، ويتأخر الاعلان عن نتائج الامتحانات، ويتأخر الاعلان عن قوائم السكنات، والتوظيف، وتتأخر الحافلات، والقطارات، والبواخر والمواعيد في المستشفيات والمواعيد المختلفة.

وتتأخر الصلوات، وتتأخر العلاوات والترقيات، ويتأخر العلاج. يتأخر الدفن وتتأخر الحفلات وتتأخر أجيال بكاملها، بل ويتوقف البلد باختصار... والشعار: كل عطلة فيها خير.

لا أحد من المسؤولين في الجزائر الاّ ما رحم ربي وقليل ما هم، كان له ضمير مثل ضمير الوزير البريطاني، وقدم استقالته، ولو لمجرد لقطة نتسلى بها في الأيام العجاف.

بل وصل الحد ببعض المسؤولين أن يعلن تحديه لإرادة الشعب كذا مرة، ويعلن عن استعداده لانتخاب الرئيس ولو في قبره.

أرأيتم أيها السادة الأفاضل الفارق بين دولتين؟ أرأيتم الفارق بين الارادتين؟ أرأيتم الفارق بين العقليتين؟ أرأيتم سلطة الشعب؟

دولة: يشعر فيها المسؤول بالعار لمجرد التأخر عن الموعد، لأنه يعلم ردة الفعل، والرقابة، والاعلام... ودولة يفعل المسؤول فيها ما يحلو لأصحاب القرار، حتى ولو قطعت الطرقات، وقطعت الأرزاق، وقطعت الأرحام... ويجد من يزوق له ويخفي عوراته.

دولة: يُدرّس فوق منابر مساجدها، ومدارسها، الوفاء بالعهود، والاتقان في العمل، وحفظ الأموال والأنساب والدماء... وينكث المسؤول بوعده، ضاربا عرض الحائط بالثوابت، ويجد من يفتي له ويقرأ الأعذار.

ودولة: يطبق فيها الوفاء بالعهد، وتحترم ارادة المواطن وفق العقد الذي أبرمه المسؤول مع المواطن.

فيا أمة خالد وايدير كما أسلفت في موضوع سابق: دعونا من الخطب العصماء فوق المنابر المختلفة، لقد صدعتم رؤوسنا بالحديث عن أمانة الشهداء وسليل جيش التحرير.

أوفوا بالعهود والوعود التي قطعتموها على أنفسكم على الأقل...في إنجاز المشاريع التي التهمت ملايين الدولار والدينار.

فإن الجزائر لم تعد تطيق تأخر المشاريع وتأخر الوعود وأصبح التأخر علامة: صُنع في الجزائر.

الجزائر اليوم: تحتاج الى الصرامة والحزم للالتحاق بالركب ومواقف ترقى الى قرار وزير بريطانيا الذي قدم استقالته أمام الملأ، احتراما للعهد الذي قطعه على نفسه أمام مواطنيه.

لم يصارحهم بحقيقة تأخره فيقول مثلا: أعذروني أيها السادة؛ لقد وصلت محطة الميترو متأخرا، أو نمت البارحة في الطائرة متأخرا بسبب كثرة الملفات التي بحوزتي، أو وجدت زحمة في الطريق ولم أستطع أن أخبر الشعب بأنني وزير، ويجب على عامة الشعب أن يتأخروا في عملهم ويفسحوا لي الطريق حتى أصل في الموعد.

بل قدم استقالته.

فرق بين أن يتأخر مسؤول ويقدم استقالة في بريطانيا... وتأخر مشاريع في الجزائر دون تقديم مجرد اعتذار للشعب.