القدس والقطبة المخفية في مجلس الأمن والجمعية العامة

ثمة مفارقة ملفتة في التعاطي الذي تم فيه عرض قضية القدس في مجلس الأمن والجمعية العامة، وفي كلتا الحالتين ثمة أسئلة قانونية يترتب عليها الكثير من التداعيات.

فبعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، تقدمت المجموعة العربية بمشروع قرار عبر تركيا واليمن وعبر مصر باعتبارها عضوا غير دائم في الدورة الحالية لمجلس الأمن، في محاولة لإلغاء القرار الرئاسي الأميركي، ولُخص مشروع القرار بصياغة دبلوماسية فائقة الدقة، إذ لم يشر إلى الولايات المتحدة لا تصريحا ولا تلميحا، وبالتالي من الناحية القانونية اعتبر مشروع القرار، أن قضية القدس هي "وضعا" وليس "نزاعا" وبالتالي وبموجب المادة 27 الفقرة الثالثة، احتفظت الولايات المتحدة بحقها في التصويت عند عرض المشروع على المجلس وبالتالي حقها في إمكانية استعمال حق النقض الفيتو. وهذا ما حصل عمليا وواقعيا وتمكنت واشنطن من فرض قراراها في المجلس الذي صوت بـ 14 صوتا مع القرار.

إذا القطبة المخفية تمّت بداية في توصيف قضية القدس في مشروع القرار الذي اعتبره بعض المدافعين عنه أكثر الممكن في هذه الظروف الدولية الراهنة، وفي واقع الأمر أن النتيجة هي واحدة في المسارين، فتحديد أي مسألة هي وضعا أو نزاعا لا تخضع لمعايير محددة أو اعتبارات قانونية أو سياسية أو سوابق محددة، بل يعتبر المجلس في هذه الحالة سيد نفسه؛ بل من الممكن اللجوء إلى وضعية أخرى وادخل القضية في مسار آخر، وهو اعتبار طرح القضية في الأساس عملا إجرائيا أو موضوعيا، وبالتالي الذهاب إلى مسار آخر، فإذا اعتبر موضوعيا فعندها يستلزم تسعة أصوات من بينها أصوات الدول الخمس الكبرى وبالتالي صوت الولايات المتحدة من ضمنها وهو أمر متعذر في الحالة بكونها لن تصوت لصالح هذه الحيثية بالتحديد.

في أي حال، يبدو ثمة اتفاق مسبق تم في كواليس مجلس الأمن مع وزارات خارجية الدول المعنية والفاعلة في هذا الموضوع، ذلك لتمرير مشروع القرار بأقل الضجيج الممكن، وبحيث يتاح سلوك مسارات أخرى من بينها الانتقال إلى الجمعية العامة.

إن شرطي الانتقال إلى الجمعية العامة هما متوفران من حيث المبدأ، الشرط الأول هو تعذر الوصول إلى حل في مجلس الأمن، والثاني أن لا يكون الموضوع مدرجا أو لا يزال مدرجا على جدول أعمال المجلس، وهذا ما تم تأمين البيئة الموضوعية له لإتاحة المجال للانتقال إلى الجمعية العامة، لاتخاذ مسار قرار الاتحاد من اجل السلام/القرار 377 الصادر في 3 تشرين الثاني 1950 عن الجمعية العامة نفسها، والذي من خلاله تحل الجمعية العامة محل مجلس الأمن في إمكانية اتخاذ قرارات تنفيذية لحفظ الأمن والسلم الدوليين شرط إعلام مجلس الأمن بقرارها قبل المضي به.

تنعقد الجمعية العامة في دورة استثنائية طارئة بناءً على طلب الأغلبية المطلقة من أعضائها، أو بناءً على طلب أي عضو وخلال 24 ساعة، هذا ما تم فعلا. ففي حين غابت عن جلسة التصويت 21 دولة، امتنعت 35 دولة عن التصويت، وعارضت القرار تسع دول من إجمالي الدول الـ193 الأعضاء في الأمم المتحدة. حيث انضمت سبع دول هي غواتيمالا وهندوراس وتوغو وميكرونيزيا وناورو وبالاو وجزر مارشال إلى إسرائيل والولايات المتحدة في التصويت ضد القرار.ومن الدول الـ35 التي امتنعت عن التصويت الأرجنتين وأستراليا وكندا وكرواتيا والتشيك والمجر ولاتفيا والمكسيك والفلبين ورومانيا ورواندا. أما أوكرانيا التي أيدت مشروع القرار في مجلس الأمن، فكانت من بين 21 بلدا تغيب عن جلسة التصويت.

وفي لعبة الأرقام هنا، صوّت مع القرار 128 دولة أي اقل من ثلثي أعضاء الجمعية العامة (الثلثان هو 128.66667)، أي يستلزم صوتا إضافيا ليصبح الثلثين مع القرار، وهو أمر يتطابق مع حالات أخرى تم التصويت عليها وتتخذ كسوابق في الاسترشاد لجهة القوة القانونية للقرار من بينها تحديدا قرار الجمعية العمة بخصوص إنشاء قوة أممية في سياق الأزمة الكورية 1950، وقرار الجمعية العامة في معرض إنشاء قوة فصل إبان العدوان الثلاثي على مصر، وهما القراران اللذان نفذا عمليا من أصل عشرة قرارات اتخذتها الجمعية العامة وفقا للقرار 337/1950.

في أي حال من الأحوال، لم يتضمن القرار أي نص إجرائي تنفيذي، واكتفى بالدعوة إلى الالتزام بقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن ذات الصلة بقضية القدس، وأي منها لم يؤخذ في الأساس وفقا لصلاحيات مجلس الأمن ضمن الفصل السابع من الميثاق. ما يعني أن القرار يعتبر من الوجهة القانونية ليس ملزما إلى الآن، إلا في حال تابعت الجمعية العامة لاحقا القضية عبر رئيسها كما أتى في نص القرار. وفي مطلق الأحوال يعتبر القرار المتخذ نوعا من القرارات المعبرة عن الرأي العام العالمي، ويعكس اتجاها سلبيا في نظرة الكثير من الدول تجاه السياسات الأميركية المتصلة بالصراع العربي الإسرائيلي. لكن السؤال هل يمكن اعتبار هذا التصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة إجراءً بريئا؟ أم تم التخطيط له بعناية فائقة، يبدو أن الأمر كذلك!