الفساد ينخر منظومة الدعم بتونس في انتظار إصلاح تأخر

حاجة ملحة لتصويب سياسات تعود الى أربعينات القرن الماضي

تونس - مشهد أصبح يتكرر يوميا أمام عدد من المتاجر التونسية يتمثل في عدم توفر بعض السلع المدعومة من الحكومة كالزيت والسكر بالكميات المطلوبة.

ويبرر التجار نقص معروض السلع المدعومة في البلاد إلى تهافت كبار التجار على شرائها وإعادة بيعها للصناعيين والمهنيين بأسعار أعلى.

يطرح هذا المشهد معضلة منظومة الدعم في تونس إذ يجمع مسؤولون ومختصون على أنه "حان الوقت لإجراء مراجعة جذرية للدعم والإسراع باتخاذ التدابير العملية ليوجه إلى مستحقيه".

وفي أحدث دراسة أنجزها المعهد الوطني للإحصاء (حكومي)، فإن الطبقة الفقيرة تتمتع فقط ب 9.2 بالمئة من الدعم، فيما تحظى الطبقة الوسطى بـ 60.5 بالمئة والميسورون ب 7.5 بالمائة.

وترجع سياسة دعم المواد الأساسية في تونس إلى أربعينيات القرن الماضي.

وتدعم تونس عدة منتجات وسلع، منها الخبز والفارينة (الطحين) والعجين الغذائي والسكر والزيت النباتي، والمحروقات، وبعض أنواع من العلف الحيواني.

تلاعب بالدعم

وتقر فضيلة الرابحي المديرة العامة لوحدة تعويض المواد الأساسية في وزارة التجارة التونسية بتفاقم كلفة صندوق الدعم في تونس من 730 مليون دينار (304 ملايين دولار) في 2010، إلى 1.570 مليار دينار (729 مليون دولار) للعام الجاري.

الرابحي كشفت عن "وجود تلاعب وتبذير وتهريب المواد المدعمة، والاتجار فيها بطرق غير مشروعة، واستعمالها في غير الغرض المخصص لها (الاستهلاك العائلي).. التي تحول للاستخدام لأغراض الصناعة وللمطاعم والفنادق".

"الفارق في أسعار المدعمة وبين سعرها الطبيعي يغري المزودين والتجار على بيعه إلى الصناعيين والمهنيين بأثمان أعلى"، تقول المسؤولة الحكومية.

كذلك يعد تهريب المواد الغذائية المدعمة إلى كل من ليبيا والجزائر، سببا في تراجع معروض السلع المدعمة داخل الأسواق المحلية.

وقدرت الرباحي، أن "التلاعب والتهريب المواد المدعمة يصل إلى نسبة 30 بالمئة من كلفة الدعم في تونس".

وفي بعض المناطق أصبح السميد الغذائي يستغل كعلف للمواشي باعتبار سعره المدعم منخفض جدا مقارنة مع شراء أعلاف مخصصة لها.

ويبلغ السعر الحقيقي للخبز الكبير في تونس 500 مليم ويباع مدعما بـ 230 مليما أما الخبز الصغير فيباع في السوق مدعما بـ 190 مليما، وتدعمه الدولة بنحو 121 مليما.

ووفق المعهد الوطني للاستهلاك، يقدر إتلاف الخبز سنويا بـ 900 ألف رغيف ما يساهم في ضياع حوالي 100 مليون دينار (39 مليون دولار) على المجموعة الوطنية.

حفاظ على الدعم

يقول سليم سعد الله رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك (مستقلة)، إنّه "لولا تدخل الصندوق العام للتعويض، لدعم المواد الأساسية لأصيب حوالي ثلث العائلات التونسية بالمجاعة".

ويضيف أن "المنظمة رصدت ارتفاعا تصاعديا في كافة المواد الاستهلاكية بما فيها المواد الفلاحية والمواد الصناعية، مما ولد عجزا هاما في ميزانية العائلات التونسية التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة".

طارق بن جازية، المدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك (حكومي)، يقول إنّ "منظومة الدعم في تونس تتسم بكونها شاملة، ولكنها مكلفة من الناحية الاقتصادية باعتبارها تؤثر على الميزانية".

وأضاف أن عديد الدول، قامت بعدة مراجعات لمنظومات الدعم سواء المحروقات أو المواد الأساسية على غرار التجربة الإيرانية، من خلال إعطاء دعم مالي للأسر في الحسابات البنكية، كتعويض للدعم مع تحرير أسعار المواد المدعمة.

واعتمدت التجربة المصرية البطاقات التموينية الذكية المخصصة لمحدودي الدخل فقط، علاوة على التجربة المغربية التي تتوجه نحو رفع الدعم عن المواد الغذائية كالسكر والدقيق والغاز بعد تحرير منظومة دعم المحروقات.

أما التجربة الأردنية، فقد رفعت الدعم كليا عن الخبز، وصرفت مستحقات مالية للمتضررين من رفع الدعم وزيادات الضرائب على بعض السلع الأساسية.

وعن مسارات الإصلاح الدعم في تونس رأت فضيلة الرابحي أن "أهم إصلاح هو الانتهاء من إعداد المعرف الاجتماعي الوحيد (آلية لحصر العائلات والأشخاص المعنيين بالحصول على الدعم)".

وتعكف رئاسة الحكومة التونسية مع وزارة الشؤون الاجتماعية، على الانتهاء من المعرف الاجتماعي في صيف 2018، بما يمكن من تعويض نظام الأسعار بنظام دعم الدخل الفردي.