الشاحب.. سوريا الإغواء الأخير لأردوغان

القرار الصحيح اتخذ بمزاجهة الإخوان في مصر

كانت سوريا أول عاصمة عربية يزورها أردوغان بصفته رئيس وزما نشر فيراء تركيا، في ديسمبر (كانون الأول) 2004، وبالزيارة احتفى البعث السوري الذي كانت علاقته بالدول العربية تتراجع.

مهد مرشد الحلف العثماني: يوسف القرضاوي، لزيارة أردوغان بأن زار دمشق والتقى الرئيس بشار الأسد مادحا. وفي أغسطس (آب) 2008 رد الأسد الزيارة إلى تركيا، بحفاوة لا تقل عن السابقة، ومرة أخرى يصل القرضاوي إلى سوريا في وقت لاحق لهذه الزيارة مؤكدا مباركته، وداعما للأسد.

لاحظوا أن الفترة بين الزيارتين تخللها اغتيال الحريري، والقطيعة التامة بين سوريا الأسد ودول الاعتدال العربي، واستقالة أبرز الوجوه السنية في السياسة السورية، نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام، احتجاجا على طائفية النظام ودوره في اغتيال الحريري. (يمكن مراجعة مقالي السابق في هذه السلسلة المعنون: عثمان وعلي في بيروت).

عقد من المباركات والابتسامات وتأكيد الصداقة، وتحالف “الشرفاء” الممانعين. عقد من المصافحات والتفاهمات بين الحلف الفارسي ومماليكه المتحدثين بالعربية وبين الحلف العثماني ومماليكه المتحدثين بالعربية.

ثم جاء عام 20111، فكأن المسافة بين العقد الذي بدأه والعقد المنصرم قرن وليس سنة. تقشر القناع الذي ارتداه الحلف العثماني كثلج لفحته شمس إستوائية. كان عام ٢٠١١ عام الإغواء الأخير لأردوغان. والفتنة كانت أكبر من أن تقاوم.

مصر رهن مماليكه من الإخوان وجناحهم المسلح، الجماعة الإسلامية. قرينتها “الجماعة الإسلامية المقاتلة” تسيطر على ليبيا تحت كنية جديدة. كلتا الجماعتين نجحتا بتوجيهات الإخوان وقيادتهم في الخروج من السجون بموجب مبادرة لوقف العنف، وكمنت حتى لاحت الفرصة. تونس سبقت البلدين. لقد بدا أن الجمهوريات العربية السنية تتساقط في يد الحلف العثماني كما سبق للشيعية أن سقطت في يد الحلف الفارسي. اكتشفنا أنه بينما شغلنا هذان الحلفان كثيرا بـ”مؤامرات الصليبيين واليهود”، فقد كانا في الواقع يلعبان معنا لعبة (شايف العصفورة) سياسية مخجلة لذكائنا الجمعي. كانا هما المؤامرة الحقيقية.

لو مد الحلف العثماني نفوذه إلى سوريا لملأ أهم فراغ في خارطته المزمعة. لتحكم منها في بيروت، ووصلها بغزة حماس، وهو –كان وقتها- قاب قوسين من مصر، وليبيا، وتونس. لو حاز سوريا لفعل ما فعله كل السابقين له من عثمانيين وبيزنطيين وإغريق وفرس، سيطر على شرق المتوسط، ونفذ إلى ساحله الجنوبي. كانت دمشق له جائزة لا يوازيها إلا بغداد في يد الحلف الفارسي في 2003.

هل كان في العقد المنصرم يتآمر؟ يتظاهر بصداقة دمشق بينما يخفي خلف ظهره خنجرا؟ أم كان صديقا لدمشق لأن هذا كان مدخله الوحيد للتمكن منها ثم لاحت له الفرصة؟ لا نعلم.

لكننا نعلم أن الإغواء كان قويا، وليس من السهل مقاومته. كل الظروف مهيأة والأسباب متعددة.

منها الطبيعة الطائفية لسوريا، المرآة المعكوسة للعراق. الأسد أحاط نفسه ببطانة من العائلة/ الطائفة العلوية، كما فعل صدام حسين السني من قبل.

ثم إن حاكم دمشق المغرم بإلقاء الدروس التاريخية أثبت أنه يحفظ كثيرا منها، لكنه لا يفهمها. لقد وتر علاقته ببحره المجاور، لصالح علاقات مع جزر طائفية. استعدى الدول العربية المجاورة إلا واحدا. اكتم الضحك. هذا الصديق الوحيد الذي أغراه بالتمادي في معاداة جواره، وزين له ذلك، ووعده وأوفى بأن يدافع عنه ويروج لأفعاله واغتيالاته ومؤامراته الإيرانية أمام الرأي العام بوصفها رمز “الممانعة”. وها هو “الصديق الوحيد” يترقب الآن قرار زعيمه بشأن سوريا، هل يستمر في صداقتها أم يقلب البطاقة على وجهها الآخر؟. لكن قرار الزعيم لم يكن سهلا، هكذا الإغواء، لا يكون إغواء إلا لو احتمل خطرا.

يعلم زعيم الحلف العثماني أنه لو تحرك لاقتناص الفرصة السورية فسوف يضع حلفه في مواجهة الحلف الفارسي، صديق الأمس القريب. وعليه أن ينقلب على الترتيبات المعتمدة طوال العقد الأخير.

لكن بالنسبة للمجرم الشاحب الأمر بسيط. أن يطلق فيصل القاسم لحيته ويحرض طائفيا، ويلف القرضاوي رقبته (180) درجة ليحدثنا من وجهه الآخر المركب على الجهة المقابلة من جمجمته، وأن تُظهر القيادة السياسية في وجه أصدقاء الأمس نذالة قياسية. ليست تلك مشكلة على الإطلاق. النذالة صفة حتمية، ومكون نفسي أساسي في شخصية “المجرم الشاحب”. لا سبيل له إلى البقاء في غيابها. لا هيبة تجعل أمره نافذا، ولا قوة تحميه. مجرم. لكنه شاحب وهزيل.

من يتحمل الكلفة العسكرية لو آلت الأمور إلى هذا؟ سأل زعيم الحلف العثماني نفسه.

هنا يبدو أن مسار الأحداث في مصر وقتها شجعه، وحسم له قراره. والموقف الأمريكي المعلن وسلوك أوباما في مصر برَّد جوفه ببطيخة صيفية. وستشد الأيام القريبة عزمه أكثر وأكثر. سيتولى رئاسة مصر رجل من الإخوان العثمانيين، وسيشارك في مؤتمر “نصرة سوريا”، الذي تحول إلى مؤتمر من القرن السابع الميلادي، الحديث فيه عن الفرق الدينية وفساد عقائدها، وليس عن الصراع السياسي.

هل يأمن أحد للمتقلب؟

دعونا نتوقف هنا لحظات. فالظاهر على السطح قد يخفي التناقضات الباطنة. ويخدع الناظرين. نعم كانت السعودية والإمارات تتخوفان من الحلف الفارسي وامتداده، ولهما مصلحة واضحة ومعلنة في إسقاط نظام بشار الأسد. لكنهما تتخوفان أكثر من سقوط مصر في قبضة الإخوان، بل ومن سقوط سوريا في يد الإخوان.

بالنسبة لهما، مشكلة الحلف الفارسي في هلاله الشيعي خطيرة، لكنها مرض مزمن يتعاملان معه خطوة خطوة. أما مصر فمريض في غرفة الطوارئ، حالة حرجة، يجب التعامل معها الآن، وإلا كانت المضاعفات خطيرة.

ثم إنهما لا تثقان في نية الحلف العثماني. بل تتخوفان من أن تضطرا قريبا جدا إلى مواجهة حلفين طامعين كليهما في أرض الخليج وثروته والتحكم فيه. حلفين أيديولوجيين نضاليين. وتلك أسوأ أنواع الأعداء، خليط متفجر من الحمق والحماس. بل ربما يكون الحلف العثماني أشد خطرا بسبب امتداداته في المجتمعات السنية.ىهذه معضلة سياسية القرار فيها حياة أو موت.

القرار الصحيح

لم تسهم السعودية والإمارات فقط في منع سقوط مصر في يد الإخوان. لكنهما أيضا –في مرحلة لاحقة– لم تساوما عليها، حين وضع الحلف العثماني تأييده لعاصفة الحزم في اليمن مقابل تخلي السعودية والإمارات عن تأييدهما للنظام الجديد في مصر. توترت العلاقات قليلا بين أركان محور الاعتدال العربي، لكن التفكير الواقعي وتفهم المواقع المختلفة عاد وانتصر.

تقاربت مواقف محور الاعتدال العربي بشأن سوريا، فلم تعد السعودية والإمارات عمليا تصران على الإسقاط الفوري لحاكم دمشق، ولم تعد مصر حريصة على تقارب نشط يدعمه في مواجهة الإخوان. رأى الجميع الفرصة السانحة في إمكانية الإبقاء عليه تحت ضغط، وبالتالي استنزاف الحلف الفارسي في الدفاع عنه. واستنزاف الحلف العثماني في حربه.

أدرك الحلف العثماني هذا المصير. ولا سيما أن روسيا دخلت على الخط بقوة. بل أدرك الحلفان معا أن دول الاعتدال العربي تفوقت عليهما استراتيجيا -دعك مما يتردد في الإعلام- بالانسحاب التدريجي من واجهة الصراع، وتركهما متشابكين في مستنقع.

هنا، للمرة الثانية في غضون سنوات، كان على المجرم الشاحب أن ينتظر على كرسي إلى جوار الحمام التركي، في انتظار خروج الزعيم بقرار في هذه المعضلة. القرار هذه المرة كان أسهل نضجا، لكنه أقسى طعما. معفي من حيرة الاختيار بين المكاسب. إذ لا مكاسب. بل تقليل الخسارة بقدر الإمكان. لقد فقد الحلف العثماني مصر. ولم يكسب سوريا. لقد فقد ثقة حلف الفرس، ولم يكسب ثقة العرب، وأشعل العداوة مع الأكراد. لقد استعدى الشيعة، واستحق عداء السنة. لقد كاد يصطدم بروسيا، ورفضت الإدارة الأمريكية الجديدة تلبية رغباته. وفوق كل ذلك، لقد استحضر الإرهابيين ولا يعلم كيف يصرفهم.