لا تستخفوا بالمعترضين

لا زلت متمسكا بالمقال الذي كتبته في 15/2/2018، تحت عنوان: "ولماذا الإنتخابات".. وربما أكون اليوم اكثر تمسكا به.. لأن العبرة ليست بالنتائج. فنتائج 2005 ونتائج 2009، لم تُحترم لسبب بسيط أن "الأمر" هو لمن يهزم العدو. وفي لبنان لا قيمة لتراتبية الرئاسات "الأولى والثانية والثالثة" فلا الرئيس "القوي" ولا حجم الكتل النيابية ولا الثلث الضامن، هو من يحكم.. ولا تسليح و"تمكين" الجيش الوطني هو من يملك قرار الحرب والسلم. "نسبية" النتائج قد "نبلّط" بها البحر وقد "ننقعها" لنسكر بـ"شعارات" الديمقراطية والبرلمانية. لكن، إقترعوا بكثافة لتسجلوا الأكثرية الفعلية ولو سُرقت منكم.. لكن إنسوا نتائج الإنتخابات النيابية.

هذا لا يمنع حدّة المبارزات الإنتخابية لدرجة "كسر العضم" في بعض الدوائر الإنتخابية وقد لا تُستثنىى هذه المرّة أية دائرة من لقب "ام المعارك" وذلك للأسباب التالية:

السبب الأول، ان الناخب خذله التمديد المتكرر للمجلس النيابي، وعدم تغيير الوجوه الهرمة.. لم يكن على قدر الوعود والتمنيات، خاصة ان النواب "العجزة" صحيا وسياسيا وذهنيا وجلّهم بات بحاجة الى "عكازات".. سيبقون الأكثرية الساحقة الذين سيتصدرون المقاعد في مجلس 2018.

السبب الثاني، ان ردات الفعل على أكثرية النواب "السماسرة" و"أكلة الجبنة" وهم من ساهم بإيصال البلد الى حافة الإفلاس السياسي والإقتصادي الإجتماعي والأخلاقي.. ويمكن ان نصنّف في وقت ليس ببعيد اننا "دولة فاشلة".

السبب الثالث، هو انه حتى من يٌصنّف نفسه أنه غير فاسد ولكنه صامت يبقى شاهدا على الصفقات المشينة في كل مرافق الدولة تقريبا.. من الكهرباء والضمان والمرفأ الى الكسارات والبيئة، والساكت عن الصفقات والمناقصات وروائحها وتعطيل أجهزة الرقابة وعن الفساد المستشري و.. هو شريك او شيطان أخرس.. وبالتالي عليه الإعتراف بفشله وبالتالي التنحي.

السبب الرابع، بروز جيل جديد "متمرّد" على التقليد السياسي سواء من الشعب الذي ملّ "الصمت" او من الطبقة السياسية الجامدة كلأصنام.. التي لا تقرأ ولا تسمع كل اشارات ولمعات التغيير حتى داخل بعض الأحزاب التي تصرّ على الجمود والتحجّر.

السبب الخامس، احذروا جيلا من "المثقفين" المسيسين لا يلتزم بتوجهات اهلهم السياسية والتقليدية.. هؤلاء قد لا يحسنون الإختيار ولكنهم لا يستطيعون غض النظر عن الإثراء غير المشروع وعن الفساد وروائح الصفقات وترهل الإدارة وجيش العاطلين عن العمل و..

للأسف مشكلة هؤلاء الجهلة انهم لا يقرأون.. لماذا لا يعودون الى الإنتخابات البلدية مثلا في بعلبك وفي مدينة بيروت.. الا يرون أن شعارات "زي ما هي" لم تعد صالحة بعد ثلاث عشرة سنة من استشهاد الرئيس رفيق الحريري.. وشعارات "بالدم.. بالروح" باتت من اللغات "المنقرضة".. وشعارات الصمود والتصدي للإرهاب و"لبيك يا".. لم تعُد تُبهر.. و"التكليف الشرعي" لم يعد مقدسا.. بعد دخول المقدسات والإنتصارات الإلهية "قفص" فساد الصفقات"؟ صارت الرسائل المفتوحة فاضحة فاهتزت القداسة والفتاوى.. كما ان اسقاط المرشحين بـ"المظلة" خارج ارادة الناخبين سواء كانوا "عشائر" او عائلات او أحزاب باتت مرفوضة.

وبكل محبة اقول للقريب والبعيد.. للحلفاء وللأخصام: لا تستخفوا بالمعترضين ولا تستهينوا بالورقة البيضاء.. ولا بتحولات وحسابات وعصيان الشباب.. الإنتخابات المقبلة حافلة بالمفاجآت غير السارة لكل الطبقة السياسيىة.

لكن لا بد من تحذير "الشباب" ان "التغيير" بالوجوه لا يعني وصول "الأفضل".. بعض الوجوه الجديدة غارقة في الفساد. ولا تغرنكم وجوه "التكنوقراط" "المنظرين" اي "الحكواتيين" الذين غلبت عليهم "الجعجعة دون طحين".. فالثقافة السياسية هي المواصفات المطلوبة للمرشحين.

من جهة ثانية، كان ينقص لبنان فضيحة مدوّية جديدة.. اسمها: "عيتاني – الحاج".. ليتم "النقل بالزعرور"! واللبنانيون يقولون ان الفضيحة: ستنتهي عاجلا ام آجلا الى "اللفلفة" كسابقاتها. فكل فضيحة لها حُماتها وهم دائما من "الرسميين"، وتنتهي عادة بالمحاصصة ولكل "محصحص" حصته من "الجبنة".

لكن، الأخطر والأفظع هذه المرة انها تطال القضاء الذي يُفترض أن يكون عنوان النزاهة.. ويطال الأجهزة الأمنية التي هي الأمل الأول والأخير للبنانيين.. فمهما كان الحكم الذي سيصدر عن قاضي التحقيق الأول سعيد ابو غيدا المعروف بمصداقيته ونزاهته بحق زياد عيتاني، لا يلغي الفضيحة الموصوفة.. فاذا بُرىء زياد عيتاني فما مصير الجهاز الأمني الذي اتهمه، واذا اتهمه القضاء فما مصير الوزير الذي برأه؟

وهل الحكم ببراءة او إدانة المتهم ينطق به القاضي باسم الشعب اللبناني.. ام الوزير؟ كم هو صعب العيش في دولة ضائعة بين الفساد والفضائح. ما احلى جمهورية الموز!

وهل نحن امام استعادة الجهاز المشترك ايام المكتب الثاني السيء الذكر ودكتيلو فبركة الأخبار وتوزيعها على وسائل الإعلام.. ام استحضار أرواح الجهاز الأمني اللبناني - السوري الأسوأ ذكرا؟

الا يذكرنا هذا الفيلم اللبناني المخابراتي الفاشل.. بأفلام عهد الوصاية يوم كانت التهم "المعلبة" جاهزة لأي كان من اللبنانيين المصنفين أخصاما او حتى المشتبه بهم او المشكّك بولائهم.. فتهمة "عميل اسرائيلي" هي جاهزة دائما وغب الطلب وسجن "فرع فلسطين" بانتظار المتهم.. والتهمة الثانية التي لا تقل شأنا عن العمالة "سبّ او شتم سيادة الرئيس" وسجن صيدنايا او المزّة ايضا بانتظاره.. والتهم المفبركة ربما توازي اعداد السجون وأقبية المخابرات وما أكثرها.. وكل هذه التهم غالبا ما ينتج عنها هدر دم الفاعل.. لكن الطريقة تختلف فقط وتتراوح بين "السحل" و"النحر" و"الأسيد" و"الشنق" و"الموت البطيء" و"الكهرباء" و"سلخ الجلد".. وأكثر الطرق "رحمة" الإغتيال ببضع رصاصات في الرأس والصدر والتفجير بطن ونصف.

.. الأبشع من كل هذا انه عند إعلان "تهمة" العمالة تتسارع الأقلام والصحف "الصفراء" باختلاق "السيناريوات" وسردهها.. وكأنها هي "الحقيقة المطلقة" لدرجة تصديق الكاذب لـ"كذبته" فيما الجماهير "الغفيرة" تصدق الكذبة وتتبناها مع قليل او كثير من "السبع بهارات" عليها..

في المحصلة، نحن متجهون وبسرعة الى الخلف.. والى عصر يمنح الحصانة للمعيلين فايز كرم وميشال سماحة، ويفبرك عمالة للبريء كما هي الحال مع زياد عيتاني بإخراج فاشل.