فالح عبدالجبار.. ومواجهة الانحطاط

إن لم يصنف الباحث العراقي، في علم الاجتماع، فالح عبدالجبار (1946 -2018) كتبه العشرين، لكفاه كتابه «العِمامة والأفندي سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الدِّيني»، أطروحته الأكاديمية (جامعة لندن- كلية بيربك)، به وببقية مؤلفاته والمئات من بحوثه ومقالاته وترجماته تأهل أن يكون أحد أبرز كُتاب وباحثي جيله، من عراقيين وعرب.

ودّع الباحث فالح عبدالجبار متابعيه على الهواء، داهمه الموت وهو يدلي بآخر حديث عن السياسة والمجتمع العراقي لقناة «الحرة» ببيروت. رفع يده كأنه يُلقي إشارة الوداع، وما هي إلا ساعات وتنعيه الأخبار، إلى جوار المركز الذي أسسه وفرط بصحته من أجل إنتاج الدِّراسات والبحوث، والدورات الطُّلابية على مدى أربعة عشر عاماً «معهد الدِّراسات العراقية».

ليس سهلاً، في هذا الوقت بالذات، مع وجود إمكانية التجاوز على جهود الآخرين عبر وسائل التقنية الحديثة (قطع ولصق)، بروز باحث جدير بالتقدير، وعلى وجه الخصوص في العلوم الإنسانية، التي لا تُحصر في غرف المختبرات والمعادلات الرياضية، إنما مختبرها الحياة والواقع الاجتماعي، وما فيها من إمكانية التسطيح والنقل غير الأمين، يتعلق صدقها على أمانة الباحث، لشعوره بثقل المهمة. أقول هذا لكثرة ما يؤلف ويُلفق، فكم حامل لقب باحث ومفكر وخبير استراتيجي لكنه عالة على جهود غيره.

لهذا، وفي أحوال العراق المتردية ثقافياً وفكرياً، لما مرَّ به من حروب وحصارات واجتياحات، يُفتقد باحث صدوق مثل فالح عبدالجبار، ومع أن الجميع بعد غيابه دعوه بالمفكر، لكنه لم يغتر باللقب، والسبب أن النَّاس جميعاً يُفكرون.

مِن أبرز الصِّفات التي تميز أمثال باحثنا أنه يغوص في أعماق الظاهرة، لا يترك نفقاً إلا ودخله باحثاً عن المعلومة، وكم عرّض نفسه لمخاطر الموت بسبب شرايين قلبه المتعب.

بدأ معجباً بعلي الوردي (ت 1995)، لكنه بعد النضج أشار إلى الثلمات في منهجه، دون أن يتعالى على أسبقيته وريادته في سبر أغوار المجتمع العراقي. تحمس للباحث حنا بطاطو (ت 2000)، في كتابه «العراق»، وهو يفتش بين أكوام الأضابير المرمية بلا عناية، عن معلومة ليبني عليها صفحات.

أُعجب فالح عبدالجبار بالشَّيخ محمد حسين النائيني (ت 1936)، ورسالته «تنبيه الأُمة وتنزيه الملّة» (النَّجف 1909)، واعتبرها ناقوس التحرر من الاستبداد بالمنطقة، وكتب دراسات ومقالات وشارك في ندوات لهذا الموضوع. أتذكر عندما قدمنا برنامجاً بمناسبة انتهاء القرن العشرين، واستضفنا متحدثين عن أعلام القرن، تحدث فالح عن النَّائيني، وكانت قضية الرسالة «الحركة الدستورية» (1906). مع أن مصنفها تخلى عنها وسعى إلى إتلافها (الأمين، أعيان الشِّيعة).

كم كان سعيداً عندما قدمتُ له ترجمة غير التي ترجمها صالح الجعفري (ت 1979)، قام بها مع دراسة معتبرة الباحث السُّعودي توفيق السيف. وبمناسبة مرور مئة عام على الحركة كلفني المعهد الذي يديره فالح عبدالجبار بتصنيف كتاب بالمناسبة (النِّزاع على الدستور بين علماء الشيعة المشروطة والمستبدة).

أعطى فالح عبدالجبار صحة قلبه، وهو العليل، للبحث والدراسة، وأخذ منه المجتمع العراقي جلَّ وقته وجهده، خلال عشرين عاماً الأخيرة. قدم لمن يريد تصحيح شأن العراق تفسيراً للطبقات والفئات الاجتماعية وأدوارها. أعطى صورة عن تشابك المصالح بين الطبقات الاجتماعية، رجال الدين والأحزاب السياسية وأدوارهم وأقطاب السلطة. كان الملك فيصل (ت 1933)، عند فالح، هو الأحق بالتقدير، هذا، لما يتولى الباحث الصَّادق شأناً لا يخضع لعقيدة أو رأي، وفالح لم تحبسه الأيديولوجيا في كهفها. عَرف أستاذ علم الاجتماع والمشرف على أطروحته سامي زبيدة كتاب «العِمامة والأفندي» بجملة ذات دلالة: «أشبه بوليمة معرفية لكلِّ دارسٍ للعراق أو المنطقة، كما لكلِّ قارئ عليم فضولي» (من تقديم الكتاب).

منذ ظهوره ثقافياً (1974) وحتى غيابه (2018)، لم ينقطع فالح يوماً عن الكتابة والبحث والترجمة، فإضافة إلى ما كانت تنشره له المجلات والصُّحف، ترك ثروة تؤسس وتربي جيلاً، غطاه غبار الانكسار، وهذه عناوين بعض ثروته: «المادية والفكر الديني المعاصر»، «في الأحوال والأهوال.. المنابع الاجتماعية للعنف في الثقافة العربية»، «الديمقراطية المستحيلة»، «معالم الخرافة والعقلانية في الفكر السياسي العربي»، «ما بعد الماركسية»، «الديمقراطية»، «التوتاليتارية»، «بنية الوعي الديني والتطور الاجتماعي»، «فرضيات حول الاشتراكية»، «المجتمع المدني».

غاب فالح عبدالجبار في عز عطائه العلمي، نعم رحل وهو في الثانية والسبعين، لكنه ظل متوقد الذِّهن نشطاً. فقدته جمهرةٌ من الباحثين الشباب، وكان يصرف وقتاً وجهداً، بشخصه ومعهده، في إعدادهم، بلا منة ولا كلل. لفظ أنفاسه وفي ذهنه قائمة من المشاريع البحثية، فشعاره: «التغيير بعد التفسير». هذا، والسبق لأبي العلاء المعري (ت 449هـ): «تقِفونَ والفُلكُ المُسخَّرُ دائرٌ/ وتقدِّرونَ فتَضحكُ الأقدار» (لزوم ما لا يلزم).

فالح عبدالجبار فقدناك باحثاً مخلصاً دؤوباً.