تونس التي أرهقتها السياسة

تونس ليست بخير. صيحة فزع أطلقها البنك المركزي. احتياطي الواردات من العملة الصعبة بلغ أدناه. تراجع الاحتياطي من 112 يوما في مارس 2017 إلى 78 يوما في مارس 2018. وكل التوقعات توحي بالمزيد من الانهيار. ولا شيء يفسر هذا الوضع المتردي في تونس سوى سوء إدارة الطبقة السياسية الحالية للبلاد. فهذه الطبقة لم تؤمن، منذ ثورة يناير، بالوطن. كل إيمانها بالحزب أو بالشخص.

عدم الاستقرار السياسي في تونس كان السمة الأولى لأنظمة ما بعد ثورة يناير. في اقل من سبع سنوات حكم البلاد 7 رؤساء حكومات، و240 وزيرا و 300 كاتب دولة. هذا العدد الهائل من المسئولين لا يمكن الحكم لهم أو عليهم في إدارة البلاد، فترات حكمهم القصيرة هي السبب. إلا إن هذا العدد الهائل من المسئولين يدل على عدم الاستقرار السياسي، كما تدل البعرة على البعير والسير على المسير.

لم يكن خافيا على بعض الساسة الفاعلين خطر هذا التوهان السياسي، فحاولوا إيجاد معادلات سياسية تتوق لتحقيق الاستقرار. جاء "التوافق" بين الحزبين الكبيرين في البلاد، ولأنه كان مغشوشا، لم يصمد طويلا. ثم جاءت "وثيقة قرطاج" الأولى والثانية، إلا إن مصيرها كان كمصير التوافق، وانفضت الأغلبية من حول حاكم قرطاج. حاكم قرطاج الذي كان يرغب في استقرار حكمه مقدمة لتوريث ابنه، وهو ما اتهمه به المنفضون.

في تونس ثمة أزمة أخلاقية، في ممارسة السياسة، يعاني منها الجميع. الساسة في تونس لا يعنيهم الوطن، أحزابهم ومصالحهم الشخصية هي التي تعنيهم. من لا يكون في الحكم يدجج أفكاره ويده بكل أنواع الأسلحة لإفشال من يحكم. ثم يسعى إلى استعمال هذه الأسلحة بما أوتي من عزم. تم استعمال النقابات، واستعمال الشارع، واستعمال الإعلام لتكوين رأي عام مضاد للطرف الأخر. كما تم إيقاف اغلب وسائل الإنتاج. يعلم الساسة بان إسقاط الحكومات يأتي عبر ضرب الاقتصاد في مقتل.

نجح الساسة في ضرب الاقتصاد، وتراجع، من بين ما تراجع، الاحتياطي من الواردات من العملة الصعبة. وستجد الحكومة الحالية نفسها في وضع حرج، وضع يتطلب تغيير الحكومة لإنقاذ البلاد. إلا إن المسالة أعمق واخطر، فمادام الساسة لا يؤمنون بالوطن، سيفشل كل حاكم. لان عجلة الاقتصاد تم توقيفها عن قصد وبإرادة. ولن يتغير أي شئ دون أن يتغير هذا القصد وهذه الإرادة، وان يكون الوطن فوق الجميع، وللجميع.

تونس أرهقتها السياسة، أو بالأحرى أرهقها الساسة، أصحاب الأيادي القذرة، كما سماهم سارتر. كل ما تحتاجه تونس هدنة بين الساسة توفر الوطن، وتمنع إسقاطه، وسيكون كل شيء بخير، وسيتعافى احتياطي الواردات من العملة الصعبة كما سيتعافى الاقتصاد بدون أي مجهودات إضافية أخرى.