تاريخ عنف وإرهاب.. الإخوان المسلمين
إن الجماعات الإسلامية الإرهابية المتطرفة كافة تنبثق من حركة الإخوان المسلمين التي ماتزال تدعم وتموِل الإرهاب. وعبر السنوات الأربعة المنصرمة تم إنتاج كم كبير من الأعمال البحثية، بالإضافه الي التحليل الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين والذي تركز بدورها بشكل خاص علي عام الإخوان علي رأس السلطة بمصر.
أسست بمصر عام 1928 لإعادة الخلافة الإسلامية التي قام كمال أتاتورك بحلِها، ومنذ أيامها الأولي إعتنقت جماعة الاخوان المسلمين العنف. طالب "حسن البنا" مؤسس جماعة الإخوان السيطرة علي كافة وسائل التواصل الإعلامي حيث إعتبر المسارح، الأفلام، الراديو، الصحافة والموسيقي محرضه للرذيلة والفجور. كما طالب بمراقبة صارمة علي الأماكن العامة وعقوبات أشد علي الجرائم المنافية للأخلاق. بينما غض الطرف عن أعمال العنف والتعصب ضد الأقليات الدينية،فضلاً عن النساء الغير محجبات "اللائي لا يرتدين الزي الإسلامي الصحيح".
ونظراً لأن حسن البنا سعي الى التوسع بجماعة الإخوان إلى أقصي قدر ممكن، إستوعبت الجماعه بل وشجعت في أحيان أخري العناصر الرجعية المتشددة والمتطرفة. وفي الواقع، أعرب عن إستعداده لإعلان الحرب ضد كل زعيم، كل حزب وكل مؤسسة لا تقوم بتطبيق أفكار الإخوان المسلمين.
خلال عقد الأربعينات من القرن الماضي، إرتكب "الجهاز السري" للإخوان المسلمين- وهي الوحدة الشبه عسكرية التي أسسها حسن البنا- أعمال عنف سياسية خطيرة. ومن بين من قاموا بإغتيالهم القاض البارز- زعيم شرطة القاهرة- و رئيس وزراء مصر. وفي عام 1954، حاولوا إغتيال الرئيس الراحل عبد الناصر.
وحتى بعد حلَها في ديسمبر 1984، تحولت الجماعة الي المزيد من الجرائم العسكرية والغير قانونية التي تتسم بالعنف. وظلت في بوتقة العمل السري لعقود، وإعتناق الفسلفة الجهادية التي ترأسها حسن البنَا والتي قام –مريده وتابعه- سيد قطب بتطويرها.
الجماعات المنشقة عن الإخوان أمثال التكفير والهجرة قامت بإغتيال المفكرين المنتقدين للإيدولوجية المتطرفة للجماعه. تنظيم الجهاد- الذي أسسه الرجل التاني بتنظيم القاعدة "أيمن الظواهري"، العضو بجماعه الأخوان- قام بإغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1981 بعد توقيعه لمعاهده السلام مع إسرائيل. هذه الجماعات من بين أخريات منتمية لجماعة الأخوان، إرتكتب هجمات إرهابية ضد السائحين والأقليات الدينية.
علي حدٍ سواء، لجماعة الإخوان أواصر قوية مع مؤسسات إرهابية شيِدت خارج مصر بواسطة رموز رائدة داخل "شبكتها العالمية". و وفقاً لتقرير مجموعة بدفورد الدولية، إسامة بن لادن، أيمن الظواهري و عبدالله يوسف عزَام، المؤسسون الثلاثه لتنظيم القاعدة، أعضاء بارزين أيضاً "بالشبكة العالمية". ثلاثتهم كانوا مؤيدين بقوة لكتابات سيد قطب والتي شكلت الأساس الضمني المسوِغ لإستخدام العنف علي الصعيدين الداخلي والخارجي. وتم تبني تعاليم الاخوان المسلمين كمرجعيه للعديد من الجماعات الإرهابية التي تستهدف المجتمعات الغربية والاسلامية على حدٍ سواء.
على سبيل المثال، البند الثاني من ميثاق حماس: "حركة المقاومة الإسلامية هي إحدي جناحات الإخوان المسلمين بفلسطين. حركة الإخوان المسلمين عبارة عن مؤسسة عالمية تشكل قوام الحركة الإسلامية الأكبر بالتاريخ الحديث. تتميز باعتناقها الكامل لكافة المفاهيم الإسلامية، إنتشار الإسلام، والاهتداء لإعتناق الإسلام".
"خالد شيخ محمد" العقل المدبر وراء هجمات 11 سبتمبر، كان أيضاً عضو بجماعة الإخوان المسلمين، كما كان "محمد عطا" واحداَ من خاطفي طائرات 11 سبتمبر. كافة هذه الجماعات إستشهدوا بسيد قطب كمصدر إلهام لأعمالهم الإرهابية.
وعل الرغم من سعيها الحثيث أن تكون بمنأي عن الأعمال الإرهابية لهذه الجماعات، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين لعبت دوراَ جوهرياً في عرض الإطار الأيديولوجي الذي يشكل جوهر معتقدات القاعدة، داعش، بوكوحرام، الشباب وأنصار بين المقدس، وبشكل خاص التكفيرين (القضاء علي أي إنحراف عن ما يطلقون عليه الشريعة الإسلامية)، الجهاد العالمية لفرض قانون الله بالقوة، وصولاً إلى بناء الخلافة الإسلامية.
صعود الإخوان المسلمين للسلطة وسقوطها
التقرير الصادر عن مجموعة بدفورد الدولية يلقي الضوء علي التلاعب والتشويه السياسي الذي أدي بدوره إلي صعود محمد مرسي للسلطة. خلال شهور قليلة من ثورة يناير 2011، قامت جماعة الإخوان المسلمين بتشييد حزب سياسي "حزب الحرية والعدالة"، والذي إدَعت إستقلاليته (على الرغم من أن كافة المناصب القيادية بالحزب كانت محفوظة لأعضاء مكتب الإرشاد للجماعة".
وعبر وعودهم الزائفه، تمكن الحزب من الفوز بأغلبية في البرلمان (الذي قامت المحكمة الدستورية العليا بحلِه في وقت لاحق). وبعد تنصلهم عن وعدهم بعدم طرح مرشح في الانتخابات الرئاسية الأولي بالدولة، قامت الجماعة بترشيح محمد مرسي بعد تجرد خيرت الشاطر-ممول الجماعي الرئيسي- عن الأهلية للترشح بالإنتخابات، والذي تم إدانته في وقت سابق بجرائم غسيل أموال وتمويل الإرهاب (التجربة المصرية لجماعة الإخوان المسلمية بالسلطة).
خلال هذه الإنتخابات الرئاسية، كان هناك العديد من التحديات التي حالت دون ترشح الليبراليين العلمانيين، من بينها كان الإرتباك الذي أحاط بالخريطة الإنتخابية بعد الثورة، عدد المرشحين الكبير (والذي نجم عنه تشتت الأصوات العلمانية/الليبرالية)، والتنظيم السياسي لجماعه الاخوان بعد سوات من العمل السري، والذي عزز بدوره من قدرتها علي حشد مريديها ضد معارضيها من الاحزاب السياسية حديثة العهد. وهذا بالإضافه الي تقارير المخالفات، مثل الرشاوي الانتخابية، كانت من بين العوامل التي أدت الي حصول محمد مرسي علي 24.77% من الاصوات في الجولة الأولى، ومن ثم تأهله لجولة الإعادة بالإنتخابات. وخلال جولة الإعادة، وجد المصوتين أنفسهم بين شقيِ الرحا، إما أن يصوِتوا لمحمد مرسي ممثل جماعة الاخوان المسلمين، أو أن يصوتوا للفريق أحمد شفيق المحسوب على نظام مبارك.
بعد إحكام السيطرة علي الفروع التشريعية والتنفيذيه بالحكومة، سارعت الجماعة إلى الهيمنة علي عملية صياغة الدستور. وخلال عملية بعيدة كل البعد عن الديموقراطية، قامت الجماعه بتعيين 65 عضو إسلامي بالجمعية التأسيسية للدستور التي يبلغ قوامها مئة عضو، تاركة 16 مقعد فقط للعلمانيين، خمسة للأقباط وستة للمرأة.
وعند إنعقاد الجلسة الأولي للجمعيه التأسيسية للدستور، قدم 25 عضواً استقالته إحتجاجاً علي هيمنة الإخوان المسلمين، بالاضافه الي استقاله ممثلي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعد ذلك بوقت قصير. وعبر هذه العملية، تمثلت إستراتيجية الجماعه في "تمويه وإخفاء أهدافها الحقيقة.. تزييف الاغراض الاساسية لبرنامجها السياسي إسترضاءاً لإهتمامات طائفة العلمانيين والمسيحيين. وتضمن ذلك تقديم إقتراحات زائفة عن حقوق الأقلية ومساواة المرأة، بينما يتغاضوا الطرف عن العنف ضد المرأة، أقباط مصر والمسيحيين الآخرين.
بلغ إنتزاع سلطة مرسي أبعاد جديدة عندما أصدر مرسوم معلناً فيه تحصين قراراته عن المراجعة القضائية، وخاصة منع المجلس الاعلي للقضاء من حل البرلمان أو الجمعية التأسيسية للدستوري المطعون في دستوريتها أمام القضاء. وتزامن ذلك بالتسرع في تعيين متعاطفين إسلاميين لاستبدال المستقيلين من الجمعية التأسيسية للدستوري، وذلك بغرض السماح للجمعيه الإنتهاء من الدستور قبل أن تتمكن المحكمة الدستورية العليا من البت في دستورية المجلس.
وفي عملية هزلية، خلال تسعه أيام تم الموافقة علي مسودة الدستور. كما حاصر مؤيدي الجماعه المحكمة الدستورية العليا لمنع القضاه من الوصول الي المبني.
مرسوم مرسي ومحاولاته الحثيثة لفرض دستور غير ممثل لجميع طوائف الشعب والذيتم صياغته علي عجل والغير مقبول بشكل واضح، أدي إلي زيادة الموجات الشعبية الإحتجاجية ضد حكمه. ولم تنقطع هذه المظاهرات خلال عام حكمه كرئيس.
وفي الواقع، صدر تقرير من الرئاسة خلال الأيام الأخيرة لمرسي بالحكم معلناً مشاركة 24 مليون مصري في 7.709 إحتجاج و 5.821 مظاهرة، حتي قبل المظاهرات الشعبية الأخيرة التي نزعته من السلطة.
ومنذ الأول من مايو لعام 2013، شرعت حملة تمرد في جمع التوقيعات لعريضة تطالب بعزل مرسي وبإنتخابات رئاسية مبكرة. وتمكن هذه العريضة من جمع أكثر من إثنين مليون توقيع في الأيام العشرة الأولى، وأكثر من 22 مليون توقيع بحلول 29 يونيو 2013. وهذه التوقيعات تتجاوز عدد الأصوات -13.2 مليون صوت- التى مكنت مرسي من الفوز بالإنتخابات الرئاسية.
وفي الواقع، وخلال التظاهرات، أجري محمد مرسي إتصالاً بأيمن الظواهري وأخيه محمد، محضراً إياهم للتصدي للجيش المصري في سيناء وأن تجبر كافة العناصر الجهادية القدوم لمساعدة جماعة الإخوان المسلمين. وإستجابة لذلك، تعهد الظواهري بتحويل سيناء لجمرة لهب. وحتي يومنا هذا، لاتزال تحصد الهجمات الإرهابية في سيناء مئات الأرواح البريئة، مدمرة كافة أسباب الحياة، مؤدية بذلك الي حدوث شلل بالسياحة المصرية.
وفي الأول من يوليو، خوافاً من العنف وإراقه الدماء بين المحتجين والاخوان المسلمين، قام الجيش بإنذار مرسي إنذار أخير لترك الحكم خلال 48 ساعه. وبعد ذلك بيومين، أعلن الجيش عن خارطة طريق، معلناً رئيس المحكمة الدستورية العليا كرئيس إنتقالي مؤقت للبلاد.
النتيجه
على الرغم من إدعاء جماعة الأخوان المسلمين رؤية "معتدلة" عن الإسلام، إلا أن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. لم تعتنق الجماعه علي مدار تاريخها المباديء الديموقراطية سوي كونها مطية لبلوغ السلطة من خلال خطابهم الديني المتلاعب، حيث رفضت علانية الطبيعة المدنية للدولة وسعت لفرض توجهاتها الصارمة المتطرفة. وهذه هي التوجهات التي رفضها ونبذها غالبية الشعب المصري في يونيو 2013.
لا توجد دولة بمنأي عن الإرهاب الاسلامي المتطرف الذي يعتنق ويتبني في جوهره أيدولوجية الإقصاء المتطرفة العنيفه لجماعة الإخوان المسلمين والتي تمول بدورها هذه الجماعات المتطرفة، بل وتعد المرجعيه الاخلاقيه والفكرية لها.
طارق حجي
ملخص من مقال: الإخوان المسلمون بين الماضي والحاضر