زواج التكنولوجيا من الأدب قد ينتح ذُرِّية مشوهة

حسام جايل يرى أن التقنيات الحديثة وتنوع أدوات التكنولوجيا وتوافراها ساعد على انتشار الرواية.
لا تكاد تخلو رواية من روايات هذه الأيام من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك وتويتر واليوتيوب وانتسغرام وغيرها)
سوسن ناجي ترى أن صبحي فحماوي يقدم في "الإسكندرية 2050" نصا مغايرا يفرض على القارئ أن يغير طريقة تلقيه النص
محمد حسن عبدالله: يمكن أن تصنف رواية "الإسكندرية 2050" كسيرة ذاتية لمؤلفها، لأنه يصف زمانه في الإسكندرية وصفا تفصيليا أقرب لمناهج الواقعيين
سيد ضيف الله يتحدث عن العلاقة بين هاجس التجريب الروائي لدى الفخراني وحرصه على كيفيات نسج الخيال الروائي بشكل مختلف مع كل تجربة روائية

تابع ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي أعماله في اليوم الثاني، متخذا من "الرواية في عصر المعلومات" عنوانا رئيسيا له، ورأس الناقد الأردني فخري صالح الجلسة الصباحية التي شهدت حضور خمسة نقاد، وناقش خلالها الناقد حسام جايل رواية "أنثى موازية" للكاتب علي سيد تحت عنوان "أثر وسائط الاتصال في البناء الروائي"، مشيرا إلى أن الرواية تطورت تطورا سريعا ومتلاحقا في الآونة الأخيرة، وأصبح الكتاب يستخدمون تقنيات جديدة، ويقدمون أشكالا متنوعة ومتعددة من التجريب، وأصبحنا نسمع عن الرواية الرقمية، ورواية التقنية، ناهيك عن الاتجاهات والمذاهب التي يدين بها الكتاب أو يشتهر بها كاتب عن كاتب، إضافة إلى أسلوب كل كاتب وطرائقه الخاصة في الكتابة.
ورأى جايل أن التقنيات الحديثة وتنوع أدوات التكنولوجيا وتوافراها ساعد على انتشار الرواية، كما أتاح لعدد كبير من الكتَّاب موضوعات بكرا لم تكن مطروقة من قبل، وفي الوقت نفسه شكّلت هذه الوسائط تقنية جديدة وأداة مستحدثة ومستخدمة من أدوات الفن السردي التي يعتمد عليها الكاتب بشكل كبير، فلا تكاد تخلو رواية من روايات هذه الأيام من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك وتويتر واليوتيوب وانتسغرام وغيرها).

بناء الخيال الفانتازي بحسب ما يتجلى من موروثات الخرافات الشعبية والأساطير والخيال العلمي

وعن رواية "أنثى موازية" قال حسام جايل إنها تبرز تقنية اليوتيوب كتقنية أساسية تقوم بدور رئيس في تحريك الأحداث الروائية وتناميها، حيث يعتمد البناء الروائي على تقنية اليوتيوب في تحريك أحداث الرواية. ونلاحظ هذا جليا في تعمد الكاتب للتأريخ لأحداث الرواية بنزول مقطع الفيديو الشهير على موقع يوتيوب، فيكون عنوان الفصول أو المقاطع الروائية الأسبوع الأول بعد نزول مقطع الفيديو، والأسبوع الرابع قبل نزول المقطع، وهكذا، ومن ثم تتكون الصور وتتنامى الأحداث الدرامية لبناء العمل الروائي ورسم مأساة تلك الأنثى الموازية بحسب العدد الزمني قبلا وبعدا من نزول ذلك المقطع، مما يشي بتأثير تلك الوسائط وفاعليتها في بناء الرواية.
وعن "وسائط الإعلام الكبيرة والبيانات الرديئة: إنترنت العقول وتطور أدب الفرانكشتاين" تحدثت الباحثة رشا محمد الليثي موضحة أنه لم يمض زمن طويل منذ أن تنبأ كاتب بالمستقبل: سيصنع عالم قطعة فنية ما، ولكنها لن تظل جمادا أصم. سوف تتحدث، تسمع وتستمع، تفعل وتتفاعل، ويكون لها عقل خاص بها. ستكون مخلوقا مشوها يتجاوز طموحات أو حدود صانعه، وبينما أعلن رولان بارت منذ زمن طويل عن "وفاة المؤلف" فإن العصر الرقمي قد أظهر صحة وعمق فلسفة نطريته.
وترى الليثي أن الدمج بين التكنولوجيا كأداة برغماتية باردة، والأدب كفن إنساني حي، قد ينتج ذرية جميلة، ولكنها في ذات الوقت مشوهة، حيث تندمج أو تصطدم مصطلحات تكنولوجيا المعلومات الباردة مثل "الوسائط المتعددة الكبيرة" و"الأجهزة التخريبية" و"البيانات" و"تنظيم المحتوى الإلكتروني" و"المحتوى الناتج عن طريق مستخدم" و"الطباعة الرقمية" و"واجهات برمجة التطبيقات" و"واجهة المستخدم" و"الأخطاء الكودية" مع المصطلحات الأدبية مثل "السرد"، "النص"، "المؤلف"، "القارئ"، "الرواية"، "النشر"، "الكتابة"، "الرمزية"، "الشعر"، "الجماليات"، "سرد القصص"، و"التفسير"، لتنتج لنا "الأدب الإلكتروني/الرقمي" و"خيال النص التشعبي" و"الروايات الرقمية" و"كتب الواقع المعزّز" و"أدبيات التويتة الإلكترونية" و"النصوص الإلكترونية" و"خيال فلاشي" و"الأدب التوليدي" .. في حين أن مصطلح "الإنترنت" يشير إلى شبكة المعلومات الدولية، ومصطلح "إنترنت الأشياء" يشير إلى الربط البيني للوسائط والأجهزة الإلكترونية عبر أجهزة الحاسبات الدقيقة المدمجة بها والمتصلة بعضها ببعض عبر الإنترنت، وعلى ذلك فإن "إنترنت العقول" هو مصطلح يقترحه بحث الليثي مشيرا إلى الاتصال بين العقول وما يتخلله من آراء بينية متشعبة عبر شبكة الإنترنت.  

رواية صبحي  فحماوي
وإذابة الفواصل 

وعلى ذلك تناولت الباحثة رشا الليثي ما ينتجه مزج العقل البشري الخيالي والتكنولوجيا الذكية في محتوى أدبي فرانكشتايني يتجاوز تأثيره حدود الواقع الافتراضي.
أما بحث الناقدة سوسن ناجي فقد تناول رواية "الإسكندرية 2050 للكاتب الأردني صبحي فحماوي مشيرة إلى أن النص الروائي المعاصر يبدو بين الأجناس الأدبية نصا هجينا، حيث تلتهم لغته كل تلك الأجناس، فيبيت مستبطنا إياها مؤسسا كتابة تقوم على سيرورة تهجينية، لا تنتمي إلى أي نوع أدبي بعينه، بل إنه يدعو إلى التخلص من كل ما نعرفه من معايير وقواعد مسبقة، مستعيرا لغة اللاوعي تارة، ولغة الوعي تارة أخرى؛ لنحصل منه في النهاية على شكل جديد يتوالد إلى ما لا نهاية! 
ثم قالت: وبعيدا عن الأيديولوجيات، وأنماط الكتابة السائدة منذ القرن الماضي في كتابة الرواية، تطرح رواية "الإسكندرية 2050 للروائي صبحي فحماوي أسئلة على أمل الوصول إلى تقنياتها الخاصة بها في الكتابة، كجنس أدبي جديد، أصبح له قوانينه المختلفة تماما عن القوانين الجمالية المستقرة للرواية والمتعارف عليها في حقول السرد. أضف إلى ذلك رغبة المؤلف في تفجر عدد من الأسئلة تكمن موضوعاتها في إشكالية القفز فوق الخيال للتحليق في عوالم خيالية في الزمان وفي المكان، فضلا عن توظيف التقنيات العلمية الحديثة في استنباط الإنسان الجديد، والهدف هو فهم هذا الواقع والتصالح معه، إضافة إلى جماليات الدمج بين الحضارات والتصالح مع الآخر.
وترى ناجي أن الروائي هنا يقدم نصا مغايرا يفرض على القارئ أن يغير طريقة تلقيه النص، حيث تبدو الرواية كغابة/ نص موحش يبتلع ويفترس أشياء متباينة، حين يتغذى من حياة عديد من الأشكال والأجناس والعلوم والفنون والثقافات والحضارات، فما يميز هذا النص هو اجتياحه الذاكرة وإذابته الفواصل بين الفنون والثقافات والمجتمعات من أجل دمجها معا في نص يتوالد ويسير في اتجاه مناطق وعوالم مجهولة، مبنية على نسق بلوري، متعدد الزوايا، فيبدو من جميع الجهات مضيئا ومعلنا عبر مناظير متعددة، وجماليات هذه التقنية تصب في مصلحة الملتقي الذي يستطيع بدوره قراءتها من أي زاوية، بل إنه يستطيع أن يبدأ قراءته إياها من أي صفحة، وسوف ينتهي مع القراءة الدائرية البناء عند البداية.
وعن الرواية نفسها دارت مداخلة الناقد د. محمد حسن عبدالله فأوضح أن رواية الإسكندرية 2050 لصبحي فحماوي تقع في 315 صفحة من القطع الصغير، وتجري - زمنيا - في العصر الذي جسده العنوان، غير أنها تبدأ في زمن التحاق المؤلف نفسه بجامعة الإسكندرية للدراسة بكلية الزراعة، ثم أنه درس الهندسة بعد ذلك. ويرى عبدالله أن الناقد يجد قدرا من الصعوبة/أو الحرية في تصنيف "شكل" هذه الرواية، فهي – من جانب – يمكن أن تصنف كسيرة ذاتية لمؤلفها، لأنه يصف زمانه في الإسكندرية وصفا تفصيليا أقرب لمناهج الواقعيين، غير أنه يبدأ كل فصل بأن يصور حفيده القادم من ألمانيا على أنه إنسان "نباتي" لا يأكل ولا يتناسل كالبشر، وإنما مثل أنواع النبات، وينحاز السارد إلى هذا النمط المتخيل من منظور علمي على أنه يحل أهم مشكلات الإنسان في الزمن الآتي، من حيث الصراع على إحراز القوة .. الخ.

ويرى د. محمد حسن عبدالله أن يمكن أن نلمح في الرواية إحساسا خفيا يجمع بين نقيضين بالنسبة لاحتمالات حل القضية الفلسطينية، فبطل الرواية من عكا، وفيها يدفن بعد وفاته، عملا بوصيته، فهل يئس السارد من إمكان حل القضية الفلسطينية؟ أم أنه يعلق هذا الحل على تغيير الهوية البشرية وتحويلها إلى هوية نباتية، وهذا المدخل من الخيال العلمي يتصدر فصول الرواية كافة، ولكنه ليس العنصر المتحكم في سيرورتها أو مآلاتها.
وعن روايات محمد الفخراني .. هاجس التجريب وأعراف الفانتازيا تحدث د. سيد إسماعيل ضيف الله موضحا أن ورقته تسعى إلى دراسة ثلاث روايات للروائي المصري محمد الفخراني هي: فاصل للدهشة، ألف جناح للعالم، مزاج حر، في ضوء تحول السرد الروائي لدى الكاتب من انشغال برصد وبناء سردية عالم العشوائيات في روايته الأولى "فاصل للدهشة" 2007، إلى نسج عالم فانتازي في روايتيه "ألف جناح للعالم" 2016، و"مزاج حر" 2018، ومن ثم تنشغل الدراسة بالعلاقة بين هاجس التجريب الروائي لدى الكاتب وحرصه على كيفيات نسج الخيال الروائي بشكل مختلف مع كل تجربة روائية، وأعراف الفنانتازيا التي تمثل تراثا لكيفية بناء الخيال الفانتازي بحسب ما يتجلى من موروثات الخرافات الشعبية والأساطير والخيال العلمي.