الرواية نشأت بهوية مهجّنة

محمد شاهين: الرواية أصبحت الزاد الروحي الذي رأت فيه الطبقة الوسطى تعويضا عن الحياة المادية المزدهرة التي وجدت نفسها غارقة فيها.
مختار أمين: الرواية أقرب جنس أدبي معبرا عن الحياة وحركة الإنسان فيها
مدحت الجيار: الرواية العربية لا تنفصل في تطورها وتجددها عما يحدث في بقية فروع المعرفة
ما لفت نظر منى طلبة في رواية ابتهال سالم، هو الأسلوب الذي يسري بالسرد وكأنه جمل موسيقية وألحان شجية تعزف الكلمات وتعزف أنشودة الروح الطيبة

يرى الناقد الدكتور محمد شاهين أن الرواية ظلت تتلمس طريقها وسط أجناس أدبية عديدة مثل الملهاة والمأساة والهجاء التي تأسست شعرا ونثرا إلى أن وجدت بداية مقرا حصينا لها في العصر الفيكتوري، حيث عرفت على أنها نتاج الطبقة الوسطى التي أفرزتها الثورة الصناعية، واكتسبت هويتها من واقع الطبقة الوسطى التي أرادت جنسا أدبيا يحاكي طموحاتها وأحلامها البرجوازية من السعي نحو الغنى بعد الفقر والجاه بعد الدونية.
ويوضح شاهين - في الجلسة التي أدارها الناقد المغربي عبدالرحيم العلام، ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة خلال الفترة من 20 – 24 أبريل/نيسان 2019 – أن الرواية أصبحت الزاد الروحي الذي رأت فيه الطبقة الوسطى تعويضا عن الحياة المادية المزدهرة التي وجدت نفسها غارقة فيها، إذ كانت تلك الطبقة ترغب أن ترى واقع حياتها مدونا في واقعية الرواية، ومن هنا برزت "الواقعية" تقنية رئيسية في الرواية.
ويشير الناقد الأردني في ورقته "الرواية جنس أدبي هجين" إلى أن أهم منعطف في تطور الرواية ونشأتها هو التركيز على اللغة، أي أن اللغة في الرواية لم تعد مجرد أداة لنقل الحدث ثم تنتهي مهمتها بعد ذلك، بل إن الحدث يتكون بداخلها ومن داخلها. ويقدم أمثلة من الرواية العربية تبين أن الرواية العربية استعانت بأجناس مختلفة ومعارف متنوعة مثل الشعر والمسرحية والتاريخ والاجتماع والسياسة وما إلى ذلك، تجعلنا نقول إن الرواية غربا وشرقا نشأت بهوية مهجنة، وأن مكونات أي رواية وبأي لغة تتشكل من أطياف متنوعة من الأجناس الأدبية المختلفة، ثم يطبق هذا على روايات من نجيب محفوظ وجبرا إبراهيم جبرا والطيب صالح وعبدالرحمن منيف وجمال الغيطاني وإلياس خوري وإداور الخراط.

Cairo forum for creative fiction
جمل موسيقية وألحان شجية 

وفي ورقته "الرواية وتداخل الأنواع" قال الكاتب محمد عباس علي إن الرواية أصبحت اليوم مجموعة متباينة من العناصر تمنح عملية السرد رونقها وتصنع منها صورة متكاملة متمازجة متماهية تهب القارئ مع متعة القراءة أنواعا من المتعة كالمعلوماتية التي يتعمد بعض الكتاب إدراجها في أعمالهم، والانزياحات والتداخلات الفنية، كالتلاعب بالأنساق الزمنية وتداخلها، وتنوع الضمائر، واللغة وخلخلة وحدة الحدث، وهي في مجملها تقنيات استمدتها الرواية الحديثة من أجناس أدبية مختلفة، فإذا نظرنا إلى اللغة، سنجد أن تعدديتها اللغوية ما بين شاعرية مكثفة ترسم وتصور مشاهد خيالية تثير الخيال ولغة علمية لها مدلالوتها وسماتها أيضا، مما يعطي اللغة تنوعا وزخما، وكذلك التعدد اللغوي، ويقصد به تعدد اللهجات أو تنوع اللغات الذي يعد الركيزة الأولى للروايات متعددة الأصوات التي تكون فيها بطبيعة الحال أكثر من لهجة واحدة أو ربما أكثر من لغة واحدة، وكلها تقترن فيما بينها في وحدة أسلوبية خالصة وبأصوات متعددة.
وأوضح محمد عباس علي أن عند استخدام العامية مثلا سنجد أشكالا تعبيرية منها: الأغاني الشعبية والحكايات الشعبية الثراثية والعبارات المسكوكة (ويقصد بها العبارات التراثية المأثورة كالأمثال والحكم). ومن العناصر التي قد نجدها في الرواية أيضا: لغة القرآن الكريم، لغة الصحافة، أقوال الكتاب والفلاسفة، اللغة التاريخية، التقنيات السينمائية، التداخل الزمني (ويقصد به تشابك الأزمنة) التسريع والتبطييء. كما نجد المكون المسرحي (تقسيم الرواية إلى مشاهد واستخدام الحوار) أدب الرحلات (وصف بعض الأماكن) إلى جانب وجود اللغة العلمية والخيال العلمي، مما يعطي للرواية رونقا وبعد علميا.
وعن الموضوع نفسه "الرواية وتداخل الأنواع" تحدث الباحث مختار أمين وقال: كما أن المسرح أبو الفنون، فإن الرواية هي أم الفنون. فمن ناحية الشكل تكتب الرواية بجميع أنواعها بسرد حر طليق لا ضابط له غير جغرافيا الزمان والمكان وموضوع قصتها وشخوصها، فنجد الرواية لا تفرض أسلوبا بعينه وسردها في الغالب الأعم حرا طليقا ليعطي مساحة للرواية لكي تكون جنسا أدبيا مصدرا للثقافة، وترويجا للبعد التثقيفي لدى المتلقي، وتسمح بالحديث بشكل يرافق التكنيك عن تاريخ الأماكن والفنون والآداب والإعلام، وتعطي نبذة عن العلماء والمفكرين والمثقفين والأدباء.
ويضيف مختار أمين أن الرواية قادرة على تداخل كل الأجناس الأدبية في متنها السردي، كالقصة القصيرة والقصيرة جدا، والومضة، والقصيدة الشعرية، ومشاهد سينمائية ومسرحية، والحوار بداخلها على أوسع درجاته، منيرا كاشفا للحياة والشخوص، فالتركيبات للشخصيات فيها واسعة الدلالة، ولها حيز كبير يكشف عنها بشكل كامل.
ويرى الباحث أن تداخل الأنواع في الرواية دلالة على مقصدها وبغيتها وحجم استيعابها كجنس أدبي، لذا نجدها أقرب جنس أدبي معبرا عن الحياة وحركة الإنسان فيها، وهي متشعبة الأذرع والأفواه، فنجد روايات في العصر الحديث لم نستطع أن نضع عليها بطاقة تعريفية، مثل رواية بوليسية، أو رواية تاريخية، أو رواية سياسية، أو رواية واقعية، أو رواية خيالية، أو رواية رومانسية، أو رمزية، بل أكثر من تصنيف يدخل في الرواية الواحدة. فهي قادرة أن تكون رواية بوليسية وسياسية، رومانسية واجتماعية، وروايات بها من الخيال والعلم والواقعية، فهي قادرة على استيعاب الحياة بكل مشتقاتها، وتستطيع أن تحاكي العصر الحديث بكل اختراعاته وابتكاراته، وهي أقرب لتفسير كل أنواع التكنولوجيا الحديثة، والإخبار عنها، ولم يكن دورها مقصورا على الكشف التكنولوجي، بل هي تحاكيه وتفسره وتشعرنا بأثره الفاعل على المجتمع والناس.

ومن ناحية المضمون والتكنيك – يوضح أمين – أن الرواية العربية المعاصرة أنتجت منتجا حداثيا تخطى القالب الشكلي التقليدي في نمطية الحكاية، بل استطاعت التركيز على نقل الشخصيات كحالات فاعلة ومفعول بها من ناحية التشريح السيكولوجي للشخصية وبعدها الفكري كاستبيان استقرائي لأثر الحياة الحديثة على الإنسان والعكس، ولم تعد تصدر شخصية البطل وهي تصور حياته الخارجية في أفعالها اليومية، وكذلك تصوير الشخصيات المساعدة في الرواية بنفس وجهة النظر. وضرب أمثلة ببعض الروايات لبعض الكتاب الروائيين من أمثال: رضوى عاشور، ومحمد المخزنجي، والسيد نجم، وطنطاوي عبدالحميد، وسيد الوكيل.
كما تحدث الناقد الدكتور مدحت الجيار عن موضوع "الرواية العربية وتداخل الأجناس" فقال إن الرواية العربية لا تنفصل في تطورها وتجددها عما يحدث في بقية فروع المعرفة، ولما تداخلت الأجناس في الفنون التشكيلية والجميلة، تداخلت الأنواع الأدبية في أشكال واضحة كالآتي: رواية الخيال العلمي، المسرواية، النص المفتوح، المتوالية الروائية والكتابة عبر النوعية. وقد جذب كل نوع من هذه الأنواع مجموعة متميزة من الروائيين من مختلف الأجيال. ولهذا كان لتداخل هذه الأجناس الأدبية تأثيرات على النقد العربي، ونقد الرواية العربية، وقد أبانت هذه التدخلات قدرات خاصة للروائي العربي في تفهم المنجزات العلمية الحديثة، وفي فهم طبيعة الأدب العربي القادر على صناعة نسيج وبنية جديدة تعيد تشكيل الأدب العربي المعاصر.
ويرى الجيار أن الرواية لا تزال تستمد أصولا جديدة من أنواع أدبية إلكترونية عبر الكتابة التفاعلية، التي تعطي الرواية تداخلا جديدا عبر أجناس الكتابة الإلكترونية في الصفحات والمدونات الإلكترونية. 
ويوضح أن كل ذلك يعطي مساحات واسعة من تفاعل النص، وتجدده وتطوره عبر الأجناس الأدبية ثم الفنية، فيما تعد من خلال الأنواع التشكيلية والجميلة. 

Cairo forum for creative fiction
تعالج تأجيج لنزعة التطرف والصراعات الدينية

آخر المتحديثن في تلك الجلسة كانت الناقدة الدكتورة منى طلبة التي دار بحثها حول انعكاس ثورات الربيع العربي على الرواية العربية من حيث الموضوع وتداعياته، ومن حيث نمط بناء السرد الروائي ذاته، ومن حيث تصدر المرأة كاتبةً وبطلةً لبطولة هذه الروايات. حيث لاحظت أنه بعد الثورة ثمة نصوص سردية تعرضت لموضوع الثورة وأحداثها المباشرة، منها على سبيل المثال لا  الحصر: أثقل من رضوى لرضوى عاشور، اسمي ثورة لمنى برنس، رحلة الضباع لسهير المصادفة، أوقات للحزن والفرح لابتهال سالم .. الخ. وقد وجدت بطلتا رحلة الضباع وأوقات للحزن والفرح في الثورة فرصة سانحة لتجاوز كل الفواجع التي عانتا منها على المستوى الشخصي والاجتماعي، ومحفزا للخلاص من السلطة الذكورية الجائرة (الزوج) أو المخادعة (الحبيب).
وما لفت نظر منى طلبة في رواية ابتهال سالم، هو الأسلوب الذي يسري بالسرد وكأنه جمل موسيقية وألحان شجية تعزف الكلمات وتعزف أنشودة الروح الطيبة.
كما درست الناقدة نصوصا تلتفت إلى ما تمخص عن هذه الثورات من تداعيات سياسية واجتماعية، مثل: تأجيج لنزعة التطرف والصراعات الدينية، ومن هذه النصوص: حكايات يوسف تادرس لعادل عصمت، لا طريق إلى الجنة لحسن داوود، شوق الدرويش لحمور زيادة.
أما ما تمخض عن هذه الثورات من حروب وتهجير وغربة، فتضرب له أمثلة بروايات مترو حلب لمها حسن، وآذار الأخير لأمل إسماعيل، ومخمل لحزامة حبايب. كما أن الناقدة تستدعي مجموعة من الروايات تركز على القتال والحرب في الوطن العربي مثل رواية بابنوس لسميحة خريس، وشوق الدرويش لحمور زيادة.