الدماء ترافق أول اختبار شعبي لحكومة عبدالمهدي

حظر تجول وقيود على الانترنت وتدابير أمنية مشددة في العراق بعد مقتل تسعة متظاهرين خلال 24 ساعة.
400 جريح في مختلف انحاء العراق
الحكومة تتهم 'مندسين' بالتورط في قتل المتظاهرين
إغلاق المنطقة الخضراء وسماع دوي انفجار من داخلها
اين اختفت 450 مليار دولار من اموال العراق
العراق يعاني انقطاعا مزمنا في الكهرباء والماء

بغداد - يواصل المتظاهرون تجمعاتهم في مواجهة قوات الأمن العراقية في بغداد التي تدخل مرحلة حظر التجول فجر الخميس "حتى إشعار آخر"، بعد يومين من الاحتجاجات التي أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص.
ويبدو أن الحكومة التي شكّلت قبل عام تقريباً، اتخذت خيار الحزم في مواجهة أول امتحان شعبي لها، رغم أن ذلك لم يثن المحتجين الذين واصلوا تدفقهم مساء إلى نقاط التجمع المركزية في بغداد ومدن جنوبية عدة.
وقتل خمسة متظاهرين بالرصاص مساء الأربعاء في الناصرية بمحافظة ذي قار إضافة إلى شرطي، غداة مقتل متظاهر في المدينة التي تبعد 300 كيلومتر جنوب بغداد، بحسب ما أعلن مسؤول محلي، من دون تحديد مصادر النيران.
في المقابل، قتل متظاهران منذ الثلاثاء في بغداد، حيث امتدت التظاهرات لتطال أكثر من ستة أحياء في العاصمة.
وأقدم متظاهرون في أحياء عدة من بغداد على إشعال إطارات وقطع طرق رئيسية. وكان أعلن حظر التجول في النجف والناصرية.
ويسعى المحتجون للتوجه إلى ساحة التحرير في وسط العاصمة، التي تعتبر نقطة انطلاق تقليدية للتظاهرات في المدينة، ويفصلها عن المنطقة الخضراء جسر الجمهورية حيث ضربت القوات الأمنية طوقاً مشدداً منذ الثلاثاء.

وقالت وكالة رويترز للأنباء إن دوي انفجار سُمع في بغداد في وقت متأخر من مساء الأربعاء من ناحية المنطقة الخضراء الشديدة التحصين في العاصمة العراقية. ولم يعرف بعد سبب الانفجار.
وأكد جندي عراقي بالمنطقة الخضراء أن صوت الانفجار جاء من المنطقة ولكنه لم يدل بتفاصيل أخرى.
وقررت السلطات العراقية التي أعادت في حزيران/يونيو افتتاح المنطقة الخضراء التي كانت شديدة التحصين وتضم المقار الحكومية والسفارة الأميركية، إعادة إغلاقها مساء الأربعاء، منعاً لوصول المتظاهرين.
وعادة ما يتخذ المتظاهرون من المنطقة الخضراء وجهة لهم لرمزيتها السياسية، خصوصاً أنها شهدت عام 2016 اقتحاماً نفّذه أتباع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر.
ودعا الصدر مناصريه مساء الأربعاء إلى "إضراب عام" لإسناد المتظاهرين.
وأعلن مجلس محافظة بغداد أنّه قرّر تعطيل العمل يوم الخميس في كلّ الدوائر التابعة له، الأمر الذي سيسمح لقوّات الأمن بتعزيز نفسها وتشديد قبضتها في مواجهة المتظاهرين.

الصدر يدعو الى إضراب عام
الصدر يدعو الى إضراب عام

واتهمت الحكومة العراقية "معتدين" و"مندسين" بالتسبب "عمداً بسقوط ضحايا بين المتظاهرين".
والأربعاء، استخدمت قوات مكافحة الشغب مجدداً الرصاص الحي لتفريق مئات المتظاهرين الذين خرجوا للمطالبة بمحاسبة الفاسدين ومكافحة البطالة، وصولاً إلى رفض تنحية قائد عسكري يتمتع بشعبية، في بغداد والناصرية والنجف جنوباً.
وأفاد مراسلون أن القوات الأمنية اعتدت على فريق صحافي، واعتقلت صحافياً آخر.
ومنذ مساء الأربعاء أيضاً، بدا صعباً الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي مع بطء شديد في شبكة الإنترنت.
وفي حي الزعفرانية بجنوب العاصمة، حيث أقدم متظاهرون على حرق إطارات، سُمع أزيز رصاص على غرار يوم الثلاثاء في وسط بغداد، في محيط ساحة التحرير التي انطلقت منها التظاهرة.
وقالت مصادر طبية إن أكثر من 400 شخص اصيبوا بجروح في مختلف انحاء العراق، مشيرة إلى أن تسعة منهم على الأقل أصيبوا بالرصاص الحي في بغداد، وان آخرين كانوا يعانون الاختناق نتيجة استنشاق الغاز المسيل للدموع أو أصيبوا خلال عمليات التدافع.

نطالب بكل شيء. نطالب بوطن. نشعر بأننا غرباء في بلدنا

ويبدو أن المتظاهرين عازمون على مواصلة تحركهم. ففي الزعفرانية، قال عبدالله وليد (27 عاماً) لوكالة الصحافة الفرنسية إنه خرج للتظاهر الأربعاء "لدعم إخواننا في ساحة التحرير" التي ضربت القوات الأمنية طوقاً أمنياً حولها.
وأضاف في شارع تتمركز فيه مدرعات قوات مكافحة الشغب "نطالب بفرص عمل وتعيين الخريجين وتحسين الخدمات. مضت علينا سنوات نطالب، ولا جواب من الحكومة".
وفي حي الشعب، وسط سحب دخان ناتج من حرق إطارات، قال محمد الجبوري الذي يحمل شهادة في الهندسة لكنه اليوم يقوم بأعمال هامشية "نطالب بكل شيء. نطالب بوطن. نشعر بأننا غرباء في بلدنا، لا دولة تعتدي على شعبها كما فعلت هذه الحكومة. نحن نتعامل بسلمية ولكنهم أطلقوا النار".
وهذه التظاهرات غير مسبوقة، إذا إنها لم تنطلق بدعوة من حزب أو زعيم ديني كما تجري العادة في بغداد، بل جمعت غاضبين محتجين على غياب الخدمات العامة والبطالة.
ويعاني العراق الذي أنهكته الحروب، انقطاعا مزمنا للتيار الكهربائي ومياه الشرب منذ سنوات، ويحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية.
وتشير تقارير رسمية الى انه منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، اختفى نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق.
وعنونت صحيفة "البيّنة الجديدة" العراقية أن هذا الحراك لم يشهد "لأول مرة، لا رايات ولا صورا ولا شعارات حزبية".
وفرقت قوات الأمن التظاهرات في بغداد ومدن عدة من جنوب البلاد بالقوة، أولاً بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. وبعيد ذلك، وفي العاصمة خصوصاً، استخدمت قوات الأمن الرصاص الحي الذي أطلقته في الهواء لساعات في ساحة التحرير.

قوات الأمن تستخدم الرصاص الحي
قوات الأمن تستخدم الرصاص الحي

وبينما كانت عائلة المتظاهر الأول الذي قتل في بغداد تواريه الثرى في منطقة مدينة الصدر، ندد المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء سعد معن بـ"المندسّين" الذين يسعون إلى "نشر العنف".
بعد ذلك، علّق الرئيس العراقي برهم صالح على تويتر بالقول إنّ "التظاهر السلمي حقٌ دستوري أبناؤنا في القوات الأمنية مكلّفون بحماية حقوق المواطنين".
من جانبها، أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس-بلاسخارت عن "قلق بالغ"، داعية السلطات إلى "ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات".
بدورها، أبدت لجنة حقوق الإنسان النيابية اعتراضها على "ردة الفعل الخاطئة وأسلوب قمع التظاهرات السلمية"، مؤكدة ضرورة أن "يتحمل الجميع مسؤوليته".
من جهته دعا رئيس البرلمان محمد الحلبوسي إلى التحقيق في الموضوع، على غرار الصدر الذي يرفع راية مكافحة الفساد.
أما عبد المهدي، فقد أصدر بياناً قال فيه "نحيي أبناء قواتنا المسلحة الأبطال الذين أظهروا قدراً عالياً من المسؤولية وضبط النفس" في وجه "المعتدين غير السلميين وتسببوا عمداً بسقوط ضحايا بين المتظاهرين".
وأثار هذا البيان تعليقات نارية على وسائل التواصل الاجتماعي صباح الأربعاء، بينما كان السياسيون داعمين للمتظاهرين.
والأربعاء، ترأس عبد المهدي اجتماعاً لمجلس الأمن الوطني لبحث الأزمة.