الحاكمية الإلهية.. المغلوطة
بقلم: حلمي النمنم
نجح بعض ممثلي الإسلام السياسي في الوصول إلى الحكم، كل في بلده، وأمكن لبعضهم تشكيل النظام السياسي وفق أيديولوجيتهم ومصالحهم، خاصة فيما يتعلق بالحاكمية، كما صاغها أبو الأعلى المودودي، ونقلها عنه أو انتحلها سيد قطب، جرى ذلك في باكستان مع ضياء الحق، الذي أعدم ذو الفقار على بوتو، مؤسس المشروع النووي الباكستاني، وقد مات ضياء في حادث طائرة، قيل إنه كان مدبراً للخلاص منه، وحدث في السودان مع عمر حسن البشير سنة 1989، الذي أثبت أنه كان ابنا نجيبا للإسلام السياسي، وقد أطيح به في ثورة شعبية دعمها الجيش السوداني، في إبريل 2019، وكان قادة الجيش قرروا أن ينفضوا يدهم منه، حين صارحهم بأنهم على المذهب المالكي، وذلك المذهب يجيز لولى الأمر- كما قال هو لهم- أن يتخلص حتى من ثلث الرعية، لتجنب الفتنة وليعش الباقون!!
حدث في مصر خلال العام الذي تولى فيه الإخوان الحكم، لقد حكم مبارك طيلة ثلاثين عاما، وفي النهاية هب حوالى 12 مليون مصري يوم الجمعة 11 فبراير 2011 يطالبونه بأن يترك الحكم، وقد استجاب، أما الإخوان فخلال سنة واحدة قام ضدهم أكثر من ضعف العدد الذي تحرك ضد مبارك، ولم يستجيبوا فأقصاهم الشعب.
غير هذه النماذج الثلاثة، هناك نماذج أخرى عديدة في أكثر من بلد، ولنا أن نتساءل عن مدى نجاح هؤلاء في الحكم، ومقاييس النجاح معروفة، ويمكن أن نختصرها في أربع قضايا رئيسة، وهي: هل نجح هؤلاء في الحد من الاستبداد، وبناء مجتمع يمكن أن يخطو نحو تداول السلطة وتُحترم فيه الحريات الأساسية للإنسان وللمجتمع؟ هل استطاع أي من هؤلاء تحقيق تنمية تنهض بالمواطن وتحد من مستويات الفقر والعوز أو توفير الاحتياجات الأساسية لمعيشة المواطن؟
هل تمكن هؤلاء، كل في بلده، من مواجهة الفساد والمفسدين، أم منح الفساد مشروعية وجعله قاعدة أساسية للحكم؟ هل استطاع هؤلاء الحفاظ على التماسك الوطني وحدود الوطن وسيادته أم فتحوا الباب للانقسام والتفتت والتدخل الأجنبي؟
الإجابة في كل الحالات سوف تكون بالسالب، فقد تراجعت معدلات التنمية وارتفع معدل الفساد وتجذر، فضلا من غياب تام للحريات واختفاء تداول السلطة، ناهيك عن اهتزاز السيادة الوطنية لكل بلد، انفصال جنوب السودان عن شماله وقت حكم البشير وبسبب سياساته واضح لنا جميعاً.
هنا لابد للمرء أن يتساءل: من أين تأتيهم هذه الثقة وذلك الجبروت الذي يدفع صاحبه إلى عدم الاهتزاز أمام فقدان نصف مساحة بلده ولا يرتعد ضميره من غضب ملايين المواطنين، ناهيك عن انهيار معدلات التنمية ومستويات دخل المواطن؟!
هؤلاء جميعاً يتصورون أنهم قائمون على تنفيذ الآية الكريمة «إن الحكم إلا لله» وسائر الآيات التى اعتبروها آيات الحاكمية، ومن الناحية العملية، يصبح الحكم للتنظيم أو للجماعة أو للشخص الذي أجلسه التنظيم في هذا الموقع. تأمل حالة الرئيس البشير، قضى ثلاثة عقود كاملة في موقعه، ومُنى السودان بالعديد من الكوارث في عهده، هو شخصياً ملاحق من الجنائية الدولية، ومع ذلك كان يتصرف بثقة مطلقة، يريد تعديل الدستور ليظل في موقعه، ولما اشتدت الاعتراضات يطلب ببرود قتل 30% من المتظاهرين، ويرى أن المذهب المالكي، أي الدين، يجيز له ذلك، وبعد أن تم خلعه عن الحكم يقول إنه ربما أصيب بدعوة مظلوم، أي أنه لا يدرك حجم ما جلبه على بلاده وشعبه من ويلات.
تأمل كذلك الخطاب الأخير للرئيس المعزول محمد مرسى، كان تقدير الموقف الذي قدمته القيادة العامة للقوات المسلحة ينبه إلى ضرورة الاستجابة لمطالب المواطنين بتغيير الحكومة، الأطراف الدولية تنصحه بالاستجابة للمطالب و... و...، لكنه- بناء على أمر مكتب الإرشاد له- يرفض ويصر على أنه هو الشرعية ودونها «رقبتي»، هذه الثقة المطلقة لأنه، هو ومن شابهه، يتمثلون أنفسهم في الآية القرآنية الكريمة، وعندها لا يرون الشعب ولا مطالب الناس، يرون أنفسهم فقط، ويحملون الآية الكريمة معهم، وكأنهم وكلاء عن الله سبحانه وتعالى.
إذا عدنا إلى القرآن الكريم، وفي مجال حكم الله، نجد بعض المحددات أو السمات لذلك الحكم، ففي سورة الرعد، الآية 14، نقرأ قوله تعالى: «والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب»، هنا الحكم، قد يكون بمعنى القضاء والقدر، ومن ثم فإن حكمه نهائي وقاطع، لا مجال للتعقيب عليه أو المراجعة فيه، إنه أمر إلهي صارم، بل إن مراجعته وعدم الرضا به يعد لدى البعض نقصا في الإيمان، وهذا بالتأكيد غير الحكم السياسي، لكنهم يأخذون النص القرآني إلى أيديولوجيتهم ولا يذهبون هم إلى مقاصده.
وفي سورة الكهف، الآية 26، نجد قوله تعالى: «ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك في حكمه أحداً»، هنا نص صريح ومباشر أنه لا أحد يشترك مع الله في حكمه، هو أمر خاص به وحده، وفي القرآن الكريم كذلك يرد أن الله فعال لما يريد، أي ما يريده هو، لا ما يريده ولا ما يطلبه أو يتطلع إليه الآخرون، المواطنون، وهذا طبيعي في مجال الخلق، خلق الكون وسننه، وتحديد مصير الإنسانية والحياة عامة لسائر الكائنات الحية، ولكن.
إذا أخذنا هذه السمات من مجال الخلق والكون كله إلى المجال الاجتماعي والسياسي، فإننا سوف نجد الحاكم البشرى، أي الإنسان، لن يشرك معه أحدا في الحكم، لا برلمان ولا مستشارين ولا هيئات قضائية ولا حكومة ولا أجهزة رقابية، ولا رأى عام، لا أحد بالمرة، هو وحده فقط!
أما في مجال التنفيذ والفعل، فإنه يفعل ما يريده هو أو ما يتصور هو، لا ما يريده المحكومون، أي الشعب، لن يفعل لهم أي شيء، وليس مطالبا أمامهم بأي شيء، لأنه لن يحاسب أمامهم، ولن ينال موافقتهم ولا رضاهم، فهو جاء باختيار إلهى، ممثلاً لحكم الله، هنا تنتفي كلمات ومصطلحات مثل: المواطن، الفرد، الإنسان، الشعب، المجتمع، بل ينتفي كذلك الوطن ذاته، لذا وجدنا جنوب السودان ينفصل عن شماله ولم يمتعض أو يهتز ممثل الحكم الإلهي بالسودان آنذاك، ولا اهتز المحيطون به، وفي مصر زمن حكم الإخوان كان معدل التنمية في هبوط، والسياحة في تراجع، والاحتدام الطائفي ملتهب، والملايين في الشوارع، ولم يطرف للإخوان جفن، بل راحوا يهددون ويتوعدون، وعلى منصة رابعة العدوية سمعنا منهم أن سيدنا جبريل تنزل بينهم، رغم أن الوحى انقطع باكتمال نزول القرآن الكريم، أي انقطاع نزول جبريل إلى الأرض، وسمعنا من رأى في المنام أن رسول الله يقدم محمد مرسى لإمامة المصلين، رغم أن الرسول لم يدع أحداً ولم يقدم أحداً لإمامة الصلاة في وجوده، وإنما سمح لأبى بكر بالإمامة في مرضه الأخير، حين لم يكن قادراً على القيام.
هذه الهلاوس التي انتابتهم، لأنهم تمثلوا الآية الكريمة: «إن الحكم إلا لله» ففسروها: إن الحكم إلا للمرشد أو من يختاره المرشد.. فاللهم قنا شر الفتنة في الدين. لكن هل هذا ما أراده الله لنا في مجال تنظيم المجتمع والدولة، وهل هو مطلب قرآني بالفعل؟!
بالتأكيد لا، لم يرد الله لنا، بل إن هذا الفهم والتعامل المتعسف مع القرآن الكريم ونصوصه يتناقض مع روح الدين.