أي سيناريو ينتظر ليبيا بعد تسمية باشاغا رئيسا للحكومة

رفض رئيس حكومة الوحدة الوطنية التنحي من منصبه يمثل مأزقا ليس لطموحات الدبيبة نفسه، بل لعملية السلام التي كان المستهدف أن تنفذها حكومته بدعم من الأمم المتحدة، فيما يبقى مدى التزامه بالانتقال السياسي مسألة غير محسومة.
الدبيبة نجح في بناء شبكة معقدة من الولاءات والتحالفات المتناقضة
حال الدبيبة وباشاغا.. استنساخ لوضع حكومتي السراج والثني
من أعاد خلط الأوراق السياسية في ليبيا.. الدبيبة أم البرلمان؟

طبرق (ليبيا) - أعاد تسمية البرلمان الليبي فتحي باشاغا رئيسا للحكومة خلفا لرئيس الوزراء المنتهية ولايته عبدالحميد الدبيبة خلط الأوراق في ليبيا وفتح الباب على مصراعيه لتوترات قد تعود معها سريعا إلى مربع الفوضى والنزاع المسلح في بلدي تشكل الميليشيات فيه رقما صعبا.

وحكما تعتبر ولايته الدبيبة قد انتهت في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021 تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية التي لم تتم بسبب الانقسامات وغياب قاعدة دستورية وقانون للانتخابات.

لكن الدبيبة الذي نجح إلى حدّ ما في بناء قاعدة شعبية في غرب البلاد وتحصين نفسه بالولاءات، تمسك بموقعه متسلحا بأن نهاية ولايته هي إتمام الانتخابات بما يعني أن يبقى الوضع على حاله حتى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ربما بعد عام أو عام ونصف العام.

ويلوح في الأفق على ضوء ذلك صراع جديد على الشرعية ما يعيد إلى الأذهان الصراعات التي أثقلت كاهل ليبيا على مدى عشرية يصفها شق كبير بـ"السوداء" وأرهقت الشعب الليبي الذي يتوق للاستقرار وتوقف دوامة العنف.

والواضح أن الانقسامات في ليبيا تتجه للتفاقم مع التطورات الأخيرة أي مع تعيين البرلمان، ومقره شرق البلاد، رئيسا جديدا للوزراء ورفض رئيس الحكومة الحالية المؤقتة التنحي.

وتهدد هذه الخطوة بإعادة ليبيا إلى الانقسام بين إدارتين متحاربتين ومتوازيتين كانتا تحكمان البلاد من 2014 حتى تشكيل حكومة وحدة وطنية العام الماضي بموجب خطة سلام مدعومة من الأمم المتحدة.

وقال المتحدث باسم البرلمان الليبي إن الاختيار وقع على وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا ليكون رئيسا جديدا للوزراء بالتزكية اليوم الخميس بعد انسحاب المرشح المنافس الوحيد له.

ورفض رئيس الوزراء الحالي عبدالحميد الدبيبة، تحركات البرلمان قائلا إنه لن يسلم السلطة إلا بعد الانتخابات البرلمانية.

ويواجه البرلمان اتهامات بالسعي للسيطرة على المستقبل السياسي للبلاد بعد انهيار انتخابات كانت مزمعة في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، قائلا إن حكومة الدبيبة المؤقتة لم تعد شرعية ولا يجوز لها مواصلة عملها.

ومن المتوقع أن يسافر باشاغا من مقر البرلمان في مدينة طبرق شرق البلاد إلى طرابلس في وقت لاحق اليوم الخميس، عندما يتضح ما إذا كانت الأزمة السياسية ستمتد إلى مواجهات بين الجماعات المسلحة العديدة في العاصمة أم لا.

وقالت قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة خليفة حفتر اليوم الخميس إنها ترحب بقرار البرلمان تسمية فتحي باشاغا رئيسا للوزراء.

وكان تنصيب حكومة الوحدة المؤقتة بزعامة الدبيبة العام الماضي والسعي نحو الانتخابات موضع ترحيب باعتبار أن ذلك أفضل فرصة للسلام في ليبيا منذ سنوات، قبل أن ينهار كل شيء.

مفاوضات الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون اختبارا لقدرة الدبيبة ذاته على التعامل مع شبكة التحالفات والعداوات المعقدة التي ستحدد في النهاية من سيمسك بزمام السلطة في ليبيا

مع ذلك، وفي الوقت الذي تحشد فيه الفصائل المسلحة المتنافسة قواتها داخل طرابلس في الأسابيع القليلة الماضية، يقول محللون إن ذلك لن يسفر بالضرورة عن العودة للاقتتال قريبا.

وتقول المستشارة الخاصة للأمم المتحدة بشأن ليبيا ودول غربية إن شرعية حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة لا تزال قائمة وتحث مجلس النواب على التركيز، بدلا من ذلك، على المضي قدما في إجراء الانتخابات.

وجرى تسجيل زهاء ثلاثة ملايين ليبي للتصويت في انتخابات ديسمبر/كانون الأول وأثار الصراع السياسي والتأخير الذي أعقب ذلك غضب وإحباط كثيرين منهم.

وكان منتقدون لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح قد اتهموه من قبل بالخداع من خلال تمرير تشريعات أو قرارات دون تصويت حقيقي عليها.

وحضر أكثر من 140 نائبا جلسة الخميس في البرلمان وصوتوا بالتأييد لخطوة إعادة صياغة الدستور الليبي المؤقت بالتشاور مع المجلس الأعلى للدولة، حسبما قال المتحدث باسم مجلس النواب.

وأوضح المتحدث أن باشاغا أُمهل عشرة أيام لتسمية أعضاء حكومته وتقديمها للبرلمان لإجراء تصويت بالثقة عليها.

وعكست المناورات السياسية هشاشة الوضع على الأرض في ليبيا حيث قال مصدر إن الدبيبة نجا دون أذى من محاولة اغتيال وقعت عندما أصابت أعيرة نارية سيارته في الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس قبل تصويت البرلمان بساعات. ولم يصدر أي بيان رسمي أو علني حتى الآن لتأكيد ذلك.

ويمثل تحرك البرلمان الليبي لعزل الدبيبة الذي وعد بعدم استغلال منصبه المؤقت لتعزيز مكانته في المعترك السياسي، دليلا على أنه لم يف بما وعد به.

وجاءت أنباء وقوع محاولة لاغتياله بعد يوم من تعهده بعدم تسليم السلطة إلى أي حكومة جديدة دون إجراء انتخابات عامة.

وفي هذا الرفض إحالة إلى وضع مشابه حين رفضت الحكومة المؤقتة برئاسة عبدالله الثني الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني التي ترأسها فايز السراج والتي تولت مهامها في مارس 2016 وكانت نتاج اتفاق سياسي في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2015 او ما سمي حينها باتفاق الصخيرات المدينة المغربية التي استضافت جولات حوار بين شق من الفرقاء الليبيين.

ولم تنل حكومة السراج ثقة البرلمان حين أعلن عن تشكيلها ولم تكن تمثل حينها كل الليبيين، فاعتبرت بنصف شرعية أو أدنى.

والمشهد بتجلياته الراهنة يكاد يكون استنساخا للعقدة السابقة التي أدخلت ليبيا في أتون صراع مسلح بين 2015 و2020.

اختيار مفاجئ ومشروط

وكان الدبيبة السياسي البالغ من العمر 62 عاما قد برز في العام الماضي كاختيار مفاجئ لقيادة عملية الانتقال السياسي المدعومة من الأمم المتحدة وقَبِل شرط ألا يستغل الامتيازات السياسية التي يتيحها له منصبه في ترشيح نفسه لمنصب الرئيس في حين يُحرم المرشحون المحتملون الآخرون من هذه الامتيازات.

ومع ذلك، فقد سعى خلال رئاسته للحكومة إلى استمالة كل قطاعات المشهد السياسي الليبي المفتت ووعد بتوفير أموال لمدن منسية وعرض أموالا على حديثي الزواج وعقدَ اتفاقات مع قوى أجنبية لمشروعات اقتصادية.

وكان إعلانه ترشيح نفسه لخوض انتخابات الرئاسة عاملا أسهم في نسف العملية الانتخابية التي كان من المقرر أن تبدأ في ديسمبر/كانون الأول الماضي 2021، والتي لم يتم التوصل إلى اتفاق على القواعد التي تحكمها وخصوصا أهلية الدبيبة نفسه وغيره من كبار المرشحين.

ورغم أن الأرجح في ما يبدو أن تسفر الخطوات التي تتخذ في البرلمان عن تشكيل حكومة موازية خارج العاصمة طرابلس، بدلا من تغيير الدبيبة فمن الممكن أن تقوّض هذه الخطوات أي إدعاء من جانبه برئاسته لحكومة وحدة.

ويمثل الموقف مأزقا ليس لطموحات الدبيبة نفسه، بل لعملية السلام التي كان المستهدف أن تنفذها حكومته بدعم من الأمم المتحدة. ويبقى مدى التزامه بالانتقال السياسي مسألة غير محسومة.

ويقول الدبيبة إنه عمل على رسم مسار للانتخابات وتوحيد المؤسسات المتنافسة تنفيذا لما تم تكليفه به غير أن فصائل منافسة أحبطت مساعيه. ويتهمه منتقدوه بالسعي لتقويض العملية الانتخابية وباستخدام أموال الدولة دون تفويض سليم في تعزيز مصالحه السياسية وبالفساد وكلها اتهامات ينفيها.

قال ولفرام لاشر من مركز أبحاث إس.دبليو.بي الألماني "ما يغضب كثيرين من خصوم الدبيبة هو أنه يتحكم بقدر كبير في الإنفاق الحكومي".

وأيا كانت صحة ما يقال عنه سواء لصالحه أو ضده فمما لا شك فيه أنه برز كمصدر خطر كبير على طموحات قيادات فئوية كبرى أخرى في ليبيا خلال الفترة التي قضاها في منصبه.

واختِير الدبيبة رئيسا للوزراء من خلال هيئة سياسية مكونة من 75 مندوبا اختارتهم الأمم المتحدة من الفصائل السياسية والمناطق الليبية في تصويت جرى في جنيف العام الماضي.

والدبيبة سليل عائلة لها باع طويل في مجال الأعمال من مصراته برزت قبل انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي وكان على قائمة مرشحين هزمت منافسين أكثر شهرة.

وكان من بين القوائم التي لم يكتب لها النجاح قائمة جمعت رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي يقود محاولة الإطاحة بالدبيبة وفتحي باشاغا وزير الداخلية السابق، الذي اختاره البرلمان اليوم رئيسا جديدا للوزراء.

وإذا استمر الدبيبة في رفض التنحي فربما توجد في ليبيا من جديد حكومتان واحدة بقيادته في طرابلس تعترف بها الأمم المتحدة والدول الغربية وأخرى يعينها البرلمان في الشرق.

وقد ضمن الدبيبة من جانبه ولاء فصائل عسكرية قوية في طرابلس رغم أن خلافات بين الجماعات المسلحة التي تملك النفوذ في الشوارع قد تعني أن منافسا ذا مصداقية قد يقلب القوى الأخرى عليه.

وقال الباحث جلال حرشاوي من منظمة المبادرة العالمية "الدبيبة أبدى استعدادا للعمل مع أي أحد خلال ترتيبات قصيرة لم تدم. وليس لديه أيديولوجية ويقول لكل طائفة أو فصيل ما يريد أن يسمعه".

وبعد اختيار البرلمان باشاغا رئيسا جديدا للوزراء في مسعاه لإبعاد الدبيبة، ستكون مفاوضات الأسابيع والأشهر المقبلة اختبارا لقدرة الدبيبة ذاته على التعامل مع شبكة التحالفات والعداوات المعقدة التي ستحدد في النهاية من سيمسك بزمام السلطة في ليبيا.