الذكرى 11 للثورة الليبية تحل وسط انقسامات سياسية عميقة

على الصعيد السياسي، عرفت ليبيا منذ سقوط القذافي ما لا يقل عن تسع حكومات وشهدت حربين أهليتين ولم تنجح في تنظيم انتخابات رئاسية.
ماذا تغير في ليبيا بعد 11 عاما من سقوط نظام القذافي
الليبيون يستعدون لاحتفالات في ذكرى الثورة بينما تستمر الأزمة السياسية

طرابلس - حلت الذكرى السنوية الحادية عشر للثورة الليبية التي أنهت أكثر من أربعة عقود من حكم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بينما تسود ليبيا حالة من الانقسام والخلافات وضعت الانتقال الديمقراطي على حافة منزلق خطير قد يعيد البلاد إلى مربع الفوضى والاقتتال.

ويحيي الليبيون هذه الذكرى السنوية وسط مخاوف من تجدد موجة العنف بعد أن بدد انهيار عملية سياسية رعتها الأمم المتحدة، بارقة الأمل الوحيدة لبناء دولة ديمقراطية وتحقيق الاستقرار.

ووجدت ليبيا نفسها منذ العاشر من فبراير/شباط مع رئيسي وزراء متنافسين في طرابلس، بعدما تخلّفت عن الاستحقاق الانتخابي الذي كان محددا نهاية العام الماضي وكان يفترض أن يضع البلاد على سكة تجديد مؤسساتها الديمقراطية بالاقتراع واستعادة حياة سياسية طبيعية.

وعيّن مجلس النواب الذي يتخذ من الشرق مقرّا وزير الداخلية السابق والسياسي النافذ فتحي باشاغا (60 عاما) رئيسا للحكومة ليحل محل عبدالحميد الدبيبة، لكن هذا الأخير يؤكد عدم استعداده للتخلي عن السلطة إلا لسلطة منتخبة، ما يشكل وضعا سياسيا معقدا ويثير مخاوف من تجدد الصراع المسلح.

وبمناسبة ذكرى الثورة التي بدأت في خضم ما عرف بـ"الربيع العربي"، زُيّنت الشوارع الرئيسية في طرابلس بالأحمر والأسود والأخضر، ألوان الشعار الوطني الذي تم اعتماده بعد سقوط النظام السابق.

كما خرج عشرات من سكان بنغازي (شرق) حاملين علم البلاد من أمام مقر محكمة المدينة التي انطلقت من أمامها شرارة الثورة قبل 11 عاما.

وستقام الجمعة بسبب سوء الأحوال الجوية حفلات موسيقية مع أغان ثورية وألعاب نارية في ساحة الشهداء في طرابلس حيث كان "قائد الثورة" القذافي يحب إلقاء خطاباته، قبل أن تسقطه انتفاضة شعبية كانت انطلقت في 17 فبراير/شباط 2011.

وأكد رئيس الوزراء الليبي عبدالحميد الدبيبة أنه يجدد "العهد والتطلع إلى المستقبل الواعد وتحقيق التغيير المنشود". وكتب في تغريده على حسابه بتويتر "ليبيا لن تكون إلا واحدة، ينظمها دستور ومؤسسات توفر الأمن المستدام".

بدوره قال رئيس الأركان العامة لقوات الجيش في طرابلس الفريق محمد الحداد خلال احتفال عسكري بمناسبة ذكرى الثورة "لن ننسى شهداء ثورة فبراير الذين قدموا أرواحهم من أجل دولة ديمقراطية مدنية لها دستور يستمد شرعيته من الشعب الليبي".

كما قدمت بعثة الأمم المتحدة تهانيها لليبيين بمناسبة الذكرى الـ11 للثورة وجددت دعوتها إلى "الحفاظ على الاستقرار والهدوء" في البلاد.

وكررت في بيانها التزامها دعم جهود الليبيين والانخراط في عملية سياسية "شاملة توافقية" تؤدي إلى انتخابات "حرة ونزيهة".

ولا تساعد الانقسامات العميقة والتدخلات الخارجية وانعدام الأمن ليبيا على الخروج من أزمتها التي تترك تداعيات سلبية على سكانها السبعة ملايين وذلك على الرغم من احتياطيات النفط الوفيرة في البلاد التي يفترض أن تضمن لليبيين مستوى معيشيا مريحا، لكن ذلك لا يبدو ممكن التحقيق في الأجل القريب.

وعلى الصعيد السياسي، عرفت ليبيا منذ سقوط القذافي ما لا يقل عن تسع حكومات، وخاضت حربين أهليتين ولم تنجح في تنظيم انتخابات رئاسية.

وفي دليل على التوترات المتصاعدة بعد التعيين المثير للجدل لرئيس الوزراء الجديد، اجتمعت المجموعات المسلحة في مصراتة في طرابلس في نهاية هذا الأسبوع، للتعبير عن دعمها للدبيبة والانخراط في استعراض قوة في قلب العاصمة.

وكان الأمل في التهدئة فعليا، ففي نهاية العام 2020، بعد فترة وجيزة من فشل المشير خليفة حفتر رجل الشرق القوي في غزو طرابلس، تم التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تلاه إطلاق عملية سلام أنتجت سلطة تنفيذية موحدة للمؤسسات في عموم البلاد، سرعان ما اتضح لاحقا أنها "غير كافية" لتحقيق الوحدة المنشودة، في ظل صراع محموم على السلطة.

وضمن هذا الإطار، عُيّن الدبيبة قبل سنة على رأس حكومة انتقالية، مهمتها توحيد المؤسسات وقيادة البلاد إلى انتخابات رئاسية وتشريعية حدد موعدها في 24 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي.

لكن الخلافات العميقة أدت إلى تأجيل هذه الانتخابات إلى أجل غير مسمى. وكان المجتمع الدولي يعلق آمالا كبيرة على الانتخابات لتساهم في استقرار بلد تحوّل بسبب الفوضى، إلى مركز للهجرة غير القانونية إلى أوروبا وبؤرة تنشط فيها جماعات متطرفة خصوصا في جنوب ليبيا.

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي أنه رغم ذلك، فإن هناك "عددا من الموضوعات التي تقدمت فيها ليبيا"، مشيرا إلى أنها "لم تشهد أي معارك كبيرة بالأسلحة النارية منذ يونيو/حزيران 2020. العديد من الأعداء اللدودين حتى قبل عامين مضيا باتوا يتحدثون مع بعضهم البعض، بل ويتحالفون في بعض الحالات. هذه بداية المصالحة".

في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أظهر باشاغا الذي كان مرشحا رئاسيا في حينه، تقاربا مع السلطة المنافسة التي كانت تتخذ من الشرق مقرا، عندما سافر إلى بنغازي والتقى اللواء حفتر. وكان باشاغا وصف قبل ذلك حفتر بـ"الدكتاتور" المتعطش للسلطة.

ولم يعد اليوم الصراع بين الشرق والغرب، بل بين اللاعبين الرئيسيين في المنطقتين، فقد بات فتحي باشاغا يحظى بدعم من رئاسة مجلس النواب (شرق) والمجلس الأعلى للدولة (الغرفة الثانية في البرلمان) في طرابلس (غرب) ومن حفتر.

وأمام فتحي باشاغا حتى 24 فبراير/شباط لتشكيل حكومته وتقديمها إلى البرلمان. وحتى ذاك التاريخ وفي حال نجاحه في نيل ثقة النواب لإجازة حكومته، تبقى معرفة ما إذا كان الدبيبة سيوافق على التنازل عن السلطة.