الشعر والإلهام الصوفي في 'سدرة الوصل'

ديوان الشاعر هشام محمود يضعنا أمام تجربة شعرية لصوفي أكثر منها تجربة لشاع، فالصوفي مختلف عن الشاعر في الرؤية والآداء، اذ ان استلهام الاخير للرمز سطحي فني، بينما الاول يُعبر عن معان عميقة وبالتالي يعطي مفهوما أعمق للرمز دون إهمال للجانب الجمال.

الشعر والتصوف حقلان متقاربان في عالم معرفي واحد، هو عالم الروح المتخفي وراء عالم الواقع، إنهما يصدران عن تجربة روحية للعالم، فهما يلتقيان في الاسلوب أي في الصورة والإيقاع واللغة، فالنص الصوفي مثل النص الشعري يتميز بصدق التجربة لكونها وليدة المعاناة، ذلك لأن الصوفي عاشق ينفس عن مشاعره بكلمات تتسم بالرمزية التي تفرضها طبيعة المعاني الروحية، فهو لا يعبر بلغة العموم، بل يلجأ إلي لغة الخصوص، فالتجربتان (الصوفية والشعرية) مرتبطان غير أن الشاعر قد لا يكون متصوفا ولا يلزمه أن يكون متصوفا، ولكن الصوفي لا يبعد أن يكون شاعرا، فالصوفي هو شاعر سواء نظم القول أو نثرا، فأداة الإدراك عنده هي نفسها وسيلة الشاعر، فكليهما يعتمدان علي الباطن، مما جعل لغتهما مختلفة عن اللغة العادية.[1]

طالعت ديوان الشاعر هشام محمود الذي جاء بعنوان سدرة الوصل ..شهوة الموصول، والذي يتكون من أربع عشرة قصيدة  تضم باقة من الشعر الصوفي الجيد، وأفتتحه بقصيدة "هالة" وهي قصيدة تحمل صورة فنية رائعة، صور فيها" هالة النور" بأبدع ما يكون التصوير وكأننا لم نر هذه الهالة فقط بل نري موضع نومها علي الوردة و نسمع لها صوتا كصهيل الخيل  بل ويصلنا نورها يقول: إنها هالة..برقت، واستنامت علي وردة  ..باجتراء الصهيل، وعنف الشتاء، وهو يبين لنا ما فعلته تلك الهالة  بقوله: تهيؤني لانفلاق.. علي صخرة المطلقات، اثتلاف ..علي طمية في الفراغ  ثم يختم القصيدة  بوعد المحبين باللقاء وقت الفراق فيقول:ووعد بإن نلتقى.. حينما نفترق!

ونجد بالديوان كل أشكال الرمز الصوفي- مثل رمز الخمر، ورمز المرأة، عند الحديث عن الحب الإلهى، ومنها رموز مستمدة من الطبيعة، كرمز الماء، النور، الطير، الفراش، الأعداد والحروف، الطلل والرحلة، الموت، والمعراج ..إلخ- لكن الغالب علي قصائده الرمز الصوفيالأسطورى، حيث يدخلنا الشاعر معه مدنا من أساطير غائمة (موحشة التقاويم)-مدنا للحب والنور والرمز والنار- ويغرقنا معه في بحيرات من لازورد، ويختال بنا علي رصيف السحب المكون من (عناقيد غيم مجنحة) في الفضاء الرحيب، ويعرج بنا (بمعارج من فضة) لا تريم، ونشاهد بعينيه بنايات من "برد ودخان"!

وهنا نتوقف عند الرمز الصوفي " فهو الأكثر ذهابا في الغموض لأنه يستمد طاقته من ذاتية صاحبه ولأنه لا يقتصر علي دور الإشارة إلي مضمون أو التمثيل له وغنما هو كيان خاص/حقيقة مستقلة غير قابلة للتحديد بدقة لأنه لو كان شأنه كذلك لكان مجرد دليل مباشر لشىء ما.

إن للرمز الصوفي إذن استقلاليته وخصوصيته، فهو ليس مجرد تعبير عن شىء منفصل عنه، بل هو كيان يصعب تحديده مما يجعله قادر علي العروج إلي أقصى درجات التجريد وألطفها.[2]

والمطلع علي الرمزية الصوفية يواجه بلون غريب من الغموض، وهذا شىء طبيعي مع أدب ينحو نحو تجريد المحسوسات وإلباسها معان ربما تكون مبيته، ولكنه يمتاحها من باطن الذات، ويري فيها أصلا ترتد إليه جزئيات الواقع ومظاهره، ثم هو طبيعي حين يري الشاعر أن الدلالة اللغوية قاصرة عن تقرير حالات النفس بكل ثرائها وعمقها، فيلجأ إلي الإيحاء بها وإثارة ما يشببها في وجدان المتلقي عن طريق الرمز والموسيقي الشعرية، وقد يضطره ذلك إلي ان يحدث في متن اللغة وقواعدها ما لا عهد لها به، حتي يهيىء لها كيانا جديد تستطيع به أن تؤدي وظيفتها الإيحائية المبتغاة.فيقترن تعقيد التركيب الكلامي بتعقيد الجو النفسي المراء إثارته، بل قد يتعمد الشاعر إلقاء بعض الظلال على معانيه وتغليفها بغلالة سحرية تجنبها خطر البوح المبتذل.[3]

ويجب الإشارة هنا إلي ما بين الأسطورة والرمز والصورة من نقاط تقاطع واختلاف، فالأسطورة هنا تختلف عن الرمز من جهة كونها تفسيرا للعالم، بناء كليا أو نظاما ما يتجاوز ما هو دينوى، ذو أبعاد كونيه، بينما الرمز يركز أكثر علي الجزئي والتفصيلى، كما أن الرمز تخصبه وتثريه الصور والعكس صحيح، كما يمكن للأسطورة أن تتضمن أيضا سياقا من الرموز والصور المتألفه التي تستهدف رسالة ما، والمحصله أن لدينا خصائص عامة تجمع بين الأسطورة والشعر والدين في تراكيبهما الرمزية من تكثيف وإدماج وإسقاط وتعبير عن المعاني الخاصة والأفكار المجردة بواسطة الصورة الحسية وأبنية المجاز.[4]

ونصوص الديوان مليئة بالومضات القرآنية (التناص القرآنى) التي تضىء الكثير من أشعاره، واستثماره هذه النصوص القرآنية او حتي المفردة القرآنية علي صعيد تعميق الدلالة وخدمة المعني الشعري وتوسيع فضاء المعني في النص الشعري، فنجده في مفتتح القصيدة الثانية من الديوان- والتي يحمل الديوان عنوانه-يتجلي التناص القرآني في الآية الكريمة "قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها"- سورة البقرة الآية 144-، وفي الآية الكريمة "ألم يكن لي ملك مصر وهذه الأنهار من تحتى"-سورة الزخرف الآية 51،  كما نجده في قصيدته "ألق علي طمي الكتابة" تناص قرآني قل لو كان البحر مدادا...- سورة الكهف الآية 109، ، سبحان الذي أسري ...- سورة الإسراء الآية 1-، وروح وريحان...-سورة الواقعة الآية 89.

كما نجد الشاعر متأثرا بسورة سيدنا يوسف أشد التأثير (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب )- سورة يوسف الآية 111-حيث يقول :ياالله ..تجليت فجليت دمى..ميقاتا للإشراق، ومتكأ لقميص..ألقاه علي وجهي البحر، فعاد بصيرا وهيا معاني تتناص مع الآية الكريمة اذهبوا بقميصي هذا فألقوه علي وجه أبي يأتي بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين -سورة يوسف الآية 93.

كما تجلي التناص القرآني في استخدامه لمفردات :برزخ، اصطفيتك، النبوة، روح مقدسة، عذاب مقيم، ملائكة، سدرة الوصل، مملكة الله، أثقالها، حوض وردك، أنبياء، واحد إنه أحد.

كما نجد الشاعر متأثرا بأقطاب شعراء الصوفية ابن الفارض"سلطان العاشقين"، والحلاج (شاعر صوفي من شعراء الدولة العباسية)  الذي يُعد من رواد أعلام التصوف في العالم العربي الإسلامي .مستشهدا بآبيات من شعرهما الصوفي ..ص 21، وص 30.

وختاما فإذا كان مفهوم الرمز بشكل عام والذي ينحصر في معني الإخفاء والحجب لمعني باطني غير ظاهر وراء معني آخر ظاهر ومباشر لكنه ليس مقصود بعينه.لأن المقصود هو ذلك المعني الباطن ..فأننا في قراءة هذا الديوان-لم يتسن لي قراءة دواوين آخري للشاعر نفسه- أمام تجربة شعرية لصوفي أكثر منها تجربة شعرية لشاعر ..فالصوفي مختلفا عن الشاعر في الرؤية والآداء ..فاستلهام الشاعر للرمز، استلهام سطحي فنى..بينما الصوفي يُعبر من خلاله عن معان عميقة وبالتالي يعطي مفهوما أعمق للرمز دون إهمال للجانب الجمالى.


[1]عبدالجليل عبدالله صالح، لمحات من الشعر الصوفي بام عيدان،دار نشر الراوي للنشر والتوزيع،2019،ص ص 39-40

[2] أسماء خوالدية،الرمز الصوفى بين الإغتراب بداهة والإغتراب قصد،دار الأمان ،الرباط 2014،ص ص 25-27

[3]محمد فتوح احمد، الرمز والرمزية، ص 410-411. وراجع كذلك ص 304-305 من المرجع نفسه، وكذلك مفهوم الرمزية للدكتور كمال خضر، مجلة علم النفس، عدد 61، ص 7-8. ود. عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، ص 163-164.

[4]عاطف جودة،نص الرمز الشعري عند الصوفية،دار لأندلس،بيروت 2003،ص 119.